لم يعد انهيار بنك «أوينو» في باراجواي مجرد أزمة مصرفية تهدد مدخرات ملايين المواطنين، بل تحول إلى أزمة سياسية ومؤسسية أطاحت بالرئيس سانتياجو بينيا، بعدما تصاعدت الاتهامات بشأن وجود صلات مالية بينه وبين المجموعة المالكة للبنك، واستخدام أموال عامة واستثمارات صناديق التقاعد في المؤسسة المتعثرة.
وبدأت الأزمة مع توقف خدمات البنك، الذي كان يتعامل مع نحو 2.9 مليون عميل، قبل أن تمتد تداعياته إلى مؤسسات حكومية وصناديق المعاشات، وتثير احتجاجات شعبية واسعة، انتهت باستقالة بينيا في 5 نوفمبر، ثم عزله رسميًا بقرار من مجلس الشيوخ، ووضعه تحت الإقامة الجبرية لحين استكمال التحقيقات.
وكشفت التطورات عن حجم التشابكات بين القطاع المصرفي والمال العام والسلطة السياسية في البلاد، وسط تساؤلات بشأن مصير أموال المودعين والمسؤولين عن انهيار المؤسسة المالية.
بداية الأزمة
بدأت الأزمة مع بنك «أوينو» (Ueno Bank)، الذي نجح خلال سنوات قليلة في بناء قاعدة عملاء ضخمة وصلت إلى نحو 2.9 مليون شخص، بما يعادل قرابة 60% من السكان البالغين في باراجواي، مستفيدًا من توسعه في الخدمات المصرفية الرقمية.
لكن نشاط البنك لم يقتصر على الحسابات الشخصية والخدمات المصرفية للأفراد، بل امتد إلى التعامل مع مؤسسات حكومية وإدارة أموال عامة، إذ بلغت الودائع الحكومية لديه نحو 800 مليون دولار، وفقًا لتقارير إعلامية.
وفي 2 نوفمبر، قرر البنك المركزي الباراجواياني إخضاع المؤسسة لإجراءات التسوية، بعدما كشفت مراجعة أوضاعها المالية عن تراجع مؤشر الملاءة إلى أقل من نصف الحد الأدنى المطلوب قانونًا، نتيجة تعديلات أُدخلت على قوائمها المالية خلال عملية المراجعة.
وبموجب القرار، توقفت خدمات البنك، بما فيها تطبيق الهاتف المحمول والبطاقات والتحويلات المصرفية، وأُغلقت فروعه، ليجد ملايين العملاء أنفسهم غير قادرين على الوصول إلى حساباتهم وسحب مدخراتهم.
وأدى ذلك إلى حالة من الارتباك في الأسواق والقطاع المصرفي، مع تزايد مخاوف المواطنين والشركات من تداعيات تجميد الأموال وتعطل المعاملات المالية.
أموال المعاشات تحت الضغط
لم تتوقف تداعيات انهيار البنك عند العملاء الأفراد، بل امتدت إلى مؤسسات عامة، وفي مقدمتها معهد الضمان الاجتماعي (IPS)، المسؤول عن إدارة معاشات التقاعد والرعاية الصحية لشريحة واسعة من العاملين في البلاد.
وبحسب البيانات التي استند إليها المشرعون، بلغت استثمارات المعهد لدى البنك نحو 355 مليون دولار، بما يعادل قرابة 9% من إجمالي استثماراته، كما كان «أوينو» يتولى معالجة مدفوعات معاشات نحو 32 ألف متقاعد.
وأثار تجميد الحسابات مخاوف بشأن قدرة المتقاعدين على الحصول على مستحقاتهم، فضلًا عن تعطل معاملات شركات وأفراد يعتمدون على خدمات البنك، وهو ما زاد من الضغوط الشعبية المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الأزمة.
وتحولت قضية الأموال العامة واستثمارات صناديق التقاعد إلى محور رئيسي في الاتهامات الموجهة إلى الإدارة السياسية والجهات الرقابية، وسط مطالبات بالكشف عن آليات إيداع تلك الأموال ومدى الالتزام بقواعد إدارة المخاطر المصرفية.
لماذا أُطيح بالرئيس؟
سرعان ما تحولت الأزمة المصرفية إلى قضية سياسية، بعدما ظهرت اتهامات تتعلق بعلاقة الرئيس سانتياجو بينيا بالمجموعة المالكة للبنك، ومدى استفادتها من نفوذه السياسي في التوسع والحصول على امتيازات وأموال عامة.
