جاء اغتيال آمر جهاز الاستخبارات العسكرية في الجيش الليبي، اللواء فوزي المنصوري، إثر استهداف سيارته بعبوة ناسفة في مدينة بنغازي، في توقيت بالغ الحساسية، لتعيد هذه العملية طرح الأسئلة حول مستقبل الاستقرار في ليبيا، والجهات التي قد تستفيد من عودة الفوضى الأمنية والسياسية إلى المشهد.
فالهجوم، الذي لم تكشف التحقيقات حتى الآن عن الجهة التي تقف وراءه، لا يمكن فصله عن حالة التحول التي كانت تشهدها البلاد خلال الفترة الأخيرة. فليبيا كانت، قبل هذه التطورات والأعمال الإرهابية الأخيرة، عند أقرب نقطة ربما منذ سنوات إلى تجاوز تدريجي للانقسام، والعمل على توحيد المؤسسات، وصولًا إلى مسار دستوري وسياسي يسمح بتأسيس دولة المواطنة، دولة لها دستور وبرلمان ورئيس منتخب عبر صناديق الاقتراع.
ومن هنا تكتسب عملية اغتيال شخصية عسكرية بهذا المستوى أهمية تتجاوز بعدها الأمني المباشر، إذ إن ضرب مؤسسات الدولة وشخصياتها الأمنية والعسكرية، بالتزامن مع استهداف منشآت نفطية كما حدث في مصفاة الزاوية، يبعث برسالة خطيرة مفادها أن هناك من يريد إبقاء ليبيا في دائرة عدم الاستقرار، ومنع انتقالها إلى مرحلة بناء المؤسسات وإنهاء الانقسام.
ومن الصعب تقديم إجابة نهائية قبل انتهاء التحقيقات وتحديد هوية المنفذين، لكن منطق الأحداث يشير إلى أن المستفيد من استمرار الفوضى هو كل طرف يرى في قيام دولة ليبية موحدة ومؤسسات شرعية تهديدًا لنفوذه ومصالحه.
ولهذا، فإن فرضية وجود فاعل داخلي يستفيد من استمرار الانقسام، ويحظى بدعم أو غطاء من أطراف خارجية، تبدو جديرة بالبحث والتحقيق. فاستقرار ليبيا وتوحيد مؤسساتها وإجراء انتخابات حقيقية يعنيان نهاية مساحات واسعة من النفوذ غير الرسمي، وهو ما قد يدفع بعض القوى إلى محاولة تعطيل هذا المسار.
ويعيد اغتيال المنصوري التذكير بمقتل الفريق محمد الحداد رئيس الأركان بغرب ليبيا بتحطم طائرته فوق تركيا، وهو الرجل الذي كان يؤمن بدرجة كبيرة بوحدة مؤسسات ليبيا، وضرورة خروج أي وجود أجنبي في البلاد.
وبالتالي، فإن اغتيال المنصوري لا ينبغي النظر إليه باعتباره حادثًا أمنيًا منفصلًا، وإنما باعتباره اختبارًا جديدًا لقدرة ليبيا على حماية مسارها نحو الدولة، وكشف من يريد لها أن تبقى رهينة للفوضى والانقسام.