بث تجريبي

العراق بين إنهاء مهمة التحالف وحصر السلاح.. هل تفقد الفصائل مبرراتها؟

جدد إعلان رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، من البيت الأبيض، أن شهر سبتمبر (أيلول) المقبل سيشهد انتهاء مهمة قوات التحالف الدولي في العراق، تسليط الضوء على أحد أكثر الملفات تعقيدًا في البلاد، وهو مستقبل سلاح الفصائل المسلحة، لا سيما مع تأكيد الحكومة استمرارها في تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة.

ويعكس تزامن الإعلانين توجهًا حكوميًا لربط انتهاء مهمة التحالف الدولي ببدء مرحلة جديدة تتولى فيها الدولة وحدها مسؤولية القرارين الأمني والعسكري، في وقت ظلت فيه الفصائل المسلحة تستند، على مدى سنوات، إلى الوجود العسكري الأمريكي باعتباره مبررًا لاستمرار احتفاظها بالسلاح.

ورغم الحديث عن انتهاء مهمة التحالف، شددت الحكومة العراقية على أن ذلك لا يعني إنهاء التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، وإنما إعادة تنظيمه ضمن إطار مختلف.

وأوضح المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، اللواء صباح النعمان، أن العراق سينتقل من العمل ضمن التحالف الدولي إلى شراكة دفاعية ثنائية مع واشنطن، تقتصر على التدريب وتبادل الخبرات والتعاون في مجالات الاستخبارات والتقنيات العسكرية، على أن يتم ذلك تحت إشراف السلطات العراقية ووفقًا لمبادئ السيادة الوطنية.

ويثير هذا التحول تساؤلات بشأن ما إذا كان تغيير طبيعة الوجود الأمريكي سيُنهي الجدل الدائر حول سلاح الفصائل، أم أنه سيؤدي إلى إعادة تعريف مفهوم "الوجود الأجنبي" دون إنهاء الخلاف.

وفي المقابل، لا تبدو القوى المقربة من الفصائل المسلحة مقتنعة بأن إنهاء مهمة التحالف يمثل نهاية فعلية للوجود العسكري الأمريكي.

ويرى المحلل السياسي علي فضل الله أن الفصائل أعلنت منذ البداية أن تسليم سلاحها مرتبط بانسحاب آخر جندي أمريكي من العراق، إلى جانب ضمان قدرة الدولة على حماية أمن البلاد بصورة كاملة.

واعتبر فضل الله أن تحويل القوات الأمريكية إلى بعثة استشارية أو تدريبية لا يغيّر من واقع استمرار الوجود العسكري الأمريكي، مؤكدًا أن واشنطن تسعى إلى الإبقاء على وجودها بصيغ جديدة، رغم الاتفاق الذي أُعلن سابقًا مع حكومة محمد شياع السوداني بشأن إنهاء مهمة التحالف بحلول نهاية سبتمبر.

وأضاف، في تصريحات لوكالة فرات للأنباء، أن الفصائل ستتعامل مع أي وجود عسكري أمريكي، مهما كانت طبيعته، باعتباره مبررًا للإبقاء على سلاحها، مشيرًا إلى أن مطالبة الحكومة بحصر السلاح في ظل استمرار هذا الوجود ستواجه اعتراضًا من تلك القوى، التي ترى أن إنهاء الوجود العسكري الأجنبي يجب أن يسبق أي ترتيبات داخلية تخص السلاح.

في المقابل، يطرح المحلل السياسي غالب الدعمي رؤية مختلفة، إذ يفرّق بين وجود قوات قتالية أجنبية وبين اتفاقيات تعاون عسكري تعقدها الدول ذات السيادة مع شركائها.

ويرى الدعمي أن وجود مستشارين ومدربين عسكريين بطلب من الحكومة العراقية لا يمنح أي جهة مبررًا للاحتفاظ بتشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، باعتبار أن هذا التعاون يدخل ضمن العلاقات الرسمية بين الدول، ولا يمكن مساواته بوجود قوات قتالية أجنبية.

وبحسب هذا الطرح، فإن انتهاء مهمة التحالف الدولي قد يضعف المبرر السياسي الذي استندت إليه الفصائل خلال السنوات الماضية، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة تسعى فيها الحكومة إلى إنهاء وجود أي قوى مسلحة موازية للمؤسسات العسكرية الرسمية.

تعريف الانسحاب يحدد مستقبل الأزمة

ولا يقتصر الجدل على موعد انتهاء مهمة التحالف، بل يمتد إلى طبيعة الوجود الأمريكي بعد ذلك التاريخ. ففي حين تؤكد بغداد وواشنطن أن المرحلة المقبلة ستقوم على شراكة أمنية محدودة، ترى بعض الفصائل أن بقاء أي عنصر عسكري أمريكي، مهما كانت مهمته، يعني استمرار الوجود الذي ترفضه.

وفي الوقت نفسه، تواجه الحكومة العراقية تحديًا يتمثل في تحقيق توازن بين الحفاظ على التعاون العسكري والتقني مع الولايات المتحدة لتطوير قدرات القوات العراقية، وإقناع الداخل بأن مرحلة القوات الأجنبية القتالية انتهت بالفعل، وأن الدولة أصبحت تمتلك زمام الملف الأمني بصورة كاملة.

مرحلة جديدة من الجدل 

وفي ضوء هذه المعطيات، لا يبدو أن حلول شهر سبتمبر سيضع حدًا للنقاش الدائر بشأن ملف السلاح، بل قد يمثل بداية مرحلة جديدة من التجاذبات السياسية، في ظل استمرار الخلاف حول طبيعة الوجود الأمريكي وحدوده.

وفي النهاية، يبقى مستقبل هذا الملف مرهونًا بقدرة الحكومة العراقية على تحويل شعار "السلاح بيد الدولة" إلى واقع عملي يحظى بقبول داخلي، أو فرضه عبر توازنات سياسية وأمنية، في بلد اعتادت فيه القضايا الكبرى أن تفتح الباب أمام تحديات أكثر تعقيدًا.

قد يهمك