بث تجريبي

حازم نهار يكتب: المثقف في زمن الهويات المغلقة... دفاعاً عن التفكير الحر

في لحظات الاضطراب المجتمعي، كما هو حالنا اليوم، تتفكك المرجعيات العامة، وتضيق السياسة، وتختنق الثقافة، وتتسع العصبيات، لا بسبب وجود انقسامات سياسية أو اختلافات فكرية أو دينية أو طائفية أو اجتماعية؛ فهذه الانقسامات والاختلافات موجودة في جميع المجتمعات، إنما بسبب مشكلة أخطر تكمن في أن اللغة التي يجري عبرها التعبير عن هذه الاختلافات قد أخذت تتحول تدريجياً إلى لغة مغلقة وهابطة، قادرة على ابتلاع السياسة والثقافة معاً.

من السياسة إلى العصبية: كيف تبتلع الهويات المجال العام؟

لقد أصبح إجراء نقاش عام حول أي قضية سورية أمراً مستحيلاً من دون أن تتدخل اللغة التبسيطية القطعية، اللغة المغلقة على نفسها، اللغة ذات العين الواحدة والمعيار الواحد، اللغة التي تخلو من الحد الأدنى من أدبيات الحوار. ففي النقاش العام، لم يعد السؤال المطروح: ما الحقيقة؟ ما الصحيح؟ وما العادل؟ وما الذي يخدم المصلحة العامة؟ بل صار السؤال: من قال ذلك؟ ومن أي جماعة جاء؟ ولمصلحة أي جماعة يتكلم؟ وهنا تبدأ أزمة المجال العام، لأن الأفكار لا تُناقش بوصفها أفكاراً، وإنما تُعامل بوصفها امتداداً لهويات أصحابها وطوائفهم وأعراقهم، فيفقد النقاش معناه، وتتحول السياسة إلى محاكمة مستمرة للنيات والأصول والانتماءات، وتصبح الطائفة الحكم النهائي، والهوية البرهان الأخير، والماضي السجن الذي لا يريد أن يغادرنا أو نغادره.

في مثل هذه اللحظات، تفقد المجتمعات قدرتها على التمييز بين الفكرة وصاحبها، وبين الحقيقة وموقع قائلها، فتدخل مرحلة خطرة من الانقسام؛ فعندما يغيب هذا التمييز، جهلاً أو قصداً، لا يعود الإنسان فرداً حراً مسؤولاً عن أفعاله، وإنما يصبح ممثلاً لجماعة كاملة، عليه أن يحمل «ذنوبها» أو يدافع عن «براءتها». وهكذا تنتقل المجتمعات من السياسة إلى العصبية، ومن الثقافة إلى الانحطاط، ومن المواطنة إلى الهوية المغلقة، ومن البحث عن العدالة إلى البحث عن الغلبة الرمزية، ومن الحوار إلى الرغبة في الحط من كرامة الآخر وسحقه.

لا يكتفي الخطاب الطائفي السائد، مثلاً، الصريح أو المضمر، بتقسيم الأحياء، وإنما يعيد تقسيم الموتى أيضاً. فهو لا يرى الضحية في إنسانيتها، وإنما في انتمائها الطائفي، ولا يرى الجريمة في معناها الأخلاقي والقانوني، وإنما في موقعها داخل صراع الجماعات. وربما يفسر هذا لماذا أصبح الألم أداة للمنافسة الرمزية، بدل أن يكون مناسبة للتضامن الإنساني؛ فهناك من يريد أن يثبت براءته أو أنه الضحية الأكبر، وأن خسارته كانت أفدح، وأن معاناته أعمق من معاناة الآخرين، كأن المجتمع السوري دخل في مزاد مفتوح على المأساة، وفي هذا المزاد لا يعود الهدف فهم الكارثة أو تجاوزها، وإنما امتلاكها واحتكار تمثيلها. 

