كشفت بيانات مسربة من حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني عن محاولات استمرت لسنوات لبناء علاقات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وشخصيات بارزة في حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» (MAGA)، في إطار مساعي الحزب لتعزيز حضوره السياسي وتوسيع اتصالاته داخل الولايات المتحدة.
وتضم الوثائق، التي نشرتها منظمة «Distributed Denial of Secrets» المعنية بإتاحة البيانات المسربة، أكثر من 420 ألف رسالة بريد إلكتروني، إلى جانب مستندات وسجلات للموظفين، تغطي الفترة الممتدة منذ تأسيس الحزب عام 2013 وحتى الوقت الحاضر، مع تركيز كبير على السنوات السابقة لعام 2019.
وبحسب صحيفة «ذا جارديان»، تكشف المراسلات عن الصعوبات التي واجهها مسؤولو الحزب في محاولة استمالة ترامب، الذي اعتبروه منذ وقت مبكر حليفًا محتملًا. ومن بين هذه المحاولات، صياغة رسالة تهنئة عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، تضمنت عبارات إشادة وتمنيات بتحقيق أهدافه.
صعود الحزب في السياسة الألمانية
برز حزب «البديل من أجل ألمانيا» بوصفه وجهة للناخبين المعارضين للهجرة، خصوصًا عقب وصول نحو 1.2 مليون لاجئ إلى ألمانيا خلال عامي 2015 و2016.
ودخل الحزب البرلمان الألماني «البوندستاج» عام 2017 بعد حصوله على 12.6% من الأصوات، قبل أن يحتل المركز الثاني في الانتخابات الفيدرالية التي أُجريت في فبراير 2025، بنسبة بلغت 20.8%.
وفي سبتمبر 2026، سجل الحزب تقدمًا انتخابيًا في ولاية ساكسونيا-أنهالت، بعدما حصل، وفقًا للأرقام الواردة في التقرير، على 43.8% من الأصوات، في تطور يعزز مساعيه لتشكيل أول حكومة ولاية ألمانية بقيادة حزب من اليمين المتطرف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وفي المقابل، يخضع الحزب لمراقبة أجهزة الاستخبارات الداخلية الألمانية بسبب الاشتباه في تبنيه توجهات يمينية متطرفة، كما صُنفت خمسة من فروعه الإقليمية على أنها متطرفة بصورة مؤكدة. كذلك، صنفت السلطات جناحه الشبابي السابق بوصفه متطرفًا بصورة مؤكدة عام 2023، قبل حله في مارس 2025 وتأسيس منظمة «جيل ألمانيا» خلفًا له في نوفمبر من العام نفسه.
محاولات مبكرة للتواصل مع إدارة ترامب
تُظهر الرسائل المسربة أن مسؤولي الحزب سعوا إلى التواصل مع الإدارة الأمريكية عقب فوز ترامب في انتخابات عام 2016، كما تكشف عن تقارب سياسي بين شخصيات بارزة في الحزب، من بينها أليس فايدل، وأفراد من الدائرة المقربة من ترامب، وفي مقدمتهم ستيف بانون، كبير الاستراتيجيين السابق في البيت الأبيض.
وقبل الانتخابات الأمريكية، وصفت فراوكه بيتري، التي كانت تتولى قيادة الحزب آنذاك، ترامب بأنه «طرح بديل منعش» في ربيع 2016. وبعد فوزه، اعتبرت النتيجة تطورًا مشجعًا لألمانيا وأوروبا، فيما سارع الحزب إلى إعداد رسالة تهنئة للرئيس الأمريكي المنتخب.
وجاءت هذه التحركات في وقت أبدى فيه مسؤولون ألمان بارزون تحفظات إزاء فوز ترامب. ففي 9 نوفمبر 2016، أكدت المستشارة الألمانية آنذاك أنجيلا ميركل استعداد بلادها للتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة على أساس القيم المشتركة، بما يشمل احترام كرامة الإنسان دون تمييز على أساس الأصل أو لون البشرة أو الدين أو الجنس أو الميول الجنسية أو الآراء السياسية. أما وزيرة الدفاع آنذاك، أورسولا فون دير لاين، فوصفت النتيجة بأنها «صدمة كبيرة».
وفي يونيو 2018، أجرى وفد من حزب «البديل من أجل ألمانيا» زيارة إلى الولايات المتحدة، ضم أرمين-باولوس هامبل، المتحدث باسم المجموعة البرلمانية للشؤون الخارجية، وينس كيستنر، عضو لجنة الدفاع.
