خيّم الهدوء على أحياء اليهود المتشددين دينيًا "الحريديم" في القدس، بالتزامن مع انطلاق الانتخابات الإسرائيلية، إذ بدت الشوارع التجارية شبه خالية خلال ساعات الصباح، بينما أُغلقت مدارس أبوابها وأجّلت بعض المعاهد الدينية انتهاء دروسها إلى ما قبل توجه الطلاب إلى صناديق الاقتراع، وسط غياب مظاهر الحماسة الانتخابية المعتادة في بعض المناطق الأخرى.
وأظهرت جولة ميدانية في معاقل الحريديم أن التصويت لدى قطاعات واسعة من هذه الجماعة لا يرتبط بالاختيارات السياسية الفردية بقدر ارتباطه بتوجيهات الحاخامات والالتزام الديني، فيما واصلت الأحزاب الحريدية، وفي مقدمتها "يهدوت هتورا" و"شاس"، حشد أنصارها، وسط جدل بشأن تجنيد طلاب المعاهد الدينية في الجيش، ومطالب بتوسيع مشاركة الحريديم في سوق العمل، بحسب تقرير نشرته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل".
أوضح عدد من الناخبين في الأحياء الحريدية أن التصويت يُعد واجبًا دينيًا، بشرط أن يتوافق الاختيار مع تعاليم التوراة وتوجيهات القيادات الدينية. وذكرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" العبرية أن موشيه، شاب من أصول يهودية شرقية أدلى بصوته رفقة زوجته يهوديت، قال إن الامتناع عن التصويت يعني تفويت فريضة دينية، لكنه شدد على ضرورة اختيار الحزب الذي يتماشى مع المرجعية الدينية، معلنًا تصويته لحزب "شاس".
وفي المقابل، أكد يائير، طالب في إحدى المدارس الدينية، أنه صوّت لحزب "يهدوت هتوراه" تنفيذًا لتوجيهات الحاخامات، موضحًا أن اختياره لا يعتمد على رأيه الشخصي، بل على ما يرى أنه واجبه داخل المجتمع الحريدي، فيما وصف يهوشع، أحد الناخبين، يوم الانتخابات بأنه "يوم للصلاة"، مضيفًا أن النتائج النهائية تبقى في يد الله، وأن دور الناخب يقتصر على أداء ما يستطيع.
برزت قضية تجنيد طلاب المعاهد الدينية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، ضمن أبرز الموضوعات التي تناولتها الملصقات والمنشورات الانتخابية في الأحياء الحريدية، إذ حذرت لافتات من التصويت لأي حزب قد يسمح بفرض التجنيد، ولو جزئيًا، على طلاب المدارس الدينية، بينما شهدت بعض المواقع تجمعات صغيرة لمناقشة هذه الرسائل.
ورغم أن قضية التجنيد دفعت عشرات الآلاف من الحريديم إلى المشاركة في احتجاجات خلال السنوات الأخيرة، بدا عدد من الناخبين الذين تحدثوا إلى الصحيفة أقل اهتمامًا بها خلال يوم الاقتراع، فيما تمسك قادة الأحزاب الحريدية بمواقفهم الرافضة لإلغاء الإعفاءات الواسعة من الخدمة العسكرية، وهو ملف يهدد بتعقيد المفاوضات لتشكيل الحكومة المقبلة، نظرًا إلى اعتماد نتنياهو على الأحزاب الدينية في ائتلافاته السابقة.
انتشرت في بعض شوارع مئة شعاريم منشورات تدعو إلى مقاطعة الانتخابات، وتصف التصويت في النظام الديمقراطي بأنه عديم الجدوى، بينما وزع أحد الفتيان مئات المنشورات التي تضمنت عبارة "في بلد ديمقراطي، لا معنى لصوتك"، في إشارة إلى رفض بعض التيارات المتشددة المشاركة في العملية الانتخابية.
وفي المقابل، لم تظهر إعلانات ترويجية لحزب "الحريديون للجمهور"، حزب جديد يضم نساء على قائمته الانتخابية، ويدعو إلى تعزيز مشاركة الحريديم في سوق العمل وتجنيد الرجال الذين لا يدرسون بدوام كامل في المعاهد الدينية، وسط توقعات باستبعاد الحزب من الكنيست إذا أخفق في تجاوز العتبة الانتخابية، ما يعكس صعوبة اختراق التوجهات الراسخة داخل المجتمع الحريدي.
وأظهرت الأجواء في معاقل الحريديم أن الولاء للأحزاب الدينية وتوجيهات الحاخامات لا يزالان عاملين رئيسيين في تحديد سلوك الناخبين، بينما تتداخل الاعتبارات الدينية مع الحسابات السياسية المتعلقة بمستقبل الإعفاءات العسكرية وشكل الحكومة المقبلة، ما يمنح الأحزاب الحريدية أهمية خاصة في المفاوضات الائتلافية، إذا لم يتمكن أي من المعسكرين المتنافسين من تأمين أغلبية برلمانية مستقرة.
وأعلنت لجنة الانتخابات الإسرائيلية، اليوم الأربعاء، حصول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على 27 مقعدًا، بينما حصل جادي آيزنكوت على 21 مقعدًا، بعد فرز 55.4% من الأصوات.
وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أنه بحسب نتائج فرز 2.950.493 صوتًا، أي ما يعادل 51.8% من الأصوات التي جرى فرزها، حصل تحالف نتنياهو على 55 مقعدًا، وتحالف آيزنكوت على 49 مقعدًا، والأحزاب العربية على 16 مقعدًا.
وأوضحت الصحيفة أن "حزب الليكود حصل على 27 مقعدًا، وياشار على 21 مقعدًا، والقائمة المشتركة على 12 مقعدًا، وتحالف "معًا" على 11 مقعدًا، والديمقراطيون على 9 مقاعد، ويهدوت هتوراه على 9 مقاعد، وإسرائيل بيتنا على 8 مقاعد، وشاس على 7 مقاعد، وعوتسما يهوديت على 6 مقاعد، والصهيونية الدينية والهوية على 6 مقاعد، ورعام على 4 مقاعد، وفازت القائمة المشتركة بمقعد واحد على حساب عوتسما يهوديت".
نبض الشرق
فضاءات الفكر