وفي مثل هذه الأجواء، لم تكن الثقافة السورية، مثلها مثل السياسة السورية، بريئة من المساهمة في الكوارث الحالية أو التي سبقتها. فقد عرف السوريون مثقفين سوغوا الاستبداد باسم «المقاومة»، كما عرفوا مثقفين زينوا الارتهان للخارج باسم «الثورة»، وعرفوا من غطى القمع باسم «الوطنية»، ومن غطى التحريض الطائفي باسم «الحرية». وكانت النتيجة، في الأحوال جميعها، واحدة: ضياع المعايير. وحين تضيع هذه الأخيرة، يصبح كل شيء قابلاً للتسويغ والاستخدام، وتتحول الكلمات الكبرى إلى أدوات استعمال يومي في خدمة السلطة أو الجماعة أو الغضب أو النكاية.

المثقف وإعادة بناء المجال العام: الدفاع عن التفكير الحر

لذلك، في هذه الأحوال، لا يكفي أن يتناول المثقف الخطاب الطائفي الصريح وحده بالنقد، لأن الطائفية قد تختبئ أحياناً خلف مفردات حديثة مثل الوطنية أو الثورة أو العدالة أو المصالحة، فليس كل خطاب ينطق بهذه المفردات بريئاً من الطائفية. ما الفارق الجوهري، مثلاً، بين من يقسم المجتمع إلى طوائف وجماعات متناحرة، ومن يطالب طائفة أو جماعة كاملة بالاعتذار عن أفعال ارتكبها بعض أفرادها؟! لا تنتمي الإدانة الجماعية، الظاهرة أو المستترة، إلى العدالة بالتأكيد، وضلال هذه الإدانة يعادل تماماً ضلال ادعاء البراءة الجماعية، فكلاهما لا ينتميان إلى دائرة الحقيقة، بل إلى منطق واحد تبسيطي، مضاد للتفكير، ويرى البشر جماعات متجانسة لا أفراداً أحراراً. أما المنطق العقلاني الديمقراطي، فيذهب في اتجاه الإقرار بأن المسؤولية فردية، وأن المواطنة لا تعرف ميراثاً جماعياً للذنب، ولا ميراثاً جماعياً للبراءة. فلا أحد يولد مذنباً بسبب اسمه أو عائلته أو طائفته أو عرقه، ولا أحد يولد بطلاً أو ثورياً أو وطنياً بسببها. ولهذا، فإن الدفاع عن الفرد بوصفه مواطناً، لا بوصفه عضواً في جماعة، هو أحد الشروط الأولى للخروج من منطق الطائفية الضال والتبسيطي والخطر.

العدالة مفهوم سياسي وأخلاقي كبير، وليست مجرد أداة عقابية؛ فالعدالة ليست وسيلة لتثبيت رواية واحدة عن الماضي، ولا لتوزيع صكوك البراءة والإدانة على الجماعات، وتتحدد وظيفتها الأساسية في تحويل الألم إلى معرفة، والجريمة إلى درس تاريخي، والذاكرة إلى أداة تمنع التكرار. فالطريق إلى سوريا الجديدة المشتهاة لا يمر عبر الإنكار أو الثأر، بل عبر الاعتراف: الاعتراف بالضحايا جميعاً، وبالأخطاء جميعها.

لا تُبنى الأوطان على المفاضلة بين الضحايا، ولا تبدأ العدالة من ترتيب المظلوميات، ومن واجب المثقف ألا يدخل في هذا المزاد المفتوح على احتكار الألم والمأساة، وعلى ادعاءات البراءة وشيطنة الآخرين، وأن ينصرف إلى السؤال الوطني: كيفية منع إنتاج الألم من جديد.