وذكر بيان صحفي صدر في 13 يونيو أن الزيارة استهدفت الاطلاع على أوضاع العلاقات الألمانية الأمريكية، وشملت لقاءات في وزارة الخارجية الأمريكية ومبنى الكابيتول والبنتاجون، عرض خلالها الوفد مواقف الحزب بشأن السياسة الخارجية.
ونُقل عن هامبل قوله: «لقد جئنا للاستماع». وأفادت صحيفة «فرانكفورتر روندشاو» آنذاك بأن الزيارة كانت أول زيارة رسمية للمجموعة البرلمانية التابعة للحزب إلى الولايات المتحدة، وأن المحادثات جرت على مستوى متوسط من المسؤولين.
شركة أمريكية تفتح قنوات اتصال مع دائرة ترامب
تُظهر الوثائق أن شركة «هاريس ميديا»، المتخصصة في الخدمات الرقمية ومقرها ولاية تكسا، مثلت إحدى قنوات التواصل بين الحزب وشخصيات في الدائرة السياسية الأمريكية. وكانت الشركة قد عملت لصالح السيناتور الجمهوري راند بول، والسياسية الفرنسية مارين لوبان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما أدارت الحملة الرقمية للحزب خلال الانتخابات الفيدرالية الألمانية عام 2017، وفقًا لما أوردته مجلة «دير شبيجل» آنذاك.
وفي 28 فبراير 2018، راسل مؤسس الشركة فينسنت هاريس أليس فايدل، التي كانت تشغل منصب الرئيسة المشاركة للمجموعة البرلمانية للحزب، وأبلغها بأنه يعتزم زيارة برلين في مارس، معربًا عن رغبته في مناقشة قاعدة بيانات الحزب، وزيادة التبرعات، وسبل استقطاب مانحين جدد.
وردت فايدل في اليوم التالي بأن مكتبها سيتواصل معه، ثم سألته عن رقم هاتف ستيف بانون، معربة عن رغبتها في مقابلته. وكان بانون قد غادر منصبه في البيت الأبيض قبل نحو سبعة أشهر، فيما أشارت وكالة الأنباء الألمانية إلى أن اللقاء عُقد بالفعل.
وبعد ثلاثة أيام، اقترح ثور كونكل، المدير الإبداعي لحملة الحزب، توظيف بانون للعمل في المشروع الإعلامي الداخلي للحزب المعروف باسم «AfD-TV»، معتبرًا أنه يبحث عن فرصة عمل جديدة.
وتشير هذه المراسلات إلى اهتمام الحزب بالاستفادة من خبرات شخصيات مرتبطة بالتيار المحافظ الأمريكي، سواء في مجال التواصل السياسي أو إدارة الحملات الرقمية أو تطوير المنصات الإعلامية.
تقارب سياسي رغم الاختلافات في التوجهات الخارجية
لم يقتصر التقارب بين الحزب وشخصيات في معسكر ترامب على الاتصالات الشخصية، بل امتد إلى نقاشات بشأن السياسة الخارجية والأمن الأوروبي.
فالبيان التأسيسي للحزب، الذي اعتُمد عام 2016، ربط استمرار عضوية ألمانيا في حلف شمال الأطلسي «الناتو» باقتصار دوره على الدفاع المشترك، ودعا إلى سحب القوات الأجنبية المتمركزة في ألمانيا، خصوصًا الأسلحة النووية.
أما برنامج الحزب لعام 2025، فأبقى على عضوية ألمانيا في الحلف إلى حين بناء تحالف عسكري أوروبي مستقل وقادر، مع رفض التوسع شرقًا، كما دعا إلى أن تكون أوكرانيا دولة محايدة لا تنحاز إلى روسيا أو الغرب.
وعلى الرغم من تراجع حجم الرسائل المسربة بعد عام 2019، فإن السجلات العامة والنشرات الصادرة عن سياسيين في الحزب تشير إلى استمرار الاتصالات مع شخصيات مرتبطة بإدارة ترامب الثانية.
وتوفر الوثائق بذلك صورة عن مسار طويل من محاولات حزب «البديل من أجل ألمانيا» بناء علاقات سياسية وإعلامية مع دوائر أمريكية مؤثرة، في وقت يواصل فيه الحزب توسيع حضوره داخل ألمانيا وسط جدل متصاعد بشأن توجهاته ومواقفه السياسية.