بث تجريبي

«النقطة العمياء».. لماذا تخشى واشنطن تحوّل نيكاراغوا إلى قاعدة استخباراتية لإيران؟

رجّحت مراكز أبحاث، وتقارير سياسية إستراتيجية، أن تتوجه الجهود العسكرية، والضغوط الاقتصادية الأمريكية، خلال النصف الثاني من ولاية إدارة الرئيس دونالد ترامب، إلى نيكاراغوا التي أصبحت، وفق قراءات أمنية، قاعدة استخباراتية ولوجستية متقدمة لفائدة إيران في المنطقة الأمريكية اللاتينية.

وتشير تقارير إستراتيجية حديثة، من بينها تقرير "مؤسسة هيريتاج"، إلى أنّ التقدير الراجح في البيت الأبيض يكمن في اعتبار نيكاراغوا خطراً أكثر حيوية من كوبا والتّي انحسر خطرها الإستراتيجي والأمني بمقتضى سلسلة العقوبات الاقتصادية الصارمة المفروضة عليها.

نقطة عمياء

وتضيف أنّه على الطرف النقيض من فنزويلا، التّي دخلت بيت الطاعة، وكوبا التّي صارت في "منطقة رمادية" بين الحليف وبين العدوّ، فإنّ نيكاراغوا صارت "نقطة عمياء" في الإستراتيجية الدولية عامة والأمريكية خاصة، حيث لا يُعرف المدى الحقيقي لطبيعة التعاون بينها وبين إيران، في ظلّ حالة التعتيم الحاصلة في البلاد.

وعلى الرغم من هذا الأمر، إلا أنّ هناك مؤشرات واضحة على أنّ مسار العلاقات بين البلدين شهد تحولات واضحة سواء في مستوى الأدوار، أو ضمن التوازنات الإقليمية.

فمند اعتلاء دانييل أورتيغا السلطة العام 2007، عرفت العلاقات الديبلوماسية طفرة كبيرة، وباتت ماناغوا قاعدة سياسية ودبلوماسية ثابتة لطهران في أمريكا اللاتينية.

وتمنح نيكاراغوا إعفاءات كاملة من التأشيرات للوفود الرسمية والدبلوماسية الإيرانية مع تغاضٍ تام عن تتبع الطائرات الحكومية، مما يتيح للمسؤولين والعناصر المحسوبة على فيلق القدس، والحرس الثوري الإيراني، حريّة الحركة، والقيام بأنشطة لوجستية وأمنية خطيرة دون تدقيق أمني، أو متابعة مستمرة. 

وتشير التقارير في هذا المستوى إلى أنّ نيكاراغوا باتت الملاذ الآمن الأخير لإيران، عقب التغييرات السياسية الكبرى التي عرفتها أمريكا اللاتينية، بين عامي 2023 و2026 (سنوات الربيع اليميني اللاتيني)، التي أدت إلى موجة صعود الحكومات اليمينية المحافظة والمتحالفة مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، ومع إسرائيل.

وتفيد في هذا المستوى أنّ النشاط الإيراني العلني والذي كان يتوزع على أكثر من 15 دولة انكمش، بشكل كبير، ونتيجة لهذا الانحسار، أصبحت نيكاراغوا المعقل المتبقي والأهم، والأكثر تساهلاً إزاء الأنشطة الإيرانية وحلفائها.

صفر ضغوط أمريكية على نيكاراغوا 

وتنبه التقارير الأمنية بأنه على رغم فرض وزارة الخزانة الأمريكية عشرات العقوبات الاقتصادية التي استهدفت رموز نظام أورتيغا وقطاعاته المالية، مثل قطاع الذهب على خلفية ملفات حقوق الإنسان، إلا أنّ الإستراتيجية العقابية الأمريكية سجّلت "صفر" حملات ضغط دبلوماسية علنية، وموجهة لإرغام ماناغوا على قطع علاقاتها العسكرية والأمنية مع طهران. 

وهو إحجام غير مفهوم وغير مبرر أيضاً، ضمن الدوائر الاستخباراتية والإمنية الأمريكية، في ظلّ فرض واشنطن ضغوطاً مستمرة على بقية عواصم المنطقة بسبب العلاقات مع إيران.

وفي سياق تفكيك المخاطر الأمنية التي باتت تمثلها نيكاراغوا بالنسبة للسياسة الأمريكية في المنطقة، تشير الدراسات المستندة إلى مصادر أمنية مطلعة  إلى أنّ التحالف بين ماناغوا وطهران تضاعف في أعقاب التصعيد العسكري الأمريكي ضدّ طهران منذ حرب الـ12 يوماً، من شهر حزيران/يونيو 2025، ووصولاً إلى التطورات المتلاحقة في 2026. 

وتكشف في هذا السياق أنّ نيكاراغوا تحوّلت، بالنسبة لإيران، منصة اقتصادية إستراتيجية خلفية للالتفاف على العقوبات الدولية، ونقطة ارتكاز لجمع المعلومات الاستخباراتية، ولتوفير بيئة تشغيلية آمنة، على المدى القريب، من الحدود الجنوبية للولايات المتحدة. 

وتتناقض هذه الأنشطة مع تصوّر إدارة ترامب لأمريكا اللاتينية باعتبارها "حديقة خلفية" لواشنطن، وجزءاً أساساً من مجالها الحيوي، وعمقها الإستراتيجي ضمن النسخة الجديدة للعقيدة العسكرية للرئيس مونرو، المعروفة بـ"مورنو 2" أو بـ"دونرو".

وبناءً على هذه المعطيات الرقمية، والعمق اللوجستي للتحالف، تستنتج التقارير أن استمرار هكذا وضع يتطلب تحركاً دبلوماسياً واقتصادياً حازماً؛ إذ يجب استخدام أدوات الضغط المتاحة لإجبار نظام أورتيغا على إنهاء هذه الشراكة الممتدة لقرابة عقدين، وإغلاق الملاذ اللوجستي الذي بات يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين.

قد يهمك