بث تجريبي

لماذا تعيد مصادقة "برلمان شرق ليبيا" على الاتفاق البحري مع تركيا صراع النفوذ والطاقة إلى الواجهة؟

لم يكن تصويت مجلس النواب الليبي، الذي يتخذ من شرق البلاد مقرًا له، بالموافقة على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا مجرد إجراء تشريعي داخلي، بل يمثل تطورًا سياسيًا واستراتيجيًا قد يعيد ترتيب حسابات النفوذ والتحالفات في شرق البحر المتوسط، في ظل استمرار التنافس على ترسيم الحدود البحرية وموارد الطاقة ومسارات نقل الغاز إلى أوروبا.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى التحول في موقف معسكر شرق ليبيا، الذي اتخذ خلال السنوات الماضية موقفًا معارضًا للاتفاق التركي الليبي، قبل أن تأتي المصادقة البرلمانية لتمنح أنقرة دعمًا سياسيًا إضافيًا لموقفها بشأن ترسيم الحدود البحرية. وفي المقابل، أثارت الخطوة اعتراضات إقليمية، في مقدمتها مواقف مصر واليونان، وسط مخاوف من انعكاساتها على حقوق الدول الساحلية وتوازنات الطاقة والأمن في المنطقة.

وبذلك، يعود الخلاف البحري بين تركيا من جهة، ومصر واليونان وقبرص من جهة أخرى، إلى واجهة المشهد الإقليمي، في وقت تتشابك فيه المصالح الاقتصادية والحسابات الأمنية مع التحولات التي تشهدها المنطقة والنظام الدولي.

دوافع عودة الخلاف إلى واجهة شرق المتوسط

يرتبط تجدد الخلاف حول الاتفاق التركي الليبي بمجموعة من العوامل القانونية والجغرافية والاستراتيجية، في مقدمتها التباين بشأن ترسيم الحدود البحرية وحقوق الجزر في المناطق المتنازع عليها بشرق المتوسط.

ويستند الاتفاق التركي الليبي إلى تصور لترسيم الحدود البحرية بين الدولتين، تعترض عليه اليونان، التي ترى أنه يتجاهل الأثر القانوني لجزرها، وفي مقدمتها جزيرة كريت، في تحديد المناطق البحرية والجرف القاري. وتؤكد أثينا أن الجزر تتمتع بحقوق بحرية بموجب القانون الدولي، وأن الاتفاق ينتقص من هذه الحقوق، ولذلك ترفض الاعتراف بآثاره القانونية.

في المقابل، تتمسك تركيا برؤيتها لترسيم الحدود البحرية، وتعارض منح الجزر اليونانية أثرًا كاملًا في تحديد المناطق البحرية على نحو تعتبره منتقصًا من حقوقها. ويعكس هذا الخلاف تعارضًا أوسع بين التصورات القانونية والجغرافية التي تستند إليها الأطراف المختلفة في تحديد نطاق مناطقها البحرية.

ولا يقتصر التنافس على المسائل القانونية، بل يمتد إلى مستقبل مشروعات الطاقة الإقليمية، إذ تسعى أنقرة إلى تعزيز دورها في ترتيبات نقل الغاز من شرق المتوسط إلى الأسواق الأوروبية، بينما ترى أطراف أخرى أن الخلافات البحرية قد تؤثر على مسارات مشروعات الطاقة التي لا تمر بالمناطق التي تعتبرها تركيا ضمن نطاق مطالباتها.

ويضيف التحول في موقف مجلس النواب الليبي بُعدًا سياسيًا جديدًا إلى هذا الملف، بعدما كان الاتفاق موضع خلاف داخل ليبيا، في ظل الانقسام بين المؤسسات والسلطات المتنافسة في شرق البلاد وغربها. ومن شأن المصادقة البرلمانية أن تمنح الاتفاق زخمًا سياسيًا إضافيًا، لكنها لا تنهي الخلافات القانونية والإقليمية بشأنه.

الاتفاقية بين الاعتراضات القانونية ومخاطر الانقسام الليبي

من منظور استراتيجي وقانوني، تتركز الانتقادات الموجهة إلى الاتفاق التركي الليبي على مدى توافقه مع قواعد القانون الدولي للبحار، ومدى مراعاته حقوق الدول الساحلية الأخرى، خصوصًا في المناطق التي تتداخل فيها المطالبات البحرية.

