حن بحاجة للتمدد في البحث العلمي الابتكاري لضمان وقف نزيف التمدد بأراضي الدول العربية لدولة تنفق على البحث العلمي 10 أضعاف ما تنفقه الدول العربية مجتمعة؛ حيث لا يُعد الإنفاق على البحث العلمي رفاهية بعد أن شهدنا حروب المنطقة وما حولها تعتمد على استخدامات التكنولوجيا التسليحية وإدارة الحروب عن بُعد أو من مسافات شاسعة.

نجحت إسرائيل في جذب العلماء والباحثين من كافة دول العالم بمرتبات مغرية وإمكانيات ضخمة بمعامل جامعاتها ومراكزها البحثية، نظراً لأن مخصصاتها من الإنفاق على البحوث العلمية تصل إلى نحو 6% من الناتج المحلي مقابل 0.5% حجم إنفاق الدول العربية على البحث العلمي، مما دفع نحو أكثر من 33 مليون باحث وعالم عربي إلى الهجرة للخارج؛ لتتلقفهم العديد من الدول الأجنبية لابتكار أبحاث مرتبطة بحل مشاكل الصناعة ومناطق الإنتاج وتطوير أسلحة حربية بتقنيات تكنولوجية متقدمة.
ليس من المقبول تعامل العديد من الحكومات العربية مع البحث العلمي كقطاع ثانوي وليس كأداة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، فضلاً عن عدم تمكين المرأة بالشكل الكافي في المجالات العلمية بسبب عوائق اجتماعية وثقافية.
ولا يمكن إغفال أن عدم الاستقرار السياسي والحروب في بعض من هذه الدول تتسبب في إهدار الموارد وطاقات البحث وهجرة العقول النابغة للخارج.
وفقدان الدول العربية لعقولها البحثية المهاجرة للخارج يكلفها نحو 2 مليار دولار سنوياً، حيث كان يمكن استغلالهم في تطوير الصناعة والأبحاث العسكرية المرتبطة بها، فضلاً عن الأبحاث في مجال الطب والعلوم التطبيقية التكنولوجية والفضاء والزراعة.
أتصور أن تحقيق تقدم علمي وبحثي يتطلب التغلب على غياب الاستراتيجيات التي تربط البحث العلمي بالاقتصاديات الوطنية، بالإضافة إلى أن معظم الأبحاث يتم تخصيصها لترقية أعضاء هيئة التدريس على حساب الأبحاث التي تخدم المجتمع.
كما أن معظم هذه الأبحاث غالبيتها نظرية وبعيدة عن احتياجات السوق؛ نظراً لأن طبيعة العلاقة بين الجامعات وقطاع الصناعة ضعيفة وتكاد تكون مفقودة، وبالتالي الأبحاث لا تتحول غالبيتها لتقديم وابتكار منتجات.
من المأمول مساهمة رجال الأعمال والمستثمرين العرب في تمويل البحث العلمي طويل المدى، بدلاً من الاعتماد على استيراد الحلول الجاهزة.
إننا بحاجة لمعالجة ضعف البنية التحتية العلمية والمعامل البحثية بغالبية الدول العربية التي تعاني من افتقار مختبراتها وتجهيزاتها لأجهزة متطورة حتى لا يندفع الباحثون للاعتماد على التعاون مع مراكز أجنبية لتنفيذ دراساتهم، فضلاً عن النقص الكبير في الكوادر الفنية المدربة والمختصة بتشغيل الأجهزة وتحليل البيانات.
لا بد من زيادة الإنفاق على البحث العلمي بمعدل لا يقل عن 3% من الناتج المحلي، والإسراع بإنشاء صندوق قومي وعربي للبحث العلمي بتمويل حكومي مع دفع الشركات الصناعية والإنتاجية الكبرى لتخصيص نسبة من أرباحها للإنفاق على البحث العلمي.
كما أننا بحاجة لتوفير وتدبير التقدير المادي من رواتب ومكافآت للأكاديميين من الباحثين النابغين وتخصيص منح بحثية مميزة، بجانب تقييم الباحث بالجودة وليس بعدد الأوراق!!
من الأهمية مراعاة توفير بيئة بحثية جاذبة تشمل معامل مجهزة بأدوات علمية حديثة لضمان عدم سفر الباحث وهجرته للخارج، مع إجراء الصيانة الدورية للمختبرات والمعامل وتدريب الفنيين بشكل متقدم؛ حيث إن الباحث بحاجة لفريق فني كفء لتشغيل الأجهزة وتحليل البيانات بدقة، فضلاً عن تحقيق شراكات مع جامعات ومراكز بحث عالمية لتبادل الخبرات.
ولأن إسرائيل تحتل المركز الأول عالمياً في عدد الشركات الناشئة بالنسبة لعدد سكانها، وتقوم بتسجيل آلاف براءات الاختراع سنوياً؛ لذلك لا بد من الإسراع بالتوجه نحو تطوير والتوسع في إنشاء حاضنات تكنولوجية متقدمة لتحويل الأبحاث لشركات ناشئة ومنتجات حتى لا تظل حبراً على ورق!!
ومن الضروري تغيير فلسفة التعليم بالدول العربية لتشجيع التفكير النقدي وتقليل ثقافة الخوف من الفشل، فضلاً عن التغلب على ضعف الثقافة العلمية في المجتمع والاعتماد على الحلول التقليدية بدلاً من التفكير القائم على البحث والتجربة، بالإضافة لتغيير ثقافة البحث من الكم للكيف ودعم الأبحاث التي لها أثر وتطبيق على أرض الواقع وليس بهدف الترقية فقط.
ولضمان استفادة الدول العربية لـ 50% من عقولها، لا بد من تمكين المرأة في المجال البحثي العلمي بإزالة العوائق الاجتماعية من أمامها، وبدون وجود سياسات واضحة تربط البحث العلمي بالتنمية وبدون استقرار سياسي لن يتحقق أي تقدم؛ حيث إنه مرهون بالاعتماد على البحث العلمي كركيزة أساسية لانتقال الدول العربية من مرحلة الاستيراد لمرحلة الإنتاج.
منبر الرأي