بث تجريبي

مشهد مكرر ببراغماتية متبادلة.. تفكيك الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير

بين لغة التصعيد العسكري غير المسبوق والتهدئة المفاجئة، يعود ملف العلاقات والاتفاقات الأمريكية-الإيرانية إلى الواجهة مجدداً عبر مذكرة التفاهم الأخيرة (المكونة من 14 بنداً) لإنهاء الأعمال العدائية. وكالعادة، يُسارع كل طرف إلى تصوير هذا التفاهم (الذي جرى التوقيع عليه رقمياً ويمهد لقمة سويسرا) على أنه انتصار ساحق لسياساته أمام جمهوره الداخلي؛ فواشنطن تراها إذعاناً لـ"شروطها"، وطهران تحتفي بها كـ"كسر للحصار الجوي والبحري".

ولكن، إذا ابتعدنا عن الدعاية السياسية لكلا العاصمتين ونظرنا إلى المشهد بعين حيادية وناقدة، سنجد أننا أمام زواج مصلحة مؤقت تفرضه الظروف، ويحمل عيوباً بنيوية من الطرفين، بينما تدفع شعوب المنطقة وحدها ضريبة هذه الدائرة المفرغة.
الجانب الأمريكي.. سياسة تسكين الآلام وغياب الرؤية الإستراتيجية

تواجه الإدارة الأمريكية انتقادات حادة في طريقة إدارتها لهذا الملف، وتتلخص أبرز سقطاتها في:

التذبذب وغياب الاستمرارية: تعاني واشنطن من أزمة المؤسسات المتصارعة؛ فما بناه الديمقراطيون هدمه الجمهوريون، واليوم تعود الإدارة الحالية لصياغة تفاهمات هشة تحت مسمى "مذكرة تفاهم" بدلاً من اتفاقية معاهدة صلبة، مما يجعل أمريكا تبدو كشريك يغير قواعد اللعبة حسب البوصلة الانتخابية.

عقيدة إطفاء الحرائق: تلجأ واشنطن للحلول الإسعافية المؤقتة بهدف شراء الوقت والهروب من الأزمات الإقليمية الكبرى (كملف الملاحة في مضيق هرمز وحرب الجبهات المتعددة)، دون معالجة الجذور الحقيقية للمشكلة أو تقديم حل مستدام.

توظيف العقوبات كأداة ضغط فاشلة: أثبتت العقوبات القصوى والحصار البحري المؤخر أنها تنهك الشعوب وتدمر البنى التحتية، لكنها تفشل دائماً في تغيير سلوك الأنظمة، مما يضطر واشنطن في النهاية للجلوس والتفاوض لرفعها مقابل مسكنات مؤقتة.

  - نماذج من بنود الاتفاق الأخير وعيوبها (المنظور الأمريكي):

بند مهلة الـ 60 يوماً وتثبيت "الوضع الراهن" (Status Quo): ينص الاتفاق على تجميد متبادل لـ 60 يوماً؛ تمتنع واشنطن خلالها عن فرض عقوبات جديدة أو تعزيز قواتها، مقابل بقاء البرنامج النووي الإيراني على حاله. هذا البند يكبّل أوراق الضغط الأمريكية ويمنح طهران حصانة قانونية ومناورة زمنية دون تقديم تنازل نووي مسبق.

إلزامية "الإعفاءات النفطية والمالية الفورية": تعهدت واشنطن بإصدار وزارة الخزانة لتنازلات وإعفاءات فورية لتصدير النفط الخام والمشتقات البتروكيماوية الإيرانية والمعاملات البنكية المرتبطة بها؛ وهو ما يمنح طهران شريان حياة مالي فوري وقدرة على تسييل أصولها قبل إثبات حسن نواياها في الملفات الإقليمية.

ترحيل القضايا الجوهرية (صيغة الفراغ الصياغي): تضمن الاتفاق نصاً فضفاضاً يشير إلى أن "مصير المواد المخصبة والمسائل النووية سيتم معالجته لاحقاً في الاتفاق النهائي". هذا الهروب إلى الأمام يكرر خطأ إهمال تفكيك البنية التحتية للتخصيب، ويكتفي بعبارات عامة مثل "التعهد بعدم إنتاج سلاح نووي".

الجانب الإيراني.. براغماتية التقاط الأنفاس والمناورة المستمرة

على المقلب الآخر، لا يمكن إعفاء طهران من النقد، إذ تعتمد دبلومسيتها على اللعب على حافة الهاوية وتحقيق مكاسب تكتيكية دون تنازلات حقيقية:

الاتفاق كوسيلة للتنفيس لا للتغيير: تنظر طهران إلى هذا التفاهم على أنه مجرد أداة تفكيك للحصار البحري الخانق وضخ للسيولة في شرايين اقتصادها المنهك، دون أي نية حقيقية لتغيير إستراتيجيتها الإقليمية أو مراجعة مفهوم "تصدير الأزمات".