وتشمل هذه الانتقادات مسألة تحديد الأثر القانوني للجزر في ترسيم الحدود البحرية، فضلًا عن المبادئ التي تستند إليها الدول عند التفاوض على ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، بما في ذلك مراعاة الظروف الجغرافية وتحقيق حل منصف بين الأطراف المعنية.

وتظل هذه المسائل محل خلاف بين الدول المعنية، ولا يمكن اعتبار الاعتراضات السياسية وحدها حكمًا قانونيًا نهائيًا بشأن الاتفاق؛ إذ يتطلب حسم النزاعات البحرية النظر في القواعد القانونية ذات الصلة، والحقوق التي تتمسك بها الأطراف، ومدى انطباق تلك القواعد على الظروف الجغرافية لكل حالة.

وعلى المستوى الداخلي، يثير الاتفاق تساؤلات بشأن إدارة الملفات السيادية الكبرى في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي الليبي. فإقرار ترتيبات تتعلق بالحدود البحرية والموارد الطبيعية في بيئة سياسية منقسمة قد يزيد من حدة الاستقطاب، ويحول المصالح البحرية الليبية إلى محور إضافي للتنافس الإقليمي.

وتبرز هنا أهمية وجود توافق وطني ليبي واسع بشأن الاتفاقيات التي تمس السيادة والموارد، بما يضمن ألا تتحول الخلافات الداخلية إلى مدخل لتوسيع نفوذ القوى الخارجية أو استخدام الأراضي والمياه الليبية في صراعات تتجاوز المصالح الليبية المباشرة.

كذلك، يثير الاتفاق مخاوف من إضعاف فرص التعاون الإقليمي في مجال الطاقة، خصوصًا أن شرق المتوسط يضم دولًا تتباين مواقفها بشأن الحدود البحرية، لكنها تتقاطع في مصالح اقتصادية مرتبطة باستكشاف الغاز وإنتاجه وتسييله وتصديره.

وفي هذا السياق، يمثل منتدى غاز شرق المتوسط إحدى المنصات الإقليمية التي تستهدف تعزيز التعاون في مجال الغاز، وإن كانت الخلافات السياسية والبحرية تحد من قدرة الأطراف المختلفة على الوصول إلى ترتيبات شاملة تحقق مصالحها المشتركة.

الموقف المصري وجبهة الاعتراض الإقليمي

تتعامل مصر مع الاتفاق البحري التركي الليبي باعتباره ملفًا يرتبط بحقوقها البحرية وحساباتها الاستراتيجية في شرق المتوسط، وتعارض القاهرة الترتيبات التي ترى أنها تتداخل مع مناطقها البحرية أو تنتقص من حقوقها السيادية.

وتستند أهمية الموقف المصري إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي وقعته القاهرة وأثينا عام 2020، والذي يحدد نطاقًا للحدود البحرية بين البلدين وفقًا لتفاهماتهما القانونية. وفي ظل وجود مطالبات بحرية متعارضة في المنطقة، ترى مصر أن أي ترتيبات أخرى يجب ألا تنتقص من حقوقها البحرية أو تتجاهل الاتفاقات التي أبرمتها مع شركائها.

وترفض القاهرة فرض ترتيبات أحادية تتعارض مع ما تعتبره حقوقًا بحرية مصرية، وتؤكد أهمية معالجة الخلافات بالوسائل القانونية والدبلوماسية، بعيدًا عن محاولات فرض الأمر الواقع أو استغلال الانقسامات السياسية داخل ليبيا.

ولا تنفصل هذه الحسابات عن أهمية شرق المتوسط للأمن القومي المصري، سواء فيما يتعلق بموارد الغاز الطبيعي أو بموقع مصر في شبكات الطاقة الإقليمية، خصوصًا في ضوء امتلاكها بنية تحتية لتسييل الغاز في إدكو ودمياط، بما يعزز قدرتها على استقبال الغاز ومعالجته وتصديره إلى الأسواق الخارجية.

وتتقاطع الاعتراضات المصرية مع المواقف اليونانية والقبرصية، إذ ترى أثينا ونيقوسيا أن الاتفاق التركي الليبي يمس حقوقهما البحرية، ولا سيما ما يتعلق بالأثر القانوني للجزر في تحديد المناطق البحرية. كما تنظران إلى النزاعات المستمرة باعتبارها عاملًا قد يهدد استقرار شرق المتوسط ويزيد المخاطر المرتبطة بالتنقيب عن الغاز ومشروعات نقله.

