بث تجريبي

حوار .. طارق البرديسي: وزارة الخارجية المصرية كانت ظهيراً للدولة ولأمن المنطقة على مدار 200 عام من تأسيسها

في لحظة فارقة من تاريخ الدبلوماسية المصرية، تحتفل مصر بمرور 200 عام على تأسيس وزارة الخارجية، وهي المؤسسة التي لم تكن مجرد جهاز إداري، بل ظهيراً استراتيجياً للدولة المصرية عبر تقلبات التاريخ.

في هذا الحوار لـ"المبادرة"، يستعرض طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، كيف تطورت العقيدة الدبلوماسية المصرية من عصر التأسيس إلى الجمهورية الجديدة. يناقش الحوار قدرة الخارجية المصرية على إدارة التوازنات الإقليمية المعقدة في ظل أزمات راهنة، منها ما يتعلق بإيران وقبل ذلك القضية الفلسطينية وكافة مشاكل دول الجوار والتطورات على المستوى الدولي، مؤكداً على أن "الاتزان الاستراتيجي" يظل الركيزة الأساسية لحماية الأمن القومي المصري في عالم مضطرب.

وإلى نص الحوار:

*تحتفل مصر اليوم بمرور 200 عام على تأسيس وزارة الخارجية المصرية. كيف تقرأ هذه المسيرة في سياق تطور الدولة المصرية منذ عهد محمد علي باشا وحتى الجمهورية الجديدة؟

- الاحتفال بمرور قرنين ليس مجرد استحضار لتاريخ إداري، بل هو استذكار لـ 200 عام من "العقل الدبلوماسي" المصري الذي صاغ هوية الدولة الوطنية. حين أسس محمد علي باشا "ديوان الخارجية"، كان يدرك أن قوة الدولة لا تكتمل إلا بوجود ذراع دبلوماسي يفهم لغة العالم. منذ ذلك الحين، واكبت الخارجية المصرية تطلعات المصريين في الاستقلال وبناء الدولة الحديثة، مروراً بالتحولات الكبرى في القرن العشرين، وصولاً إلى دبلوماسية الجمهورية الجديدة التي تتسم بالواقعية والبراغماتية. الدبلوماسية المصرية أثبتت مرونة مدهشة عبر العصور؛ فهي لم تكن يوماً بمعزل عن الواقع، بل كانت دائماً أداة ضغط وتفاوض لانتزاع الحقوق وتحقيق السيادة، وقد اتضح ذلك في أزمة غزة، وكذلك الوضع بين إيران وأمريكا وإسرائيل. نحن لا نحتفل فقط بالمؤسسة، بل بعمق الجذور التي تجعل من مصر رقماً صعباً في المعادلات الدولية، وقوة إقليمية ذات ثقل تاريخي لا يمكن تجاوزه.

*كيف تصف دور وزارة الخارجية المصرية في تعاملها مع الأزمات الإقليمية الراهنة التي تشهدها المنطقة مؤخراً خاصة مع تصاعد حدة التوترات في الإقليم؟

- أعتقد أن الدبلوماسية المصرية اليوم تمارس ما يمكن تسميته بـ "الدبلوماسية الوقائية" و"احتواء الأزمات". المنطقة تمر بظروف جيوسياسية بالغة التعقيد، من تداعيات النزاعات في السودان، إلى استقرار ليبيا، وصولاً إلى أمن البحر الأحمر والقضية الفلسطينية التي تظل بوصلة التحرك المصري، ثم الحرب الإيرانية الأمريكية. وزارة الخارجية المصرية لا تكتفي برد الفعل، بل تعمل كـ "ضابط إيقاع" للأزمات، ساعيةً دائماً لخلق بيئة إقليمية مستقرة عبر الحوار ومساندة لأمن الأشقاء. التحدي الآن هو كيفية الموازنة بين الحفاظ على الأمن القومي الصلب وبين الانفتاح الاستراتيجي على قوى دولية متعددة. مصر اليوم تتبنى سياسة "تعدد البدائل"؛ فهي لا تضع بيضها في سلة واحدة، بل توازن علاقاتها مع القوى العظمى بذكاء شديد، مما منحها مساحة حركة واسعة وسط استقطاب دولي حاد.

