في خطوة لا يمكن فصلها عن سياق التوتر السياسي المستمر، صادق مجلس الوزراء الإسرائيلي بالإجماع على قرار الاعتراف الرسمي بـ"الإبادة الجماعية للأرمن" التي وقعت عام 1915.
لكن خلف هذا القرار، يبدو المشهد أقرب إلى معركة لتصفية الحسابات ومناورة دبلوماسية، تتقدم فيها المصالح وصراع النفوذ، بينما تتراجع العدالة التاريخية إلى الخلف.
لماذا الآن؟
يثير توقيت القرار تساؤلات مشروعة. فإسرائيل امتنعت لعقود عن الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن، مراعاةً لعلاقاتها مع تركيا، ولاحقًا مع أذربيجان. فما الذي تغير اليوم؟
يرى منتقدون أن الاعتراف جاء في سياق تصاعد الخلافات السياسية بين تل أبيب وأنقرة، وأن ما يوصف اليوم بـ"الواجب الأخلاقي" ظل مؤجلًا لسنوات طويلة عندما كانت المصالح السياسية تفرض أولويات مختلفة.
وفي المقابل، تواصل تركيا رفض توصيف أحداث عام 1915 بأنها "إبادة جماعية"، وتعد هذا الملف من القضايا الحساسة التي تمس روايتها التاريخية، وهو موقف يواجه انتقادات واسعة من دول ومنظمات تعتبر أن أنقرة لا تزال ترفض الاعتراف بما جرى.
التصريحات... وما وراءها
قال وزير الخارجية الإسرائيلي: "ليس متأخرًا أبدًا أن نفعل الشيء الصحيح، فهذا القرار يستند إلى واجب أخلاقي".
غير أن منتقدين يرون أن هذا الخطاب يتناقض مع سنوات طويلة من الامتناع عن الاعتراف، عندما كانت الاعتبارات السياسية والعلاقات الإقليمية تحول دون اتخاذ مثل هذه الخطوة.
ملامح مرحلة جديدة
يتجاوز هذا القرار كونه خلافًا دبلوماسيًا عابرًا، إذ قد يعكس تحولات أوسع في طبيعة الاصطفافات الإقليمية، مع تزايد حدة المنافسة على ملفات النفوذ والطاقة والحدود، واتجاه القوى المختلفة إلى بناء تحالفات أكثر وضوحًا.
وفي النهاية، يسلط هذا المشهد الضوء على إشكالية متكررة في العلاقات الدولية، تتمثل في توظيف القضايا التاريخية والإنسانية ضمن حسابات السياسة الخارجية. فحين ترتبط المواقف بالمصالح أكثر من المبادئ، تصبح العدالة التاريخية عرضة للتسييس، وتتحول معاناة الشعوب إلى أوراق ضغط في صراعات النفوذ بين الدول.