أما إسرائيل، فتتابع بدورها التطورات المرتبطة بترتيبات الطاقة والأمن البحري في المنطقة، في ظل ارتباط مصالحها بمشروعات الغاز وشبكات التصدير والعلاقات الاستراتيجية مع عدد من دول شرق المتوسط. وتثير التحركات التركية مخاوف لدى أطراف إقليمية من أن يؤدي تجدد النزاعات البحرية إلى تعقيد ترتيبات التعاون القائمة وإعادة تشكيل التوازنات المحيطة بمشروعات الطاقة.

وبذلك، لا يقتصر الخلاف على تفسير قانوني لترسيم الحدود، بل يتصل أيضًا بمستقبل شبكة العلاقات والتحالفات الإقليمية، وبمدى قدرة الدول المعنية على احتواء التنافس البحري ومنع تحوله إلى مصدر دائم للتوتر.

تأثيرات الاتفاق على مستقبل الغاز وأمن الطاقة

تتجاوز انعكاسات المصادقة البرلمانية الليبية الجانب السياسي، لتصل إلى مستقبل استكشاف الغاز الطبيعي ونقله في شرق المتوسط، في ظل ارتباط مشروعات الطاقة بتحديد المناطق البحرية التي يمكن للدول والشركات العمل فيها.

وتظهر التأثيرات المحتملة للاتفاق في عدة محاور رئيسية:

أولًا: تعقيد مشروعات نقل الغاز وارتفاع مخاطر الاستثمار

قد يؤدي استمرار الخلافات البحرية إلى زيادة التعقيدات التي تواجه مشروعات ربط حقول الغاز بالأسواق الأوروبية، ومن بينها مشروع خط أنابيب «إيست ميد» المقترح لنقل الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا، إلى جانب مشروعات الربط بين قبرص واليونان وغيرها من المبادرات المرتبطة بتطوير البنية التحتية للطاقة.

وتؤدي النزاعات المتعلقة بالحدود البحرية إلى زيادة المخاطر السياسية والقانونية التي تأخذها شركات النفط والغاز في الاعتبار قبل ضخ استثمارات جديدة. فالشركات العاملة في المناطق المتنازع عليها قد تواجه احتمالات تأخر المشروعات أو ارتفاع تكاليفها أو تعرض عملياتها لمشكلات قانونية ودبلوماسية.

ومع استمرار الخلافات، قد تتجه الشركات إلى تبني سياسات أكثر حذرًا في الاستثمار، بما يؤثر على وتيرة تطوير بعض المشروعات، خصوصًا إذا لم تتوافر ضمانات كافية بشأن استقرار الأوضاع القانونية والأمنية.

ثانيًا: احتمالات الاحتكاك البحري المرتبط بالتنقيب

قد يمنح الاتفاق أنقرة أساسًا سياسيًا وقانونيًا إضافيًا للدفاع عن مطالباتها البحرية، والسعي إلى تعزيز أنشطتها المرتبطة بالمسح الزلزالي والتنقيب عن الغاز في المناطق التي تعتبرها داخلة ضمن نطاق حقوقها.

لكن هذه التحركات قد تواجه اعتراضات من دول أخرى تتمسك بمطالبات بحرية متعارضة، ما يرفع احتمالات الاحتكاك بين السفن العاملة في مجال التنقيب والقوات البحرية التابعة للأطراف المعنية.

وفي حال تصاعد الخلاف، قد تتحول عمليات الاستكشاف التي يفترض أن تكون نشاطًا اقتصاديًا إلى تحركات محاطة بحسابات أمنية وعسكرية، بما يزيد تعقيد إدارة النزاع ويرفع تكلفة النشاط الاقتصادي في المناطق محل التنافس.

ثالثًا: التأثير على أدوار مراكز الطاقة الإقليمية

تسعى مصر إلى تعزيز موقعها مركزًا إقليميًا لتسييل الغاز وتصديره، مستفيدة من محطتي إدكو ودمياط والبنية التحتية المتاحة لديها، في حين تسعى اليونان إلى تعزيز دورها بوصفها نقطة عبور وربط للطاقة بين شرق المتوسط والأسواق الأوروبية.

وفي المقابل، تسعى تركيا إلى توسيع دورها في معادلة الطاقة الإقليمية، مستندة إلى موقعها الجغرافي وشبكات نقل الطاقة التي تمر عبر أراضيها، فضلًا عن مطالباتها البحرية التي ترى أنها تمنحها حقوقًا في مناطق من شرق المتوسط.

