بث تجريبي

قبل 101 عام أعدم الشيخ سعيد بيران .. تعرف على واحدة من أبرز محطات النضال الكردي

في 29 حزيران من كل عام تحل ذكرى إعدام الزعيم الكردي الشيخ سعيد بيران، والذي ترتبط سيرته بعشرينيات القرن الماضي.

فبينما كانت الجمهورية التركية الفتية تسعى لتثبيت أركان حكمها  اعتمدت نهجاً مركزياً إقصائياً، ومعه اندلعت واحدة من أعنف الانتفاضات في منطقة  جنوب شرق تركيا، قادها الشيخ الكردي والديني المعروف سعيد بيران. هذه الانتفاضة، التي مزجت بين البعد القومي والديني، كانت أول تحدٍّ واسع النطاق لنظام مصطفى كمال أتاتورك، ورفعت شعار رفض القمع وسياسات التتريك التي استهدفت الهوية الكردية والإسلامية في آنٍ واحد.

تفاصيل الأحداث:

بدأت انتفاضة الشيخ سعيد بيران في شباط عام 1925، عندما اشتعل الغضب الشعبي في مناطق ديار بكر/آمد، موش، وبنجول، إثر إجراءات الحكومة التركية التي فرضت قيودًا صارمة على الممارسات الدينية، وأغلقت المدارس الدينية، وألغت المحاكم الشرعية، ضمن توجه أتاتورك نحو العلمانية الصارمة، وفي نفس الوقت تتريك البلاد بالكامل وطمس الهوية للمكونات الأخرى.

الشيخ سعيد بيران، وهو عالم ديني وزعيم قبلي ذو تأثير واسع، دعا إلى مقاومة هذه السياسات، فانضم آلاف المقاتلين الكرد إلى الانتفاضة، وسيطرت قواته على العديد من البلدات والمدن في شرق الأناضول، واقتربوا من ديار بكر/آمد، مما أثار هلع الحكومة في أنقرة.

وقابلت السلطات التركية الانتفاضة بعنف شديد، ففرضت حالة الطوارئ، وأرسلت وحدات الجيش لمحاصرة مقاتلي الانتفاضة، واستخدمت سلاح الطيران لأول مرة في قمع حراك داخلي. بعد معارك طاحنة، أُسِر الشيخ سعيد وعدد من رفاقه، وتم تقديمهم لمحكمة استثنائية حكمت عليهم بالإعدام.

الخلفية السياسية والاجتماعية:

لكن بنظرة عميقة أكثر نجد أن الانتفاضة جاءت في وقت كانت فيه تركيا تحاول فرض هوية قومية موحدة تقوم على العنصر التركي والعلمانية الحديثة، وهو ما اعتبره الكرد والأوساط الدينية مسًّا بجوهر عقيدتهم وثقافتهم. وقد أدى حل الطرق الصوفية، ومنع الأذان باللغة العربية، وإلغاء الخلافة الإسلامية، إلى إشعال فتيل الغضب.

كان الكرد يأملون، بعد انهيار الدولة العثمانية، في نيل حكم ذاتي أو استقلال، خاصة بعد وعود غامضة في معاهدة سيفر عام 1920، لكن معاهدة لوزان 1923 ألغت تلك الآمال وأكدت على وحدة أراضي تركيا الجديدة، دون أي اعتراف بالحقوق الكردية.

تصريحات ومواقف:

يقول الباحث التركي في شؤون الأقليات، الدكتور أورهان دمير، في مقابلة خاصة:

"انتفاضة الشيخ سعيد كانت انعكاسًا لعجز الدولة عن استيعاب التنوع العرقي والديني، وقد اختلط فيها المطلب القومي الكردي بالغضب الديني على علمانية أتاتورك".

أما المؤرخ الكردي عبدالله أرسلان، فيقول:

"ما حدث عام 1925 لم يكن مجرد تمرد محلي، بل كان إعلانًا بأن السياسات القسرية ستولد مقاومة، خاصة عندما تضرب العقيدة والهوية في عمقها".

دلالات حول الانتفاضة

أظهرت انتفاضة الشيخ سعيد هشاشة مرحلة التأسيس للجمهورية التركية في تعاملها مع التعددية العرقية والدينية. وعلى الرغم من قمع الانتفاضة عسكريًا، فقد خلّفت أثراً نفسيًا عميقًا في الوعي الكردي، وأسست لسلسلة طويلة من الحركات المسلحة والسياسية التي استمرت لعقود.

كما كشفت الانتفاضة عن الدور المحوري الذي لعبته الزعامات الدينية في تحريك المجتمعات التقليدية، وقدرتها على حشد القواعد الشعبية في وجه النظم السياسية الجديدة التي لم تراعِ حساسيات الهويات المتنوعة.

الرحيل

رحل الشيخ سعيد بيران بعد أن أُعدم شنقًا في 29  حزيران 1925، لكن اسمه ظل رمزًا للمقاومة الكردية والدينية في وجه سلطة مركزية لم تقبل الاختلاف. 

وبعد مرور أكثر من قرن من الزمن، لا تزال قضيته حاضرة في النقاش التركي-الكردي، وتعيد إلى الواجهة أسئلة الهوية والعدالة والمواطنة المتساوية في دولة متعددة الأعراق والثقافات.

استذكار دائم

ويبقى أثره دائماً، من ذلك بيان الرّئاسة المشتركة للمجلس التَّنفيذي لمنظومة المجتمع الكردستاني (KCK) بمناسبة الذّكرى السَّنوية لإعدام الشَّيخ سعيد ورفاقه الـ 48، والذي جاء فيه أنه "قبل 101 عام، أُعدم الشَّيخ سعيد و48 من رفاقه شنقاً في ساحة دريه جييه بمدينة آمد نستذكرهم بكلّ امتنان واحترام، ونجدّد عهدنا بتحقيق آمالهم في تحقيق كردستان حرّة.

وفق البيان، كانت آخر كلمات الشَّيخ سعيد ورفاقه قبل الإعدام: "كردستان حرّة". فارقوا الحياة وهم يؤمنون بأنَّ الشَّباب الكردي سيحقّقون أمنيّاتهم وآمالهم.

قد يهمك