تواجه كوبا أزمة متفاقمة تهدد مختلف مناحي الحياة، في ظل ضغوط أمريكية متزايدة أعادت تسليط الضوء على هشاشة الاقتصاد في الجزيرة الكاريبية. وقد تفاقمت الأوضاع بعد توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا في 29 فبراير، يقضي بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول التي تزود كوبا بالنفط، ما أدى إلى تعقيد أزمة الطاقة التي تعاني منها البلاد أصلًا.
ومع تراجع قدرة فنزويلا، الحليف الاقتصادي الرئيسي لهافانا، على تزويدها بالوقود، دخلت كوبا مرحلة من الشلل شبه الكامل، تمثلت في انقطاعات طويلة للتيار الكهربائي، وتراجع خدمات النقل، وتعطل الأنشطة الاقتصادية، إلى جانب انخفاض حاد في أعداد السياح، الذين يشكلون مصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة.
ورغم إعلان الحكومة الكوبية استعدادها للحوار، فإنها تشترط احترام سيادتها، في وقت تواصل فيه واشنطن تشديد الحظر الاقتصادي المفروض منذ عام 1962، بهدف دفع البلاد نحو تغيير سياسي، بحسب الموقف الأمريكي.
على الصعيد الداخلي، انعكست الأزمة بشكل مباشر على حياة المواطنين، حيث تراجعت قدرة الدولة على توفير السلع الأساسية عبر نظام الدعم الحكومي، ما دفع السكان للاعتماد على الأسواق الخاصة التي تقدم السلع بأسعار مرتفعة لا تتناسب مع متوسط دخل شهري لا يتجاوز نحو 12 دولارًا.
وفي العاصمة هافانا، باتت المتاجر الحكومية شبه خالية من السلع، في مشهد يعكس تراجع نظام “دفاتر التموين” الذي أطلقه الزعيم الراحل فيدل كاسترو خلال ستينيات القرن الماضي، والذي كان يوفر يومًا احتياجات شهر كامل من المواد الغذائية المدعومة.
وتشير التقديرات إلى أن كوبا تستورد نحو 80% من احتياجاتها الغذائية، ما يزيد من حدة الأزمة في ظل نقص العملة الأجنبية وارتفاع الأسعار. وقد أدى ذلك إلى تغيّر أنماط المعيشة، حيث تقلصت الوجبات الغذائية إلى الحد الأدنى، مع اعتماد بعض المواطنين على وجبة واحدة يوميًا.
ولا تقتصر الأزمة على الغذاء، بل تمتد إلى مختلف جوانب الحياة اليومية، من ارتفاع أسعار الخبز إلى تراجع الخدمات الاجتماعية، في وقت يرى فيه مراقبون أن الوضع الحالي يفوق في قسوته أزمة “الفترة الخاصة” التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي.
وتعزو هافانا جانبًا كبيرًا من الأزمة إلى العقوبات الأمريكية، بينما تشير تحليلات أخرى إلى دور السياسات الاقتصادية الداخلية في تفاقم الوضع. وفي ظل هذا الواقع، يعتمد نحو 60% من السكان على تحويلات مالية من الخارج كمصدر أساسي للدخل.
وفي خضم هذه التحديات، تحاول الحكومة تنفيذ إصلاحات اقتصادية، تشمل إعادة هيكلة منظومة الدعم، إلا أن الأزمة المركبة، التي تتداخل فيها العوامل السياسية والاقتصادية، ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على مستقبل البلاد.
من زوايا العالم
من زوايا العالم