ومن شأن استمرار النزاع حول الحدود البحرية أن يدفع الدول والشركات إلى إعادة تقييم مسارات مشروعات الغاز وخيارات التصدير، سواء من خلال البحث عن مسارات بديلة أو تعزيز التعاون بين بعض الأطراف أو الدخول في مفاوضات جديدة بشأن المناطق المتنازع عليها.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الاتفاق سيؤدي وحده إلى تعطيل مشروعات الطاقة، لكنه يضيف عنصرًا جديدًا من عدم اليقين إلى بيئة استثمارية تتأثر أصلًا بالخلافات السياسية والتحديات الاقتصادية والأمنية.

حدود التحرك التركي وعلاقته بصراع القوى الكبرى

على الرغم من الأهمية التي تمنحها أنقرة للاتفاق البحري مع ليبيا، فإن التحرك التركي لا يمكن فهمه بمعزل عن طبيعة المنافسة الإقليمية والدولية في شرق المتوسط. فالخطوة تمثل محاولة لتعزيز الموقع التركي في ترتيبات الطاقة والحدود البحرية، لكنها تظل جزءًا من مشهد أوسع تتداخل فيه مصالح دول المنطقة مع حسابات القوى الكبرى.

وتستخدم تركيا موقعها الجغرافي وقدراتها السياسية والعسكرية لتعزيز نفوذها في الملفات الإقليمية، كما تسعى إلى توظيف الخلافات القائمة لزيادة قدرتها على التأثير في ترتيبات الطاقة والأمن البحري. ويرى منتقدو هذه السياسة أنها تنطوي على محاولة لفرض الأمر الواقع وتوسيع النفوذ التركي على حساب مصالح أطراف أخرى.

ومع ذلك، فإن قدرة أنقرة على تحقيق أهدافها تظل مرتبطة بمدى قبول الأطراف الأخرى بترتيباتها، وبقدرتها على إدارة الخلافات القانونية والدبلوماسية، فضلًا عن حسابات القوى الدولية المعنية بأمن الملاحة واستقرار إمدادات الطاقة.

وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه النظام الدولي تنافسًا بين الولايات المتحدة وحلفائها، بما في ذلك شركاؤها في حلف شمال الأطلسي، وبين روسيا والصين في ملفات متعددة تتعلق بالأمن والتجارة والطاقة والممرات الاستراتيجية.

ويحتل شرق المتوسط موقعًا مهمًا في هذه الحسابات، نظرًا إلى قربه من أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وارتباطه بممرات التجارة وشبكات نقل الطاقة والاتصالات البحرية. ولذلك، فإن الخلافات التي تبدو في ظاهرها نزاعات إقليمية على ترسيم الحدود قد تتأثر أيضًا بالتنافس الدولي على النفوذ وطرق الإمداد.

كما يثير النزاع تساؤلات بشأن مدى قدرة قواعد القانون الدولي للبحار على احتواء الخلافات بين الدول، خصوصًا عندما تتعارض التفسيرات القانونية مع الحسابات السياسية والاستراتيجية. وفي هذا الإطار، تظل حرية الملاحة وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية من القضايا الأساسية التي تؤثر على استقرار المنطقة.

ويعكس شرق المتوسط، بهذا المعنى، جانبًا من التحولات التي يشهدها النظام الدولي، حيث تسعى القوى الإقليمية إلى تعزيز استقلالية قراراتها وتوسيع نفوذها، بينما تحاول القوى الكبرى الحفاظ على مصالحها في الممرات البحرية وشبكات الطاقة.

لكن اختزال المشهد في مواجهة بين تركيا والقوى الأخرى، أو اعتباره انعكاسًا مباشرًا لصراع الولايات المتحدة وروسيا والصين، لا يفسر وحده تعقيدات الملف؛ إذ تظل الخلافات المحلية والمصالح الوطنية والحسابات القانونية عوامل أساسية في تحديد مساره.

الأهمية الاستراتيجية لشرق المتوسط في ظل التحولات الإقليمية

تزايدت الأهمية الاستراتيجية لشرق المتوسط مع التحولات التي شهدتها أسواق الطاقة والعلاقات الإقليمية، وأصبح التنافس على موارده وممراته جزءًا من معادلات الأمن القومي لدى عدد من الدول المطلة عليه.