*كيف ترى انعكاس هذه "الخبرة الممتدة لـ 200 عام" على أداء الدبلوماسية في العاصمة الإدارية الجديدة، وهل هناك تغير في الأدوات؟

- العاصمة الإدارية هي رمز لجمهورية جديدة لا تنسلخ عن جذورها، بل تستشرف المستقبل. الخارجية المصرية اليوم تمتلك "متحفاً للدبلوماسية" يوثق هذا التاريخ العريق، لكنها في نفس الوقت تمتلك كفاءات شابة وأدوات عمل رقمية متطورة. الدبلوماسية اليوم لم تعد مقتصرة على الأروقة المغلقة أو المراسلات الورقية، بل أصبحت دبلوماسية شعبية، رقمية، واقتصادية. المؤسسة العريقة التي بدأت قبل قرنين استطاعت أن تطور عقيدتها لتستوعب متغيرات العصر؛ فالمسؤول المصري اليوم يتحدث لغة الاقتصاد والأرقام بجانب لغة السياسة، ويدرك أن قوة الدولة في الخارج تبدأ من قوتها في الداخل. إننا نشهد تحولاً من "الدبلوماسية التقليدية" إلى "الدبلوماسية التنموية"، حيث يصبح السفير المصري مسوقاً لفرص الاستثمار في بلاده بقدر ما هو ممثل لسياساتها الخارجية.

*كيف تدير الخارجية المصرية ملف "الممرات المائية والأمن الإقليمي" في ظل التهديدات التي شهدناها مؤخراً في البحر الأحمر؟

- هذا الملف هو جوهر الأمن القومي المصري. قناة السويس ليست مجرد ممر مائي، بل هي عصب التجارة العالمية. الدبلوماسية المصرية في هذا الملف تتحرك بخطين متوازيين: الأول هو تعزيز القدرات الدفاعية والحضور العسكري الذي يحمي السيادة، والثاني هو المسار الدبلوماسي الذي يشدد على "حرية الملاحة" كحق دولي لا يخضع للمساومات. مصر نجحت في حشد موقف دولي داعم لاستقرار الممرات المائية، مؤكدة أن أي تهديد لأمن البحر الأحمر هو تهديد لأمن الغذاء والطاقة العالمي. الدبلوماسية المصرية هنا لا تعمل بلسانها فقط، بل تستند إلى ثقلها الجيوسياسي وموقعها الاستراتيجي الفريد، مما يجعل كلمتها مسموعة ومقدرة من القوى الكبرى التي تخشى اضطراب سلاسل الإمداد.

*ما هي التحديات الأبرز التي ستواجه الدبلوماسية المصرية في العقد القادم، وما هي الرسالة التي توجهها للشباب العاملين في هذا المجال؟

- التحدي الأكبر يكمن في "السيولة الدولية"؛ العالم يتغير بشكل متسارع، والتحالفات التقليدية تعاد صياغتها، وبروز قوى صاعدة يفرض تحديات جديدة. مصر في العقد القادم ستكون بحاجة لتكثيف أدوارها ليس فقط كطرف وسيط، بل كفاعل اقتصادي وتكنولوجي. التحدي يكمن في استمرار حشد الدعم الدولي لقضايانا العادلة، وفي نفس الوقت توطين التكنولوجيا وبناء شراكات اقتصادية تجعل من مصر مركزاً لوجستياً وصناعياً عالمياً. أما رسالتي للشباب، فهي أن الدبلوماسية ليست مجرد بروتوكول، بل هي علم ومعرفة وذكاء عاطفي. عليكم أن تكونوا ملمين بالتاريخ، متقنين للتكنولوجيا، ومدركين أن الدبلوماسي الناجح هو من يخدم وطنه بصدق بعيداً عن الأضواء. الدبلوماسية المصرية، بخبرة قرنين، أثبتت أنها قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وهذا هو رهاننا القادم، وعليكم أنتم أن تكونوا الجيل الذي يحمل هذه الأمانة العريقة بامتياز.

*هل لديك ما تود إضافته؟

- إن مئوية الخارجية المصرية هي في الحقيقة احتفال بالدولة الوطنية المصرية التي أدركت مبكراً أن العالم لا يعترف بالضعفاء. لقد تعلمت الخارجية المصرية عبر قرنين من الزمان أن القوة لا تقتصر على القدرة العسكرية، بل تكمن في القدرة على إقناع الآخرين، وفي خلق شبكة مصالح تجعل من استقرار مصر ضرورة عالمية. إننا أمام مؤسسة لا تكتفي بحراسة الماضي، بل تبني جسوراً للمستقبل، وتثبت يوماً بعد يوم أن "السياسة الخارجية المصرية" هي التعبير الأسمى عن طموح المصريين في الريادة والسيادة، وأن العقل الدبلوماسي الذي صمد أمام أعاصير التاريخ قادر على قيادة مصر نحو آفاق أرحب في مئويتها الثالثة.

قد يهمك