مستقبل الشرق الأوسط: قراءة تفكيكية في أطروحة "الديمقراطية كطوق نجاة" وحوار دوران كالكان
يمر الشرق الأوسط بمرحلة حرجة من تاريخه الحديث، حيث تتداخل الصراعات الإقليمية مع الحسابات الدولية، وتتأرجح دول المنطقة بين خيارات الحسم العسكري والمسارات الدبلوماسية الغامضة. في خضم هذا المشهد المعقد، يأتي اللقاء الأخير لعضو أكاديمية الزعيم الكردي عبد الله أوجلان للعلوم الاجتماعية، دوران كالكان، ليعيد ترتيب الأولويات السياسية في المنطقة، متجاوزاً المقاربات الأمنية التقليدية ليطرح رؤية جذرية قوامها: أن الديمقراطية وحدها هي الكفيلة بقيادة المنطقة نحو المستقبل.
يتناول هذا المقال تحليل الأبعاد الثلاثة الأبرز التي ساقها الحوار: أزمة مسار السلام والتحول الديمقراطي في تركيا، الحاجة إلى وسيط دولي نزيه، والتحولات البنيوية الحتمية في الداخل الإيراني عقب الصراعات الأخيرة.
أولاً: تركيا والقرن الثاني.. نهاية "الأيديولوجيات الإقصائية" وحتمية الدمقرطة
تشهد الساحة التركية حالة من "الغموض الجدي" بشأن ما يُعرف بقانون الإطار لعملية السلام والمجتمع الديمقراطي. ورغم الأحاديث الدبلوماسية واللقاءات البرلمانية، يرى كالكان أن العقلية الرسمية للدولة التركية – المتمثلة في البيانات الأخيرة لمجلس الأمن القومي – ما زالت حبيسة المنظور الأمني الضيق ومقاربات "مكافحة الإرهاب"، دون إبداء رغبة حقيقية في مأسسة الحل السياسي أو الاعتراف بالمتغيرات الهيكلية التي طرأت على حركة النضال الكردي.
إن الدخول في المئوية الثانية للجمهورية التركية يفرض واقعاً لا يمكن الهروب منه:
• استنفاد النماذج القديمة: لقد أثبتت التجربة التاريخية أن كلاً من نموذج "الجمهورية القومية العلمانية" (إرث حزب الشعب الجمهوري) ونموذج "الجمهورية القومية الدينية" (مرحلة حزب العدالة والتنمية) قد استنفدا قدرتهما على إدارة التنوع وحل القضية الكردية.
إعادة صياغة الأيديولوجيات: إن حماية الدولة وإبقاءها قائمة أمام تحديات البقاء الإقليمية لا يمر عبر القمع، بل عبر تحويل كافة التيارات (القومية، والاشتراكية، والإسلامية) إلى أيديولوجيات ديمقراطية تحت مظلة "الجمهورية الديمقراطية".
وفي هذا السياق، تبرز مبادرات مثل كونفرانس "الإسلام الديمقراطي" كركيزة أساسية لفصل الدين عن السلطة وإعادته إلى حاضنته المجتمعية القائمة على العيش المشترك (استناداً إلى قيم وثيقة المدينة)، مما يمهد الطريق لاندماج ديمقراطي حقيقي ينهي عقوداً من الإنكار.
ثانياً: معضلة "الطرف الثالث".. عتاب كردي للمواقف الأوروبية المتذبذبة
مع تصاعد الأصوات المطالبة بوجود وسيط دولي لإنجاح عملية السلام – تزامناً مع إشارات إيجابية من البرلمان الأوروبي وتصريحات من الخارجية الألمانية – يبدو الموقف الكردي منفتحاً ومرحباً بأي جهد دولي، لكنه يضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بجدية العواصم الأوروبية.
محور الموقف من الوساطة الدولية: المشكلة الأساسية لا تكمن في رغبة الأطراف الديمقراطية، بل في افتقاد أنقرة للإرادة السياسية للحل. إذا امتلكت تركيا إرادة التغيير، فستكون قادرة على حل قضاياها داخلياً دون الحاجة لوساطة.
علاوة على ذلك، يحمل الحوار أوروبا مسؤولية تاريخية وأخلاقية عن نشأة القضية الكردية وتعميقها (خاصة بريطانيا، فرنسا، وألمانيا). ويرى كالكان أن الاكتفاء بتقديم عروض الوساطة المشروطة هو "موقف غير كافٍ"؛ فإذا كانت أوروبا جادة في دعم الدمقرطة وحقوق الإنسان، فعليها:
1. استخدام أدوات ضغطها وعلاقاتها الاقتصادية الواسعة مع أنقرة لإثارة ملف الحريات والقضية الكردية.
2. التوقف عن التعامل مع الكرد بمنطق المصالح التجارية والظرفية المؤقتة.
3. مراجعة السياسات السابقة (مثل تصنيف حركات المقاومة) والتحرك العملي بدلاً من الانتظار السلبي لما تقرره الدولة التركية.
ثالثاً: إيران ومابعد الحرب الإقليمية.. الحوار الداخلي كبديل لسياسات المقصلة
ينتقل التحليل إلى الجبهة الإيرانية، ليفكك طبيعة الصراع الأخير بين طهران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. يرى البيان أن هذه الحرب لم تكن يوماً حرب الشعوب، بل هي حرب مصالح مرتبطة بالمنظومة الرأسمالية العالمية وممرات الطاقة (مضيق هرمز)، حيث كانت شركات السلاح هي المستفيد الأكبر على حساب دماء وثروات شعوب المنطقة.
ورغم ادعاء كل طرف تحقيق "النصر"، فإن الواقع الداخلي لإيران يفرز معطيات جديدة:
• حتمية التغيير الهيكلي: لم تعد إيران قادرة على الاستمرار بصيغتها الحالية. والتغيير القادم لن يكون ارتداداً نحو النظام الملكي البائد، بل يجب أن يتجه نحو "الجمهورية الديمقراطية"، كون المجتمع الإيراني بات ناضجاً ومستعداً لهذا التحول.
• تناقض الحوار الخارجي والقمع الداخلي: يبرز التناقض الصارخ في سلوك النظام الإيراني الذي يهرول لفتح قنوات دبلوماسية ومفاوضات مع القوى الغربية، في حين يرفض الحوار مع مجتمعه ومكوناته الداخلية (ومنهم الكرد الذين حافظوا على وقف إطلاق النار لـ 15 عاماً).
إن استمرار طهران في سياسات القمع المفرط، وتصاعد وتيرة الإعدامات والاعتقالات، لن ينقذ مستقبل النظام، بل سيسرع من حدة الانفجار الداخلي. إن البديل الوحيد للاستقرار هو وقف العنف فوراً والبدء في إشراك كافة المكونات القومية والسياسية في إدارة البلاد.
خاتمة: العقل الديمقراطي كمسار إجباري
تثبت القراءة التحليلية لمواقف دوران كالكان أن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فالأدوات التقليدية القائمة على الحروب بالوكالة، والصفقات الدبلوماسية السرية، وإقصاء المكونات الأصيلة للمنطقة (وفي مقدمتها الشعب الكردي) لم تعد صالحة للبقاء.
إن الانتقال من "عقلية الحرب والأيديولوجيات الشمولية" إلى "العقل السياسي الديمقراطي" ليس خياراً ترفيهياً، بل هو المسار الإجباري الوحيد لحماية مجتمعات المنطقة وتجديد بنيتها السياسية، والانتقال من نفق النزاعات المظلم إلى أفق السلام المستدام والعدالة المجتمعية.