قال أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المصري، الدكتور محمد رفعت الإمام، إن الكرد في تركيا أظهروا حسن نيتهم واتخذوا خطوات إيجابية في مسار السلام، مؤكداً أن ما تبقى هو أن تتحلى الدولة التركية بالصدق في المفاوضات مع الزعيم الكردي عبدالله أوجلان والكرد.
وجاءت تصريحات الإمام خلال مقابلة أجريت معه على هامش المؤتمر الذي نظمته اتحاد دراسات ميزوبوتاميا الإسلامية (MİA-FED) يومي 20 و21 يونيو/حزيران، تحت شعار "الإسلام الديمقراطي: الإخلاص في الإيمان والحرية في المجتمع"، بمشاركة علماء دين وممثلين عن منظمات مجتمع مدني وأحزاب سياسية وأكاديميين من كردستان وتركيا والعراق ومصر.
وشهد المؤتمر تقديم عدد من المحاضرات والمنتديات، تناولت موضوعات من بينها: "انتهاء الإسلام السياسي"، و"بناء العلاقات التركية الكردية على أسس ديمقراطية"، و"السلام والمجتمع الديمقراطي في ضوء وثيقة المدينة"، و"أخوة شعوب الشرق الأوسط ومسؤولياتها في سياق الإيمان".
ويعد الدكتور محمد رفعت الإمام من أبرز الباحثين المصريين الذين تناولوا القضية الكردية والأرمنية في مؤلفاتهم، ومن أبرز أعماله: "جبل الكرد: صراعات الهوية قبل الإبادة الجماعية، الإمارات، الشيوخ، السلاطين وصراع الشاهات (1514-1914)"، و"الذكرى المئوية لانتفاضة الشيخ سعيد بيران.. من الشيخ سعيد إلى نضال عبد الله أوجلان"، و"الأرمن والغرب والإسلام: الجناة والضحايا والمتهمون"، و"الأرمن في مصر 1896-1961"، و"القضية الأرمنية في الدولة العثمانية 1878-1923".
ويشغل الإمام عضوية مجلس الشؤون الخارجية المصري، كما شغل سابقاً منصب عميد كلية الآداب بجامعة دمنهور. وأجرى العديد من الدراسات الأكاديمية حول الكرد والأرمن، كما أشرف على رسائل ماجستير ودكتوراه تناولت فكر عبد الله أوجلان ونضاله، وشارك في العديد من الندوات والبرامج التي ناقشت القضية الكردية وعملية السلام وحزب العمال الكردستاني.
الكرد أبدوا حسن نيتهم
ورداً على سؤال بشأن تقييمه التاريخي لمسار السلام الجاري في تركيا، قال الإمام إن عبدالله أوجلان تحمل المسؤولية ورفع شعار السلام والمجتمع الديمقراطي، كما اتخذ حزب العمال الكردستاني خطوات إيجابية من خلال الاتفاق على بدء عملية إلقاء السلاح وحل الحزب، معتبراً أن الكرد بذلك أظهروا حسن نيتهم.
وأضاف أن المطلوب الآن هو أن تتعامل الدولة التركية بصدق مع المفاوضات التي تجريها مع أوجلان والكرد، وألا تنظر إلى هذه العملية باعتبارها مجرد ورقة سياسية يمكن استخدامها إلى أن ينجز الرئيس رجب طيب أردوغان التعديلات الدستورية التي تخدم مصالحه، دون أن يحقق الكرد أي مكاسب من هذه المرحلة.
العقلية التركية تنظر إلى الكرد باعتبارهم تهديداً أمنياً
وفي معرض حديثه عن طبيعة المقاربة التركية للقضية الكردية، قال الإمام إن الكرد، وعلى امتداد قرن من تاريخ الجمهورية التركية، اعتُبروا أكبر تهديد أمني للدولة التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك، مضيفاً أن هذه القناعة ترسخت بعمق في العقلية التركية.
