تحركت بغداد خلال الأيام الماضية على مسارين متوازيين؛ أمني باتجاه الرياض، وقضائي نحو دمشق، في خطوة تعكس محاولة عراقية لإدارة ملفات إقليمية شديدة الحساسية عبر مؤسسات الدولة، بعد أسابيع من التوتر الذي فرض على العراق إعادة ترتيب علاقاته مع محيطه.
وجاءت زيارة الوفد الأمني العراقي إلى السعودية، برئاسة الفريق أول الركن عبد الأمير الشمري، في وقت تسعى فيه بغداد إلى احتواء تداعيات الضربات السعودية-الأميركية الأخيرة، وإعادة بناء الثقة مع الرياض، خصوصًا في ظل الاتهامات السعودية بانطلاق هجمات بطائرات مسيّرة من الأراضي العراقية، وما تبع ذلك من تصعيد عسكري داخل العراق.
وفي المقابل، اتخذ التحرك تجاه دمشق طابعًا قضائيًا، مع زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان إلى سوريا على رأس وفد قضائي، ولقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، لبحث ملفات مشتركة تتصل بالإرهاب والمعتقلين وتهريب المخدرات والأسلحة والجريمة المنظمة.
ملفات أمنية وقضائية عابرة للحدود
ويرى مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل أن زيارة زيدان إلى دمشق تمثل محطة مهمة في مسار العلاقات العراقية السورية، بالنظر إلى حجم الملفات الأمنية والقانونية التي تحتاج إلى تنسيق مستمر بين البلدين.
وتشمل أبرز الملفات ملاحقة الإرهابيين والمجرمين، ومكافحة الجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات والأسلحة، والتصدي للاتجار بالبشر وتمويل الإرهاب، وهي قضايا عابرة للحدود لا تستطيع دولة واحدة التعامل معها بشكل منفرد.
ويبرز ملف عناصر تنظيم داعش والمعتقلين المرتبطين به باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية، في ظل وجود آلاف المعتقلين في السجون والمخيمات السورية، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات أمنية وقضائية وقانونية على بغداد ودمشق.
وبحسب فيصل، فإن نقل أي من هؤلاء المعتقلين من سوريا إلى العراق يجب أن يتم عبر المؤسسات القضائية ووفق القوانين وأصول المحاكمات، مع ضمان حقوق الدفاع وتوثيق الأدلة والجرائم المنسوبة إلى كل متهم.
كما تستلزم محاكمة المواطنين السوريين في العراق توفير التمثيل القنصلي السوري ومتابعة الإجراءات وفق الاتفاقيات والأعراف الدولية، على أن ينطبق الأمر ذاته على العراقيين الذين قد يخضعون للمحاكمة في سوريا.
من التفاهمات السياسية إلى الاتفاقات الملزمة
ولا يرى فيصل أن معالجة هذه الملفات يمكن أن تقتصر على تفاهمات سياسية مؤقتة، مشددًا على الحاجة إلى اتفاقيات واضحة وملزمة تحدد مسؤوليات كل طرف.
ويرتبط نجاح التعاون الأمني، وفق رؤيته، بمدى جدية الحكومة السورية في تنفيذ التفاهمات، إلى جانب بناء الثقة المتبادلة واحترام سيادة البلدين.
وتزداد أهمية هذا المسار في ظل الحساسية الأمنية المستمرة على الحدود العراقية السورية، إذ إن أي حديث عن تطوير العلاقات إلى مستوى التحالف يحتاج إلى ضمانات واضحة تحول دون استخدام أراضي أي من البلدين للإضرار بالآخر.
وباتت الحدود بين العراق وسوريا أكثر من مجرد خط فاصل بين دولتين، إذ تتقاطع فيها ملفات الإرهاب والتهريب والمعتقلين والنازحين والجريمة المنظمة، ما يتطلب تنسيقًا مستمرًا بين المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية.
بغداد تسعى لتهدئة العلاقة مع الرياض
وعلى الجانب السعودي، تأتي زيارة الوفد الأمني العراقي في توقيت حساس، تسعى خلاله بغداد إلى تهدئة العلاقة مع الرياض ومنع انتقال الخلافات الأمنية إلى مواجهة سياسية مفتوحة.
وتأتي الخطوة بعد الضربة التي استهدفت مواقع للحشد الشعبي وأوقعت قتلى وجرحى، إلى جانب إلغاء زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الرياض، في ظل تصاعد التوتر بين الجانبين.
ويرى الكاتب والباحث السياسي إياد السماوي أن التحركين العراقيين تجاه الرياض ودمشق يمثلان مسارًا واحدًا، وليس مجرد زيارتين منفصلتين، مشيرًا إلى أن إرسال وفد قضائي برئاسة رئيس مجلس القضاء الأعلى إلى سوريا، بالتزامن مع وفد أمني رفيع إلى السعودية، يعكس تغيرًا في طريقة إدارة بغداد لعلاقاتها ومصالحها.
ويعتبر السماوي أن أهمية هذه الخطوة تكمن في تحرك مؤسسات الدولة كل منها ضمن اختصاصه؛ فالقضاء يتعامل مع الملفات القانونية، بينما تتولى المؤسسات الأمنية الملفات المرتبطة بأمن العراق ومصالحه.
اختبار حقيقي أمام مؤسسات الدولة
وتحمل زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى إلى دمشق رسالة مفادها أن الملفات التي تمس أمن العراق وحقوق مواطنيه يجب أن تُدار عبر القانون والمؤسسات، وليس من خلال الاتصالات السياسية وحدها.
ومن هذه الزاوية، تبدو التحركات العراقية محاولة لتوزيع الملفات الحساسة على المؤسسات المختصة؛ إذ يجري التعامل مع التوتر مع السعودية عبر المسار الأمني والدبلوماسي، بينما تُفتح مع سوريا قنوات قضائية لمعالجة ملفات تتطلب غطاءً قانونيًا ومؤسسيًا.
لكن الاختبار الحقيقي لهذه التحركات لن يكون في الزيارات نفسها، وإنما في النتائج التي ستسفر عنها، ومدى قدرة بغداد على تحويلها إلى اتفاقات وآليات تنفيذية واضحة.
ومع السعودية، تحتاج بغداد إلى تثبيت قنوات لتبادل المعلومات والتنسيق الأمني ومنع تكرار الهجمات، بما يحول دون عودة التصعيد العسكري.
أما مع سوريا، فتحتاج إلى ترتيبات واضحة بشأن المطلوبين والمعتقلين والإرهاب والحدود والتهريب، مع ضمان ألا يتحول التعاون الأمني إلى وسيلة للمساس بالسيادة أو نقل الصراعات الإقليمية إلى الأراضي العراقية.
وتعكس التحركات العراقية في مجملها محاولة لاستعادة إدارة الملفات الحساسة من خلال مؤسسات الدولة، في وقت يجد فيه العراق نفسه أمام ضرورة الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف إقليمية متنافسة.
ويصف السماوي هذه المرحلة بأنها انتقال تدريجي من «اللا دولة إلى الدولة»، لكن طبيعة الملفات التي تتحرك بغداد بشأنها تكشف أن استعادة القرار لا تُقاس بالتصريحات، وإنما بقدرة المؤسسات العراقية على تحويل التحركات الدبلوماسية والأمنية والقضائية إلى ترتيبات ملزمة تحمي الحدود والسيادة، وتمنع استخدام العراق ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.