تكثف القاهرة تحركاتها في الملف الليبي في محاولة لدفع مسار التسوية السياسية وإنهاء حالة الانقسام التي ألقت بظلالها على استقرار ليبيا وأثرت في الأمن القومي المصري، بالتزامن مع ترقب إقليمي ودولي لنتائج الجهود المصرية الرامية إلى كسر الجمود السياسي.
وتراهن مصر على المتغيرات الإقليمية التي جعلت التسوية السياسية ضرورة ملحة، وهو ما انعكس في تكليف رئيس المخابرات العامة بإجراء زيارة إلى طرابلس ولقاء عدد من الأطراف الليبية، حاملاً أجندة تركز على التوصل إلى قاعدة دستورية توافقية تمهد لإجراء الانتخابات وتؤسس لمسار سياسي أكثر استقراراً.
الأزمة الدستورية
تمثل الأزمة الدستورية إحدى أبرز العقبات أمام إنهاء الانقسام الليبي، إذ تعكس تبايناً في الرؤى بشأن شكل الدولة وتوزيع السلطة. ويرى مراقبون أن تعثر جهود الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية لم يكن بسبب غياب الإرادة الدولية فقط، بل أيضاً نتيجة افتقاد ضامن إقليمي قادر على تثبيت التفاهمات ومنع انهيارها عند تصاعد الخلافات.
وتنظر القاهرة إلى استقرار ليبيا باعتباره مصلحة استراتيجية، في ظل ما تمثله الفوضى المستمرة من تهديدات للأمن القومي المصري، سواء عبر تهريب الأسلحة أو تحركات الجماعات المسلحة خارج سلطة الدولة.
وفي المقابل، تواجه القاهرة تحدي بناء الثقة مع القوى الفاعلة في غرب ليبيا، التي تنظر بحذر إلى الدور المصري بسبب دعم القاهرة السابق للمشير خليفة حفتر. كما يبرز التنسيق المصري التركي بوصفه عاملاً مؤثراً في مسار الأزمة، خاصة مع امتلاك أنقرة نفوذاً واسعاً في غرب ليبيا من خلال اتفاقياتها الأمنية والعسكرية مع حكومة طرابلس. ورغم التقارب بين البلدين، فإن ذلك لا يعني وجود توافق كامل بشأن مستقبل الملف الليبي.
عقبات متعددة
وقال الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن الليبي خالد محمود، إن التحرك المصري لإقرار الدستور وإجراء الانتخابات يواجه عقبات عدة، أبرزها تمسك كل طرف ليبي بضمانات تعزز فرصه السياسية قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع، إلى جانب الخلافات حول القاعدة الدستورية والاتفاقيات الأمنية، فضلاً عن مطالبة شرق ليبيا بضمانات تحفظ موقعه العسكري والسياسي في المرحلة المقبلة.
من جانبه، أكد الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن الليبي عبد الستار حتيتة أن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في تشكيل حكومة موحدة بصلاحيات محدودة تتولى إدارة مرحلة انتقالية والإشراف على انتخابات تُجرى وفق قواعد متفق عليها، مشيراً إلى أن نجاح هذا الخيار يبقى مرهوناً بإرادة الأطراف الليبية ودعم القوى الإقليمية الضامنة.
إعادة تموضع
ويرى مراقبون أن التحرك المصري يمثل إعادة تموضع في ملف ظل مكلفاً لجميع الأطراف خلال السنوات الماضية، إلا أن الظروف الحالية قد تتيح فرصة أكبر لتحقيق تقدم، في ظل حالة الإرهاق التي أصابت الأطراف الليبية، وتصاعد الضغوط الدولية لإنهاء الأزمة، إضافة إلى رغبة تركيا في إدارة وجودها داخل ليبيا بكلفة سياسية وأمنية أقل، بما قد يفتح المجال أمام تفاهمات تدفع العملية السياسية إلى الأمام.