بث تجريبي

من الخراب إلى السلام المتعثر.. كيف يدفع اليمنيون فاتورة حرب الحوثيين؟

مع مرور ثلاثة أعوام على انخراط الحوثيين في حرب غزة، تتسع رقعة التداعيات في اليمن بما يتجاوز حدود المواجهة في البحر الأحمر، في ظل استمرار تعثّر فرص السلام وتفاقم الأزمات الإنسانية والاقتصادية، ما يعيد ربط مستقبل البلد بمسار حرب إقليمية تتخطى حدود قدرته على التحكم في مآلاتها.

وبينما أعلن الحوثيون أن تدخلهم العسكري في البحر الأحمر وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل يأتي في إطار ما يسمونه "إسناد غزة"، تحولت الساحة اليمنية، خلال السنوات الثلاث التالية، إلى حلقة رئيسة في سلسلة التصعيد الممتدة من غزة إلى البحر الأحمر ثم إلى إسرائيل والولايات المتحدة. 

ولم تتوقف ارتدادات هذا الانخراط عند الجانب العسكري أو الملاحة الدولية، بل امتدت إلى مسار السلام اليمني، مرورًا بالاقتصاد المنهك أصلًا والوضعين الإنساني والحقوقي، وصولًا إلى أضرار واسعة طالت موانئ ومطارات ومنشآت كهرباء ومنشآت اقتصادية وحيوية، لتضيف كلفة جديدة في بلد أنهكته سنوات الحرب والانقسام.

إحباط مسارات السلام

وجاء الحضور الإقليمي للحوثيين في مرحلة بالغة الحساسية، أعقبت فترة من الهدوء النسبي تزايدت خلالها جهود إحياء المسار السياسي في اليمن.

ونجحت المساعي الإقليمية والأممية في تحقيق اختراق تاريخي فتح نافذة أمام تسوية طال انتظارها، حيث أعلنت الأمم المتحدة أواخر عام 2023، التزام الحكومة والحوثيين بوقف إطلاق النار على مستوى البلد، واتخاذ إجراءات لتحسين الظروف المعيشية، تمهيدًا لاستئناف عملية سياسية شاملة، والعمل على تحويل تلك الالتزامات إلى خارطة طريق أممية.

لكن استمرار التصعيد الحوثي في البحر الأحمر، ألقى بظلاله الثقيلة على تلك المساعي، وأعاد ترتيب أولويات الأطراف الإقليمية والدولية، في وقت أصبحت فيه المخاوف الأمنية المرتبطة بالملاحة والهجمات المتبادلة أكثر حضورًا من مسار التسوية اليمنية. 

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانز غروندبرغ، قد حذر في فبراير/ شباط 2024، من أن التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب في غزة والتصعيد العسكري في البحر الأحمر "تؤدي إلى تباطؤ وتيرة جهود السلام في اليمن"، مؤكدًا أن عملية الوساطة لم تعد قادرة على عزل الملف اليمني عن التطورات الإقليمية. 

وعلى إثر ذلك، لم يعد مشروع السلام قائمًا على حسابات داخلية بحتة، بل أصبح أكثر ارتباطًا بالتطورات الإقليمية، ابتداءً بالحرب في غزة إلى التوتر المتصاعد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل، وما يترتب على ذلك من حسابات أمنية وعسكرية تتجاوز أطراف الصراع اليمني نفسها.

تضرر البنى التحتية 

منذ أواخر 2023، دخل البحر الأحمر مرحلة مختلفة مع تصاعد هجمات الحوثيين على السفن وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل، وهو ما استدعى ردودًا عسكرية أمريكية وبريطانية ثم إسرائيلية عنيفة. 

وتركز الاستهداف على منشآت عسكرية وقدرات مرتبطة بالهجمات البحرية والصاروخية الحوثية، لكن دائرته اتسعت تدريجيًا لتشمل منشآت ذات أهمية اقتصادية وإنسانية، بينها موانئ ومحطات كهرباء ومطار صنعاء.

وحذّرت الأمم المتحدة من أن الضربات الإسرائيلية التي طالت موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى ومحطات كهرباء في صنعاء ألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية التحتية للموانئ، ما أدى إلى انخفاض ملموس وفوري في قدرتها التشغيلية، فيما شددت على ضرورة حماية المنشآت المدنية الحيوية. 

وهنا برزت واحدة من أخطر مفارقات التصعيد، فكلما استُخدمت المنشآت الاقتصادية كورقة ضغط على الحوثيين، اتسعت كلفة الاستهداف على السكان الذين يعتمدون عليها في الغذاء والوقود والنقل والخدمات.