ازدواجية الخطاب السيادي: في الوقت الذي يوقع فيه النظام على بنود تنص على "احترام السيادة والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية"، فإنه يربط وقف إطلاق النار بـ "الجبهات المتعددة بما في ذلك لبنان"، مما يؤكد بنيوياً وتفاوضياً أنه يمسك بقرار هذه الجبهات ويستخدمها كأوراق مساومة دولية لتعزيز مكاسبه الخاصة.

استغلال الأزمات الداخلية: تُستخدم حزمة الـ 300 مليار دولار الموعودة لإعادة الإعمار والتنمية كمسكن سياسي واقتصادي لامتصاص الاحتقان الشعبي في الداخل الإيراني، بدلاً من الذهاب نحو إصلاح سياسي واقتصادي هيكلي حقيقي.

  - نماذج من بنود الاتفاق الأخير وعيوبها (المنظور الإيراني):

بند "المرور الآمن المشروط" (ورقة المضيق الجغرافية): التزمت إيران باتخاذ ترتيبات لضمان المرور الآمن للسفن التجارية في مضيق هرمز وبحر عمان "لمدة 60 يوماً فقط بدون رسوم". هذا البند يعكس عقلية "المقايضة المؤقتة"؛ حيث يتم التعامل مع الممرات المائية الدولية كرهينة جغرافية يُفرج عنها مؤقتاً لانتزاع مكاسب مالية.

رهان خطة إعادة الإعمار بـ 300 مليار دولار: قبول طهران ببنود تربط التمويل المالي المخصص لإعادة الإعمار والتنمية بشراكة مع "شركاء إقليميين ودوليين"، يضع اقتصادها تحت عين الرقابة المشتركة، ويثبت عجزها عن تحقيق استقلال اقتصادي حقيقي بعيداً عن أموال التسويات الدولية.

ربط مصير الاتفاق بـ "قرار مجلس الأمن الدولي": السعي لإدراج الاتفاق النهائي تحت مظلة قرار ملزم من مجلس الأمن، يعكس حاجة طهران للاحتماء بالشرعية الدولية لحماية الاتفاق من تقلبات الإدارات الأمريكية القادمة، وهو اعتراف ضمني بهشاشة الضمانات الثنائية المتبادلة.

شعوب المنطقة.. من مصلحة الارتكان إلى حتمية البناء الذاتي

المعضلة الأكبر في هذا المشهد بكامله هي أن مجتمعات المنطقة هي من تتحمل كلفة الحروب والتحشيد بالوكالة، وهي ذاتها التي يتم تجاوز مصالحها الحقيقية عندما يجلس الطرفان خلف الطاولات المغلقة في سويسرا لإبرام صفقات براغماتية تراعي مصالحهما الخاصة فقط، وتتقاسم النفوذ والأموال والممرات المائية.

لذلك، فإن الرهان الحقيقي للاستقرار لا ينبغي أن يرتهن بمزاج الحروب أو بمذكرات التفاهم والتهدئة المؤقتة، بل يتطلب تحولاً عميقاً في الوعي والنهج:

مغادرة مربع التبعية والانتظار: إن الارتكان إلى فكرة أن الخلاص سيأتي عبر اتفاق دولي أو بنصر عسكري لطرف خارجي على آخر هو وهم تاريخي؛ فالقوى الكبرى والإقليمية لا تتحرك بدافع نشر الديمقراطية، بل وفقاً لمصالحها الجيوسياسية. والبديل هو الانتقال من ذهنية التبعية إلى ذهنية الفعل والمبادرة.

البناء بمنطق العقلية المجتمعية الذاتية: الحل المستدام ينبع من الداخل، عبر صياغة مشاريع وطنية وإقليمية نابعة من الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمنطقة. هذا يعني بناء جبهات داخلية متماسكة تعتمد على الحوار المجتمعي الشامل، وتغلق الباب أمام الاستقطابات التي تستغلها القوى الخارجية لتمزيق المجتمعات.

التنمية والديمقراطية كركائز للأمن القومي: لا يمكن تحقيق استقرار حقيقي في بيئة تعاني من الهشاشة الاقتصادية وغياب الحريات. تحصين المنطقة يتطلب تنمية مستدامة تركز على الإنتاج والتعليم، بالتوازي مع بناء مؤسسات ديمقراطية حرة تضمن التعددية، سيادة القانون، والمشاركة السياسية الفعلية للمواطنين.

خلاصة القول

إن مذكرة التفاهم الأمريكية-إيرانية الأخيرة، ببنودها الـ 14، لا تلمس القضايا الجوهرية بل تؤجلها؛ ولذا ستبقى مجرد هدنة مؤقتة على أرضية من الرمال المتحركة. وطالما بقيت شعوب المنطقة مجرد ساحات صراع أو أوراق تفاوض في أيدي الآخرين لفتح المضائق أو إغلاقها، فلن تحصد سوى الوعود الزائفة.

الاستقرار الحقيقي والتحرر من التبعية يبدآن عندما تقرر المجتمعات الاعتماد على كاهلها، والبحث عن حريتها وديمقراطيتها وتنميتها بعقلية سيادية مستقلة تضع الإنسان في صدارة أولوياتها.

قد يهمك