تتصاعد التساؤلات بشأن مستقبل سوريا في ظل استمرار الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية، بالتزامن مع تصريحات مثيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدث فيها عن دور واشنطن وأنقرة في إيصال أحمد الشرع إلى السلطة.
وفي هذا الحوار لموقع "المبادرة"، يقرأ الكاتب الصحفي المصري سعيد محمد أحمد دلالات تلك التصريحات وانعكاساتها على المشهد السوري، كما يناقش التحديات التي تواجه حكومة أحمد الشرع، وأسباب عزوف المستثمرين ورجال الأعمال عن ضخ أموالهم في البلاد.
ويتطرق الحوار إلى ملف غياب الأمن والاستقرار، والتعامل مع المكونات السورية المختلفة، فضلاً عن صراع النفوذ المتصاعد بين تركيا وإسرائيل داخل الأراضي السورية. كما يناقش احتمالات انخراط دمشق في مواجهة مع حزب الله.
إلى نص الحوار:
*أبدأ معك من نصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه هو وأردوغان من وضعا أحمد الشرع في سوريا، ماذا يعني هذا التصريح وكيف تقرأه؟
- تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب لا تحمل أي جديد على الرغم من حدتها. سبق وأعلن "ترامب" منذ فترة، قبل ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر، أنه من أتى بأحمد الشرع، وهذا أثار الكثير من اللغط داخل المجتمع السوري، وأسقط كل المعايير والقيم التي أطلقتها هيئة تحرير الشام بأن "من يحرر يقرر"، وأن الرجل جاء على ظهر دبابة أمريكية أو على ظهر مدفع أمريكي، مدفوعاً بدعم تركي لا مثيل له. أعتقد أن الوضع الآن شديد الصعوبة، شديد التشابك. هذه التصريحات من ترامب تفضح النظام الحاكم في سوريا.
*ماذا عن رؤيتك للوضع الداخلي في سوريا؟
- أعتقد أيضاً أن "أحمد الجولاني" (الشرع) يعاني حقيقةً من العديد من المشاكل التي تتعلق بأهمية وضرورة الأمن والاستقرار في سوريا. وهذه مسألة شديدة الصعوبة وشديدة التعقيد، خاصةً بعد إعلان رجل الأعمال الإماراتي "خلف الحبتور" انسحاب كافة استثماراته من سوريا، وكذا أيضاً رجال الأعمال السوريين سحبوا كل استثماراتهم من سوريا.
*انسحاب رجال الأعمال – إن صح – ماذا يعني برأيك؟
- هذا مؤشر يؤكد أن رأس المال جبان، وأنه لا يمكن على وجه الإطلاق أن يستطيع أحدٌ من رجال الأعمال، أيّاً كان -سواء كان سورياً أو خليجياً أو عربياً- أن يستثمر في سوريا؛ لأن سوريا لا تتمتع على وجه الإطلاق لا بالأمن ولا بالاستقرار. ونحن نعلم جيداً أن الاستثمار يستدعي بيئة آمنة مستقرة كي يتحرك فيها المستثمر بكل حرية وأمان، وهناك مؤسسات تحافظ على استثماراته وتحافظ على مشروعاته. العالم غير مقتنع أن الشرع يمكنه تحقيق الأمن والاستقرار في الدولة السورية، في ظل وجود الصراع بين الأجنحة الإرهابية الموجودة في سوريا، والمتعددة الأشكال والألوان، وعلى رأسها طبعاً قضية المقاتلين الأجانب. وفي ظل التعامل بشكل سلبي مع المكونات السورية المختلفة. وهذه هي القضية الأساسية التي أثارها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال لقائه مع "الشرع" في قمة السبعة. وقد تمت مواجهته بأنه لم يفي بأي من الالتزامات التي عليه القيام بها، توفير الأمن والاستقرار، التعامل مع الدولة السورية كدولة موحدة، والتعامل مع المجتمع السوري بكل مكوناته دون إقصاء ودون إهمال ودون تهميش لأي فئة من فئاتها. وأيضاً لابد أن يكون هناك حساب وعقاب شديد لمن قاموا بالمذابح، سواء بالنسبة للعلويين أو بالنسبة للدروز أو بالنسبة للكرد. هذه قضية جوهرية لابد أن يحاسب الجميع فيها، لا يمكن على وجه الإطلاق أن يُترك المجرم.