وفي بلد يستورد نحو 90% من احتياجاته الغذائية، فإن أي اضطراب في الموانئ أو سلاسل الإمداد لا يُبقى المسألة مرتبطة بالملاحة الدولية وحدها، بل يمكن أن ينعكس على أسعار الغذاء والوقود والدواء وتوافرها. 

صدمة اقتصادية

ولم يكن الاقتصاد بحاجة إلى أزمة جديدة؛ فقد تعرض على مدى سنوات الحرب لتفكك واسع، شمل المؤسسات المالية والنقدية، وأدى إلى تراجع الإيرادات العامة وتوقف صادرات النفط وارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية. 

لكن اضطراب البحر الأحمر أضاف طبقة جديدة من الضغوط على اقتصاد يعاني أصلًا من الهشاشة والانقسام، مع ارتفاع مخاطر الشحن وتراجع النشاط التجاري.

وبحسب تقديرات البنك الدولي، انكمش الناتج المحلي الحقيقي لليمن بنسبة 1.5% خلال عام 2025، فيما يُتوقع انكماشه بنسبة 0.5% إضافية في 2026، وسط استمرار توقف صادرات النفط وضعف الإيرادات وتزايد الضغوط الخارجية على الاقتصاد. 

وضاعفت تداعيات التصعيد الإقليمي من حجم الأزمات الاقتصادية العميقة في اليمن، في وقت تتراجع فيه قدرة المؤسسات المحلية على تمويل الخدمات العامة والاستجابة للاحتياجات المتزايدة. 

تصاعد الكلفة الإنسانية 

وعلى وقع هذه الضغوط، تبدو كلفة تفاقم الأزمة الإنسانية أكثر اتساعًا، حتى مع اختلاف العوامل التي تقف وراءها، فيما أدت القيود الحوثية المفروضة على العاملين في المجال الإنساني إلى تعقيد بيئة العمل الإغاثي بصورة أكبر.

ونفذت الميليشيا منذ العام 2024، موجات اعتقالات طالت موظفين أمميين وعاملين في منظمات محلية ودولية تنشط في مجال الإغاثة الإنسانية في شمال اليمن، بذريعة الاتهام بـ"التجسس لصالح دول أجنبية".

وتسببت الحملة الممنهجة في تجميد برامج المساعدات الأممية المنقذة للحياة وتوقف أنشطة الهيئات الدولية، فضلًا عن انسحاب بعض المانحين الدوليين، ما أدى إلى ارتفاع عدد المحتاجين للمساعدات وخدمات الحماية من 18.2 مليون يمني خلال 2024، إلى 22.3 مليون شخص، وفقًا لخطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية لعام 2026.

ورغم أن هذه الأرقام تُنسب إلى تراكم سنوات الحرب والتدهور الاقتصادي والنزوح والصدمات المناخية وتراجع التمويل الإنساني وتآكل الخدمات الأساسية، غير أن التصعيد الذي بدأ مع حرب غزة أضاف عوامل جديدة إلى هذه ا

لمعادلة، خصوصًا مع استهداف الموانئ ومحطات الكهرباء والمطارات، وتراجع حركة التجارة، وارتفاع مخاطر العمل الإنساني.

تشديد القبضة الداخلية

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن الضربات الجوية والبحرية المتكررة خلال 2025، مارست ضغطًا هائلًا على المرافق الصحية في صنعاء والحديدة وتعز ومناطق أخرى، مع زيادة المصابين وتعطل الإحالات الطبية ونقص الإمدادات الأساسية.

ووفر التدخل الخارجي مظلة خطابية وأمنية للميليشيا تحت عنوان "مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة"، استخدمته لتشديد القبضة الداخلية، وهو ما ظهر مؤخرًا في التعامل القمعي مع النشاط المدني والإعلامي في المناطق الخاضعة لنفوذها، شمالي اليمن.

وبذلك، لم تعد آثار التصعيد الإقليمي مرتبطة بتطورات المواجهة البحرية، بل امتدت إلى المجال العام داخل اليمن، حيث تتزايد الضغوط على مجتمع يعيش أصلًا في ظروف شديدة الصعوبة، فيما تتداخل تداعيات الحرب الخارجية مع أزماته المتراكمة، لتضيف قائمة من الأعباء الجديدة التي يتحملها المدنيون بدرجة أكبر.

قد يهمك