أولًا: أمن الطاقة بوصفه عنصرًا في الصراع الدولي

أصبحت موارد الغاز الطبيعي أحد العوامل المؤثرة في العلاقات بين دول المنطقة، خصوصًا مع سعي الدول الأوروبية إلى تنويع مصادر الطاقة ومسارات الإمداد. ويمنح ذلك شرق المتوسط أهمية متزايدة، في ظل ما يحتويه من حقول غاز ومشروعات قائمة أو مقترحة للإنتاج والنقل والتصدير.

وتؤثر السيطرة على البنية التحتية للطاقة، والقدرة على الوصول إلى الموارد البحرية، في موازين المصالح بين الدول. ولذلك، فإن الخلافات بشأن ترسيم الحدود لا تنفصل عن التنافس على الاستفادة من الموارد الطبيعية وتحديد الجهات القادرة على تطويرها ونقلها إلى الأسواق العالمية.

ثانيًا: جيوسياسية الممرات البحرية

لم يعد شرق المتوسط مجرد ممر للتجارة البحرية، بل أصبح جزءًا من شبكة أوسع تربط آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتضم مسارات لنقل الطاقة والسلع، فضلًا عن الكابلات البحرية التي تحمل الاتصالات والبيانات الرقمية.

وتمنح هذه الوظائف المنطقة أهمية تتجاوز حدود الدول المطلة عليها، إذ يرتبط استقرارها بأمن الملاحة وسلاسل الإمداد والاتصال بين الأسواق. ومن ثم، فإن أي تصعيد في النزاعات البحرية قد تكون له آثار تتجاوز الأطراف المباشرة، خصوصًا إذا انعكس على مشروعات النقل والتجارة والطاقة.

ثالثًا: التحالفات الإقليمية في ظل السيولة الاستراتيجية

تدفع التحولات التي تشهدها المنطقة القوى الإقليمية إلى إعادة تقييم علاقاتها وتحالفاتها، ومحاولة تثبيت مواقعها قبل التوصل إلى تسويات سياسية أو أمنية جديدة.

وفي هذا السياق، يمثل الاتفاق التركي الليبي إحدى الأدوات التي تسعى أنقرة من خلالها إلى تعزيز موقعها في معادلة شرق المتوسط، بينما تحاول مصر واليونان وقبرص حماية مصالحها البحرية وتعزيز تعاونها في مجالات الطاقة والأمن.

وتظل طبيعة هذه التحالفات قابلة للتغير تبعًا لتطور المصالح والضغوط السياسية والاقتصادية، وهو ما يجعل شرق المتوسط ساحة مفتوحة للتنافس والتفاوض في الوقت نفسه.

الخاتمة: هل يقود الاتفاق إلى إعادة رسم توازنات شرق المتوسط؟

تكشف مصادقة مجلس النواب الليبي على الاتفاق البحري مع تركيا عن مرحلة جديدة في ملف الحدود البحرية والطاقة بشرق المتوسط، خصوصًا أنها جاءت من مؤسسة كانت تتخذ موقفًا معارضًا للاتفاق خلال سنوات سابقة.

وتمنح هذه الخطوة أنقرة دعمًا سياسيًا إضافيًا في الدفاع عن موقفها، لكنها لا تنهي الاعتراضات المصرية واليونانية والقبرصية، ولا تحسم الخلافات القانونية المتعلقة بترسيم الحدود البحرية وحقوق الدول والجزر في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، يثير الاتفاق أسئلة تتعلق بقدرة المؤسسات الليبية على إدارة الملفات السيادية في ظل الانقسام الداخلي، وبمدى تأثير التنافس الإقليمي على فرص التعاون في مجالات الطاقة والتنمية.

وبين سعي تركيا إلى توسيع نفوذها البحري، وتمسك مصر وشركائها بحقوقهم ومصالحهم، تظل التسوية القانونية والدبلوماسية عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل النزاع. فشرق المتوسط لا يمثل مجرد ساحة للخلاف على الحدود أو الغاز، بل منطقة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والإقليمية والدولية.

ومن هنا، فإن مستقبل الاتفاق لن يتحدد بالمصادقة البرلمانية وحدها، بل بمدى قدرة الأطراف المعنية على إدارة خلافاتها، واحترام قواعد القانون الدولي، وتجنب تحويل التنافس على الموارد والممرات البحرية إلى مصدر دائم للتوتر في المنطقة.

قد يهمك