الثورة والسلطة والهويات المغلقة: حين تتحول الأفكار إلى عقائد

تزداد أهمية التفكير حين يتعلق الأمر بالثورة نفسها؛ تلك التي تحولت، في معظم الخطاب السوري، من حدث تاريخي قابل للنقد والمراجعة إلى هوية مغلقة، ليصبح التعامل السائد معها كما لو أنها مصدر الحقيقة المطلقة أو الشرعية المطلقة أو البراءة المطلقة، من دون الانتباه إلى أن هذا التعامل يفقد «الثورة» معناها السياسي، ويحولها إلى أداة تمييز بين الناس، شأنها شأن الطائفة والقبيلة والعشيرة. «الثورة» لا تمنح أصحابها بطاقة عضوية دائمة في الفهم أو الوطنية أو البراءة، وإن أول شروط الوفاء لثورة بدأت على قاعدة «الحرية والكرامة للشعب السوري» هو إخضاعها للنقد المستمر، لأن ما لا يقبل النقد يتحول تدريجياً إلى عقيدة، وما يتحول إلى عقيدة يفقد روحه التحررية وينسى أهدافه الأولى.

يشعر، اليوم، بعض أصحاب الخطاب الإسلامي بنوع من الزهو، بحكم أن السلطة الجديدة تنتمي إلى مجالهم الإسلامي أو ينتمون إلى مجالها، لا فرق. ومن المؤسف، والمثير للسخرية في آن معاً، أن شخصيات وأوساطاً كانت جزءاً من هياكل سياسية فقدت منذ زمن طويل قدرتها على التأثير أو الفعل، باتت تتحدث اليوم من موقع «المنتصر»، لا بسبب مراجعة فكرية أو مساهمة حقيقية في التحول الجاري، وإنما لأن دين السلطة الجديدة أو طائفتها ينسجمان مع انتمائها الخاص، على الرغم من أنه لا علاقة لهم بما حدث في الثامن من ديسمبر، وبعضهم كان جزءاً من المشكلات التي أوصلت سوريا إلى ما وصلت إليه، إذ ساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في شرعنة الطائفية أو السلاح أو الارتهان للخارج أو إضعاف المجال الوطني المشترك. وهنا يعود الانتماء الطائفي ليحل، مرة أخرى، محل السياسة، كأن ما جرى لم يكن كافياً لتعليمنا أن الحقيقة لا تُقاس بالقرب من السلطة أو البعد عنها.

إنهم يتناسون حقيقتين مهمتين؛ الأولى هي أن الأفكار لا تصبح صحيحة لأنها وصلت إلى السلطة، ولا تصبح خاطئة لأنها خسرتها، والثانية هي أن التنوع والتعدد والاختلاف في الساحة الإسلامية أكثر من أن تُحصى مظاهره، وهم يحسبون أنفسهم على السلطة الجديدة، لكن من المشكوك فيه أن هذه الأخيرة تراهم أو تنظر إليهم بوصفهم جزءاً منها أو امتداداً لها. تذكرنا حالهم هذه بالمثل الشعبي الذي يقول: «القرعاء تتباهى بشعر خالتها».

إن جزءاً كبيراً من المأزق السوري الراهن ناتج عن إحلال الطوائف محل السياسة، والجماعات محل المواطنين والمواطنات، والانتماءات الأولية محل المصالح العامة. وفي مواجهة هذا المأزق، تبدو المهمة الأكثر إلحاحاً على عاتق المثقفين والسياسيين هي إعادة الاعتبار إلى السياسة، وكشف عجز الانقسامات القائمة عن إنتاج مستقبل قابل للحياة، بدلاً من الاندراج في تسويغها.

لقد ألحق الاستبداد خراباً كبيراً بالسوريين، لكن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد سقوطه هو أن يرث الناس منطقه في عقولهم ولغتهم وأحكامهم. فالاستبداد لا يسقط تماماً بسقوط سلطته (فالسلطات والأيديولوجيات لا تموت بالسكتة القلبية)، فقد يواصل حياته في الأنفس التي اعتادت منطقه؛ قد يغادر القصر ليقيم في الشارع، أو يغادر الأجهزة الأمنية ليقيم في الثقافة العامة. ولذلك، فإن مقاومته لا تُستنفد في مقاومة السلطة المستبدة وحدها، بل لا بد من مقاومة الرغبة الدائمة في إنتاج مستبد جديد، أو حقيقة نهائية جديدة، أو جماعة مقدسة جديدة.

