بث تجريبي

تفويض دمشق .. "هندسة ترامب" لشرق أوسط جديد عبر بوابتي لبنان وسوريا

 تنطلق رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من عقلية "صفقات الأعمال" والبراغماتية المفرطة؛ فهو يرى أن الحرب الإسرائيلية ضد "حزب الله" في لبنان مكلفة بشرياً ومادياً، وتسببت بدمار هائل وقتل للمدنيين دون تحقيق "حسم جراحي وسريع"، ما يفسر عقلية الرئيس الأمريكي.

 أولاً: فكرة ترامب.. الاستعانة بـ "الشرع" بدلاً من نتنياهو

من هنا، يرى ترامب أن الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، الذي يمتلك ماضياً قتالياً وخلفية إسلامية سنية وموقعاً جغرافياً ملاصقاً للبنان، هو الأقدر على "تنظيف المنطقة" وتفكيك بنية "حزب الله"، كونه يكنّ عداءً عميقاً للحزب الذي شارك سابقاً في قمع الثورة السورية ودعم نظام الأسد الساقط.

ثانياً: تاريخ التدخلات السورية في لبنان (بين الأمس واليوم)

تاريخ العلاقات العسكرية بين دمشق وبيروت حافل بالتعقيدات، لكن الغايات تباينت تماماً بين الماضي والحاضر:

- الماضي (التدخل السوري 1976 - 2005): دخل الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 تحت غطاء "قوات الردع العربية" لوقف الحرب الأهلية اللبنانية، لكن الغاية الحقيقية تحولت سريعاً إلى فرض وصاية سياسية وأمنية كاملة على بيروت. في تلك الحقبة (عهد حافظ ثم بشار الأسد)، تحالف النظام السوري مع إيران وشرعن وجود "حزب الله" كأداة للمقاومة وكورقة ضغط إقليمية ضد إسرائيل. انتهى هذا التدخل عام 2005 بعد اغتيال رفيق الحريري وصدور القرار الدولي 1559.

- المشهد الحالي والغاية المقترحة (2026): الغاية المقترحة اليوم هي انقلاب كامل بمقدار 180 درجة؛ فالتدخل السوري المطلوب أميركياً ليس لحماية "حزب الله" أو التحالف معه، بل للدخول إلى شرق وجنوب لبنان بهدف نزع سلاحه وإنهاء النفوذ الإيراني. دمشق بقيادة الشرع تبدو حذرة جداً؛ حيث صرحت الرئاسة السورية داخلياً بأن هذه الأنباء "مجرد شائعات"، لعلمها أن الدخول في مستنقع لبناني جديد قد يفجر فتنة طائفية داخلية ويثقل كاهل الدولة السورية التي لا تزال في طور التعافي والبناء.

ثالثاً: موقف إسرائيل ومخاوف نتنياهو

على الرغم من رغبة إسرائيل في إنهاء تهديد "حزب الله"، إلا أن فكرة ترامب تثير قلقاً كبيراً في تل أبيب:

1- عدم الثقة المطلقة بالشرع: تنظر الأوساط الأمنية الإسرائيلية بحذر إلى خلفية الشرع الإسلامية السابقة، وتخشى أن يكون أي تمدد عسكري سوري في لبنان مقدمة لتهديد جديد على حدودها الشمالية.

2- خسارة حرية الحركة: تخشى إسرائيل أن يؤدي دخول قوات سورية برية إلى لبنان (حتى لو كانت لقتال "حزب الله") إلى تقييد حرية الطيران والعمليات العسكرية "الجراحية" التي يفضلها الجيش الإسرائيلي.

3- الانتقاد الترامبي لنتنياهو: تصريحات ترامب العلنية بأنه "غير راضٍ" عن طريقة تعامل نتنياهو مع ملف لبنان وضعت الأخير في موقف محرج داخلياً، مما جعل الحكومة الإسرائيلية تسعى جاهدة للقاء ترامب لضبط إيقاع العمليات وتجنب فرض "وصاية سورية" بديلة في لبنان.

رابعاً: الموقف المترتب على العلاقات التركية - الإيرانية (في حال تدخل الشرع بمقاتلين أجانب)

إذا ما تحقق سيناريو تدخل الرئيس أحمد الشرع في لبنان مستعيناً بقواته و"المقاتلين الأجانب" (الذين يشكلون نواة فصائل المعارضة السابقة أو عناصر من جنسيات متعددة قاتلت في سوريا)، فإن العلاقات بين أنقرة وطهران ستدخل في نفق من التصعيد والمواجهة غير المباشرة:

1. الموقف الإيراني: معركة وجودية

بالنسبة لإيران، يعتبر "حزب الله" في لبنان "الجوهرة الثمينة" في مشروعها الإقليمي (محور المقاومة)، وخط الدفاع الأول عن عمقها الاستراتيجي.

- رد الفعل: ستعتبر طهران أي تدخل عسكري من الشام باتجاه بيروت بمثابة "غزو سنّي - أميركي" مدعوم بتفويض من واشنطن لتصفية الشيعية السياسية في المنطقة.

- التبعات: ستقوم إيران بضخ كل ما تملك من مال وسلاح، وتحريك ميليشياتها العراقية والأفغانية لضرب المصالح السورية والتركية، وقد يتحول لبنان وسوريا مجدداً إلى ساحة حرب بالوكالة ضد دمشق.

2. الموقف التركي: موازنة النفوذ وحماية الحليف

تعتبر تركيا الداعم الأساسي والعرّاب غير الرسمي للتحول السياسي الذي قاده الشرع في سوريا.

- رد الفعل: أنقرة لا ترغب في رؤية الشرع يغرق في مستنقع لبناني يستنزف قوته، ولكن إذا حصل التدخل بدعم أميركي، فستجد تركيا نفسها مجبرة على تقديم الدعم اللوجستي والاستخباري والسياسي لحكومة دمشق لمنع انكسارها أمام الرد الإيراني.

- التبعات: تركيا ستستغل هذا التدخل لقطع "ممر النفوذ الإيراني" الذي يمتد من طهران عبر بغداد ودمشق وصولاً إلى بيروت، مما يعني إحكام تركيا وحلفائها السوريين القبضة على الهلال الخصيب.

3. مآل العلاقات التركية - الإيرانية

هذا السيناريو سيعصف باتفاقيات "أستانا" ومساحات التفاهم الهشة بين تركيا وإيران. ستتحول العلاقة من "تنافس صامت وتعاون اقتصادي" إلى مواجهة جيوسياسية ساخنة. إيران ستتهم تركيا بتسهيل تفكيك نفوذها عبر المقاتلين السوريين المدعومين من أنقرة، مما قد يدفع طهران إلى تحريك بعض الأوراق أو الفصائل العراقية لضرب تركيا داخلياً وفي شمال العراق.

خلاصة تحليلية:

فكرة دونالد ترامب تعكس رغبة أميركية في "القيادة من الخلف" عبر استبدال المدافع الإسرائيلية بالبنادق السورية المحلية لتصفية نفوذ طهران. ومع ذلك، فإن هذا الطرح يشبه اللعب بأحجار الدومينو؛ إذ إن إقحام أحمد الشرع ومقاتليه في لبنان لن ينهي "حزب الله" بلمسة سحرية، بل قد يعيد تفجير الصراع الطائفي الإقليمي، ويضع تركيا وإيران على حافة صدام استراتيجي غير مسبوق في تاريخ المنطقة الحديث.

قد يهمك