وأوضح أن الدولة التركية تنظر إلى أي امتياز قد يحصل عليه الكرد على أنه انتقاص من توازن الجمهورية، مشيراً إلى أن هناك، بحسب وصفه، "عقدة نفسية" متجذرة في الذهنية التركية تعتبر الكرد أكبر أعدائها.
أوجلان أعاد القضية الكردية إلى الساحة الدولية
وعن الدور التاريخي لعبدالله أوجلان، قال الإمام إن الدولة التركية أعلنت عقب قمع انتفاضة ديرسم أن القضية الكردية قد انتهت، إلا أن أوجلان لعب دوراً محورياً في إعادة هذه القضية إلى الواجهة بوصفها واقعاً قائماً.
وأضاف أن أوجلان نجح في إعادة إدراج الكرد ضمن معادلات العلاقات الدولية، كما تمكن من دفع القوى العربية والإقليمية والدولية إلى أخذ الكرد في الاعتبار ضمن حساباتها الاستراتيجية.
وأشار إلى أن دور أوجلان لم يقتصر على النضال الميداني، بل امتد إلى الجانب الفكري من خلال صياغة مشروع "الأمة الديمقراطية" ورؤيته للسلام والمجتمع الديمقراطي، معتبراً أن هذا الدور يتجاوز القضية الكردية ليشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
الأوساط الأكاديمية العربية تتبنى موقفاً إيجابياً
وفيما يتعلق بنظرة العالم العربي إلى العملية الجارية في تركيا، قال الإمام إن شريحة من المثقفين العرب الذين لا تربطهم مصالح مباشرة بالأنظمة السياسية تتبنى موقفاً إيجابياً تجاه الكرد.
وأوضح أن هناك تياراً من المثقفين المصريين والعرب يهتم بالقضية الكردية بعيداً عن توجهات الحكومات، مشيراً إلى أنه نشر عدداً من الدراسات حول هذا الملف، كما يشرف على طلاب دراسات عليا يجرون أبحاثاً في هذا المجال، لافتاً إلى أن الجامعات المصرية تمنح درجات علمية في موضوعات تتعلق بالكرد.
وأضاف أن هذه التوجهات الأكاديمية تتشكل بعيداً عن سلطة الحكومات، وسلطات حزب البعث، والكمالية، والسلطة الدينية التي يمثلها أردوغان، على حد تعبيره.
دعوة للتفاوض من موقع قوة
وعن أبرز العوامل التي تضمن نجاح عملية السلام، قال الإمام إن التاريخ، بحسب رأيه، يظهر أن الأتراك خدعوا الكرد مراراً، داعياً الأجيال الكردية الجديدة إلى عدم الوقوع فيما وصفه بـ"الخداع أو الفخ التركي"، والاستفادة من تجارب الماضي.
وأضاف أن على الكرد التفاوض من موقع قوة، ومواصلة التفاوض مع الاحتفاظ بالسلاح إلى أن يتم ضمان السلام بصورة كاملة.
كيف سيسجل التاريخ هذه المرحلة؟
ورداً على سؤال حول الكيفية التي سيتذكر بها التاريخ عبد الله أوجلان وعملية السلام بعد خمسين عاماً، قال الإمام إن "حركة أوجلان، بجانبيها النضالي والفكري، تمثل رسالة القرن الحادي والعشرين في ظل الصراعات الإقليمية والدولية".
دعوة إلى وحدة شعوب المنطقة
وفي ختام المقابلة، وجه الإمام رسالة إلى الشعوب العربية والكردية، قال فيها إن الشعوب هي التي تبني الأمم وتقيم الإمبراطوريات، بينما تعمل الأنظمة من أجل مصالحها الخاصة، وتستغل الشعوب وتميز بينها وتستخدمها لتحقيق مكاسبها.
ودعا شعوب المنطقة إلى التكاتف والعمل المشترك من أجل مستقبلها، وألا تتحول إلى أدوات بيد الأنظمة، وأن تتعاون بعيداً عن سلطات حزب البعث والكمالية والأنظمة الدينية، وفق تعبيره.