المثقف الحق يرفض الاستسلام للسرديات التبسيطية والمريحة، ويصر على طرح الأسئلة حين يميل الآخرون إلى ترديد إجابات استقرت في أذهانهم ولا يستطيعون تبديلها، ويدافع عن الحق في التفكير الحر حين تصبح الحرية محرمة من السلطة أو من المجتمع. ففي لحظات الانقسام الحاد، يصبح التفكير نفسه فعل مقاومة؛ مقاومة للسهولة، ولمغريات الاصطفاف، ولرغبة الجماعات في تحويل كل فرد إلى مجرد صدى لصوتها. لا يملك المثقف الحقيقة، ولا هو قادر وحده على تغيير مجرى التاريخ، لكنه، مع ذلك، يبقى عنوان حرية التفكير، والصوت الذي يذكر المجتمع بنفسه عندما يوشك أن يضيع في صخب الهويات والجماعات والصراعات والانفعالات والنكايات.

إنه الشخص الذي يظل قادراً على رؤية الإنسان حين لا يرى الآخرون سوى الطائفة، وعلى رؤية المواطن حين لا يرى الآخرون سوى الهوية المغلقة، وعلى رؤية الحقيقة حين لا يرى الآخرون سوى الرواية التي يريدون تصديقها. إنه الشخص الذي عقد العزم على قول ما لا يرغب الناس في سماعه، أو ما يخشون سماعه أحياناً، وعلى تذكير الضحية بأن العدالة ليست ثأراً، وعلى تذكير المنتصر بأن القوة ليست دليلاً على الحقيقة. ليس لأنه يملك الحقيقة، فقد يكون مخطئاً، وإنما لأن هذه الأفعال هي التي تدفع الناس إلى التفكير، وتمنع المجال العام من الانزلاق النهائي إلى منطق التعبئة والتحشيد والجماعات المغلقة.

المثقف اليوم مطالب بالمساهمة في بناء لغة جديدة للسوريين، لغة لا تبدأ بالطائفة ولا تنتهي إليها، لغة تستطيع أن تتحدث عن العدالة من دون كراهية، وعن الذاكرة من دون انتقام، وعن الدين من دون إقصاء، وعن الوطن من دون قومية مغلقة، وعن الثورة من دون تقديس، وعن الدولة من دون استبداد. وما لم تنجح النخب السياسية والثقافية في إنتاج هذه اللغة، فإن الانقسامات القديمة ستجد دائماً طريقها إلى العودة، حتى لو تبدلت الشعارات وتغيرت موازين القوى.

تحتاج سوريا اليوم إلى إعادة تأسيس المجال العام على قاعدة الاعتراف المتبادل، والمواطنة المتساوية، والمسؤولية الفردية، وسيادة القانون. وهذه مهمة لا تستطيع السياسة وحدها، على أهميتها ومركزيتها، أن تنجزها، لأن السياسة تتحرك أحياناً داخل موازين القوى القائمة، بينما تظل الثقافة قادرة على مساءلة هذه الموازين نفسها وإعادة النظر في المسلمات التي تقوم عليها.

في الحصيلة، لا تُهزم المجتمعات حين تخسر معركة سياسية أو عسكرية، مهما بلغت قساوتها، بل حين تفقد قدرتها على التفكير في نفسها، ومراجعة مسلماتها، ورؤية مستقبل يتجاوز انقساماتها. فإن هي امتنعت عن التفكير، أو منعت التفكير، أو مُنعت من التفكير، أصبحت هزيمتها كامنة في الوعي ذاته، في انتظار التجسد الفعلي النهائي لهزيمة ماحقة: العجز عن بناء مستقبل مختلف.

نقلاً عن منصة آغورا... 

قد يهمك