*لكنهم أحياناً يدعون أن هذه الإجراءات تستهدف فلول النظام السابق، ما رأيك؟
- أي فلول يتحدثون عنها؟ إذا كان الشعب السوري عاش على مدى خمسين عاماً تحت هذا النظام، فبالتالي الشعب السوري كله سيعتبر "فلولياً"؟ لأنه شعب عاش خمسين سنة أو ستين سنة تحت نظام معين. فلا يمكن على وجه الإطلاق أن يقال إن هؤلاء هم من الفلول. ما يجب الحديث عنه هو غياب المؤسسات، وغياب الدولة في سوريا. أنت في دولة هشة، دولة هشة لا تستطيع فعل شئ، ليس لديها مقومات الدولة؛ لا توجد فيها مؤسسات أمنية حقيقية، لا توجد فيها مؤسسات دفاع حقيقية، لا توجد فيها أيضاً مشروعية للحياة، منطق الحياة لا يوجد فيها. أنا أعتقد أن السوريين يعانون معاناة شديدة القسوة وشديدة العنف، لا توجد حوارات، لا يوجد أي نوع أو أي أمل في الحياة. لقضية أتصور أنها قضية مغلقة ومظلمة أمام المجتمع السوري، ولا أعتقد ولا أتصور أن هناك أملاً في المستقبل على وجه الإطلاق. أعتقد أن الوضع الآن شديد الصعوبة، شديد القسوة، ونرى اليوم أن أي متابع حقيقي للشأن السوري يرى أن سوريا أصبحت شبه مدمرة. اليوم لا يوجد مكان في سوريا إلا وبه صراعات، من الشمال، في دير الزور وغيرها، صراعات شديدة ما بين كافة الطوائف والمكونات. نرى في الساحل السوري، نرى في الجنوب، وكذلك إلى الدور الإسرائيلي وهو الأشد قسوة اليوم.
*هنا أسألك، كيف ترى صراع النفوذ بين إسرائيل وتركيا في سوريا؟
- أرى اليوم أن المتحكم والمتصرف الوحيد هما طرفان في الدولة السورية: أول شيء تركيا، الحاكم العسكري الفعلي الذي أعتبره الحاكم العسكري الذي يحكم سوريا في هذا المحل هم الأتراك، ومن الجانب الآخر إسرائيل وهي المسيطرة على الجنوب السوري بالكامل حتى قلب العاصمة دمشق. فكيف يمكن أن تتحدث أن هناك دولة وأن هناك مؤسسة وأن هناك أجهزة أمنية في ظل هذا الوضع؟ كل ذلك عبث، عبث حقيقي للسوري في الداخل، ولكن المسيطر الآن على الشعب السوري في المقابل عقدة الخوف. نحن أمام نظام إرهابي، خطط لقدومه أمريكياً بالتعاون مع الأتراك. بموجب ذلك حصل الأتراك على التصرف المطلق في سوريا، تركيا المتصرف الوحيد في الشؤون السورية، الأتراك تحكموا في حياة السوريين، تركيا للأسف الحاكم الفعلي في سوريا. وأمام هذا أعتقد أن سوريا فعلاً مقسمة، وهذا الانقسام سبب في اشتعال الخلافات بين مكونات الشعب السوري.
*بالعودة إلى تصريحات ترامب، هل تعتقد أن أحمد الشرع -رغم أنه نفى رسمياً يعني- هل يمكن أن يقوم بعمل ضد حزب الله؟
- أحمد الشرع عليه ضغط، ضغط رهيب، ضغط من الأمريكين، ضغط شديد جداً، والأمريكان وجهوه أكثر من مرة أنه (على الشرع) وأنه يتوجه بقواته لردع جماعة "حزب الله" في لبنان، أو حتى المتواجدين في المنطقة المشتركة على الحدود السورية اللبنانية المشتركة، سواء في البقاع أو منطقة البقاع. ولكن في النهاية هو أيضاً محكوم بعقدة شديدة أيضاً: كيف يمكن أن يقوم بذلك؟ هل من الجانب الإسرائيلي؟ هل سيسمح له من الجانب الإسرائيلي أصلاً أن يقوم بذلك؟ وماذا لو؟ حتى هو نفسه "الشرع" قال إنه ليس لديه القوات الكافية ليدخل في مواجهة ضد حزب الله. لا أتصور على وجه الإطلاق أنه لديه القدرة في المرحلة الراهنة أنه يستطيع أن يدفع بعناصره إلى الداخل اللبناني. أتصور أنها مسألة صعبة، خاصة أنه لا يملك قواته، ولا يملك إمكانية فرض السيطرة على كامل الأراضي السورية.
*هل لديك ما تود إضافته؟
- أتصور أن الوضع شديد الصعوبة، أتصور هذا رؤيتي، أتصور ما أعرف. هل هناك أمل؟ لا أعتقد أن هناك أمل على وجه الإطلاق. الأمل الوحيد هو وحدة الشعب السوري. عودة القوة الناعمة التي اختفت تماماً عن الساحة السورية. ما هي القوة الناعمة اليوم في المجتمع السوري؟ أين المثقفون؟ أين الأدباء؟ أين الشعراء؟ أين رجال الفكر؟ أين الأحزاب؟ أين المعارضة السورية؟ أين أصدقاء سوريا الـ 150 دولة؟ أين هؤلاء؟ . المعارضة للأسف متفرقة ولم تفرز شخصية استطاع حتى المجتمع الدولي أن يحترمها أو يدعمها. أعتقد أن الأزمة صعبة.