وتقدم 35 نائبًا من المعارضة وأعضاء بالحزب الحاكم بمذكرة لبدء إجراءات عزل الرئيس، أمام مجلس النواب المكون من 80 مقعدًا، متهمين إياه بتضارب المصالح وإساءة استخدام أموال صناديق التقاعد والتستر المؤسسي المرتبط بالبنك.
واستند المشرعون إلى عدة وقائع، أبرزها امتلاك بينيا سابقًا أسهمًا في شركة «أوينو القابضة»، المالكة للبنك، قبل بيع حصته في أبريل 2025، إلى جانب حصوله على قرضين من المؤسسة المصرفية، اعتبروهما ضمن الشبهات المتعلقة بتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة.
كما أثاروا تساؤلات بشأن تعيين كارلوس كارفالو رئيسًا للبنك المركزي عام 2023، بعدما سبق له رئاسة مؤسسة «Financiera Ueno»، التي تحولت لاحقًا إلى بنك، وحصلت على الموافقة المصرفية بعد 83 يومًا من تعيينه، وفقًا لمذكرة الاتهام.
وشملت الاتهامات أيضًا التدخل الرئاسي لمصلحة البنك في تعاملاته مع معهد الضمان الاجتماعي، والتساهل مع عمليات الإقراض الداخلي عالية المخاطر.
وفي المقابل، نفى بينيا ارتكاب مخالفات، مؤكدًا أن أزمة البنك تتعلق بالرقابة المصرفية، وأنه مستعد للدفاع عن موقفه أمام الجهات القضائية، بينما لا تزال الاتهامات محل تحقيق ولم تتحول إلى أحكام جنائية نهائية.
من الاستقالة إلى العزل والإقامة الجبرية
مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية في العاصمة أسونسيون ومدن أخرى، وتزايد الضغوط السياسية، أعلن بينيا استقالته في 5 نوفمبر، بعدما فقد دعم شخصيات بارزة داخل حزبه الحاكم.
لكن استقالته لم توقف إجراءات المساءلة السياسية، إذ مضى البرلمان في استكمال عملية العزل، وصوّت مجلس الشيوخ في اليوم التالي لصالح إدانته بأغلبية 44 صوتًا من أصل 45 عضوًا، مع غياب عضو واحد، بسبب سوء أداء مهامه الرئاسية.
وبذلك أصبح بينيا ثاني رئيس باراجواي يُعزل عبر المساءلة السياسية منذ انتهاء ديكتاتورية ألفريدو ستروسنر عام 1989.
وتولى نائب الرئيس بيدرو أليانا الرئاسة لاستكمال المدة حتى أغسطس 2028، فيما وضعت السلطات بينيا تحت الإقامة الجبرية، تمهيدًا لمثوله أمام النيابة العامة واستجوابه بشأن اتهامات تتعلق بإساءة الأمانة واستغلال النفوذ وتحقيق مكاسب غير مشروعة.
وتشمل التحقيقات كذلك مسؤولين مصرفيين سابقين، في إطار مراجعة ملابسات انهيار البنك ودور الجهات الرقابية في التعامل مع أوضاعه المالية قبل إيقاف نشاطه.
هل يستعيد المودعون أموالهم؟
بدأ البنك المركزي في 5 نوفمبر إجراءات صرف الدفعات الأولى من ضمان الودائع، مستهدفًا في المرحلة الأولى أصحاب الأرصدة التي لا تتجاوز 10 ملايين جواراني، وفق شروط محددة.
ويصل الحد الأقصى للتغطية القانونية إلى 75 حدًا أدنى للأجور، بما يعادل 228.3 مليون جواراني للمودع الواحد لدى البنك، فيما تشير تقديرات البنك المركزي إلى أن نظام ضمان الودائع يمكن أن يغطي نحو 97% من عملاء «أوينو».
وتشمل خطة التعويضات صرف المستحقات على مراحل، مع إعطاء الأولوية لأصحاب الأرصدة الصغيرة، في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي واستعادة الثقة في النظام المصرفي.
لكن بدء صرف التعويضات لا يعني انتهاء الأزمة، إذ لا تزال هناك تساؤلات بشأن مصير الأرصدة التي تتجاوز حدود الضمان، وحجم الأموال العامة المعرضة للخطر، والمسؤولية عن تدهور الوضع المالي للبنك.
وبينما تواجه باراجواي تحدي استعادة ثقة مواطنيها في مؤسساتها المالية، تكشف الأزمة كيف يمكن لانهيار مؤسسة مصرفية ترتبط بحسابات ملايين الأفراد واستثمارات جهات حكومية وصناديق تقاعد أن يتجاوز حدود الاقتصاد، ليتحول إلى أزمة سياسية تطال رأس السلطة ومؤسسات الحكم.