بث تجريبي

المبادرة الأمريكية حول ليبيا.. خطوة نحو الحل أم إعادة إنتاج للأزمة؟

تتجدد المبادرات الدولية الرامية إلى تسوية الأزمة الليبية في ظل حالة انسداد سياسي مستمرة، وبين آمال انفراج محتمل ومخاوف من إعادة تدوير الانقسام، تبرز المقاربة الأمريكية باعتبارها اختبارًا جديدًا لإمكانية التوصل إلى تسوية.

وفي ظل تباين المواقف بين القبول والرفض والترقب، يحتدم الجدل داخل ليبيا منذ أسابيع بشأن المبادرة الأمريكية التي يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية، والتي تستند إلى دور البعثة الأممية برئاسة هانا تيتيه كإطار قانوني، في وقت بلغ فيه الجمود السياسي ذروته.

وتأتي هذه المقاربة ضمن سلسلة طويلة من المبادرات المتعلقة بالأزمة الليبية والانقسام القائم بين الشرق والغرب منذ عام 2014، إلا أن الطرح الأمريكي يقوم على مقاربة "براغماتية" تركز على مراكز القوى الفعلية، عبر السعي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم ممثلين عن الشرق والغرب، مع إعطاء الأولوية للتوافق بين الأطراف الرئيسية، بغض النظر عن إجراء انتخابات مسبقة.

ملامح المقاربة الأمريكية

تتميز المبادرة الأمريكية بتركيزها على مسارين متوازيين؛ سياسي واقتصادي. فعلى الصعيد الاقتصادي، شهدت ليبيا لأول مرة منذ 13 عامًا خطوات نحو توحيد الإنفاق العام والمؤسسات المالية، في محاولة لتقليص الانقسام المؤسسي وتوحيد مفاصل الدولة السيادية.

أما عسكريًا، فقد برزت مناورات "فلينتلوك 2026" التي أُجريت في مدينة سرت وسط البلاد، بمشاركة وحدات من الشرق والغرب تحت إشراف القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم"، في إشارة إلى محاولة بناء أرضية تعاون أمني مشترك.

وفي صلب هذه المبادرة، تبرز فكرة "اللجنة المصغرة" التي تضم ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ونائب القائد العام للجيش صدّام حفتر، نجل قائد الجيش في الشرق خليفة حفتر. وتهدف هذه اللجنة إلى إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات، والتوافق على القوانين الانتخابية المتعثرة، وتجاوز حالة الجمود بين مجلس النواب في الشرق ومجلس الدولة في الغرب.

تساؤلات حول فرص النجاح

ورغم الطرح العملي للمبادرة، يظل السؤال قائمًا حول إمكانية ضمان انتقال فعلي نحو انتخابات شاملة في المستقبل، خاصة أن تجارب سابقة أظهرت أن الحكومات الانتقالية التي شُكلت برعاية دولية تحولت في كثير من الأحيان إلى أطراف جديدة في الانقسام بدلاً من إنهائه.

وفي هذا السياق، يرى قاسم صنبير، القيادي بالحركة الشعبية الوطنية الليبية، أن المبادرة تعكس رغبة أمريكية في توحيد البلاد، معتبرًا أن دمج الحكومتين قد يسهم في إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات المالية، على أن تُجرى الانتخابات لاحقًا.

لكنه يقر في الوقت ذاته بأن الانقسام العميق بين الشرق والغرب، خاصة منذ أحداث عام 2019، لا يزال يشكل عائقًا نفسيًا وسياسيًا أمام أي تقارب مباشر، رغم اعتقاده أن التمسك بالماضي لم يعد مبررًا كافيًا لتعطيل الحل.

انتقادات حادة للمبادرة

في المقابل، تواجه المبادرة انتقادات واسعة وُصفت بأنها "إملاءات خارجية"، إذ أبدى المجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي في الغرب تحفظات جوهرية، معتبرين أن التركيز على شخصيات بعينها يتجاوز المؤسسات الشرعية ويضعف مسار التوافق الوطني.

وتحذر هذه الأطراف من أن تجاوز الأجسام القائمة قد يؤدي إلى شلل سياسي جديد بدلًا من دفع العملية السياسية إلى الأمام.

كما تكمن إحدى أبرز الإشكاليات في تعقيد المشهد الليبي، الذي لا يقتصر على معسكرين سياسيين، بل يشمل شبكة واسعة من التشكيلات المسلحة والقوى المحلية ذات النفوذ، ما يجعل أي تسوية تتجاهل هذه التوازنات عرضة للفشل أو الانفجار.

وفي هذا الإطار، يرى الكاتب الصحفي عبد الستار حتيتة أن المقاربة الأمريكية لا تحمل طابع التوفيق بقدر ما تمثل "محاولة إعادة ترتيب المشهد عبر فرض تركيبات سياسية"، معتبرًا أنها تقوم على جمع شخصيات من الشرق ووضعها في الغرب لخلق اختراق سياسي، وهو ما وصفه بأنه غير واقعي.

وأضاف أن الرهان على هذا المسار يصطدم برغبة شعبية ليبية في إجراء انتخابات أولًا، بدلًا من تشكيل حكومات فوقية، مشيرًا إلى أن الشكوك حول الدوافع الخارجية تبقى حاضرة في الوعي العام.

أزمة ممتدة

منذ عام 2014، تعيش ليبيا حالة انقسام سياسي وعسكري بين الشرق والغرب، تخللتها مواجهات مسلحة، حيث يسيطر الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر على الشرق، بينما تتخذ حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس موقع السلطة في الغرب، بدعم من قوى سياسية وعسكرية مختلفة.

ويعزو مراقبون استمرار الأزمة إلى تشابك المصالح المحلية والإقليمية والدولية، ما جعل الانقسام القائم يتحول لدى بعض الأطراف إلى حالة استقرار نسبي قائمة على توازنات القوة، بدلًا من كونه أزمة قابلة للحل السريع.

قد يهمك