في أواخر شهر فبراير ومطلع مارس الجاري، كثفت إسرائيل ضرباتها الجوية على مواقع في الجنوب السوري، بالتزامن مع تصاعد التوترات الأمنية داخل محافظة السويداء، وما رافق ذلك من تصريحات إسرائيلية بشأن حماية المكونات المحلية، في تطور يعكس تحولًا ملحوظًا في طبيعة التدخل وقواعد الاشتباك داخل هذه المنطقة.
حيث لم يعد الجنوب السوري مجرد مساحة جغرافية ضمن خريطة الصراع السوري، بل تحول إلى مجال ديناميكي تتقاطع فيه اعتبارات الأمن الإقليمي مع تحولات البنية الداخلية للدولة. فالتطورات الأخيرة، وعلى رأسها الضربات الإسرائيلية المتكررة، تكشف عن انتقال نوعي من نمط اشتباك قائم على الردع المحدود إلى نمط أكثر تعقيدًا، يعيد تعريف المجال الأمني ذاته. هذا التحول لا يمكن فهمه من خلال الأحداث الجزئية، بل من خلال قراءة أعمق للبنى التي تحكم تفاعل الفاعلين، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الأبعاد السكانية والسياسية في إنتاج واقع جديد.
في هذا السياق، يبرز توظيف البعد السكاني – خصوصًا عبر خطاب "حماية المكونات" – كأداة لإعادة صياغة مبررات التدخل الخارجي. هذا النمط يعكس تحولا في منطق القوة، حيث لم تعد الشرعية تُبنى فقط على التهديد المباشر، بل على القدرة على تعريف التهديد ذاته. وبهذا، تصبح بعض المناطق داخل الدولة مجالًا لإعادة تشكيل النفوذ، ليس عبر السيطرة المباشرة، بل من خلال خلق ارتباطات أمنية غير معلنة، تُدار عبر مزيج من الضغط العسكري والمرونة السياسية.
كما أن هذا التحول يتزامن مع حالة تفكك داخلي متصاعد، تتراجع فيه قدرة الدولة على فرض معادلة أمنية مستقرة، مقابل صعود فاعلين محليين وتزايد تدخلات خارجية في ظل تداخل مصالح قوى إقليمية متعددة، تسعى كل منها للحفاظ على مكتسباتها داخل المشهد السوري وعلى رأسها تركيا التي ترغب في الحفاظ على مكتسباتها بالهيمنة على القرار السوري. هذه البيئة المركبة تخلق فراغًا نسبيًا، لا يُقاس فقط بضعف السيطرة، بل بغياب إطار جامع ينظم التفاعلات داخل المجال الأمني. وفي ظل هذا الفراغ، يصبح الجنوب السوري مساحة لإعادة توزيع النفوذ، حيث تتشكل قواعد اشتباك جديدة تتجاوز الحدود التقليدية للسيادة.
بنية النفوذ:
تعكس التطورات في الجنوب السوري تحولا في بنية النفوذ، حيث لم تعد قائمة على سيطرة مركزية واضحة، بل على شبكة متداخلة من الفاعلين الذين يتحركون وفق منطق متعدد المستويات. فالحكومة الانتقالية، ورغم حضورها الرسمي، لم تعد الفاعل الوحيد القادر على تحديد قواعد الاشتباك، بل أصبحت جزءًا من منظومة أوسع تتقاطع فيها قوى محلية مع تأثيرات إقليمية، ما يؤدي إلى تفكيك النموذج التقليدي للسيطرة. هذا التفكك لا يعني غياب السلطة بالكامل، بل إعادة توزيعها في شكل غير متكافئ، يسمح بظهور مساحات نفوذ جزئية تتحكم فيها توازنات القوة على الأرض.
في هذا الإطار، تلعب المكونات المحلية دورًا متزايد الأهمية، ليس فقط كفاعلين اجتماعيين، بل كعناصر ضمن معادلة الأمن. فمع تصاعد الضغوط والانتهاكات اليومية، بما في ذلك الاستهدافات غير المباشرة والاعتقالات، تتشكل ديناميكيات داخلية تعيد تعريف العلاقة بين المجتمع والسلطة. هذه الديناميكيات لا تنتج استقرارًا بديلًا، بل تخلق حالة من التوتر المستمر، تُستخدم أحيانًا كمدخل لإعادة تشكيل التوازنات من الخارج، ما يعزز من هشاشة البنية الداخلية.
كما أن هذا التداخل بين الداخل والخارج يخلق نمطًا من النفوذ غير المباشر، حيث لا تُمارس السيطرة عبر الحضور العسكري الدائم، بل عبر القدرة على التأثير في مسار الأحداث. هذا النمط يعكس تحولا في طبيعة القوة، من السيطرة المكانية إلى التحكم في البيئة الأمنية، وهو ما يجعل الجنوب السوري نموذجًا لمرحلة انتقالية تتشكل فيها أنماط جديدة من النفوذ.
ففي العشرين من مارس 2026، ومع إعلان إسرائيل تنفيذ ضربات على مواقع في الجنوب السوري بدعوى حماية المكونات المحلية، تبنّى الرئيس أحمد الشرع موقفًا يقوم على تحييد سوريا عن التصعيد الإقليمي، مؤكدًا أن بلاده تسعى إلى الابتعاد عن النزاعات والحفاظ على مسار الاستقرار.
إلا أن هذا الخطاب، رغم طابعه التهدوي، يكشف عن مفارقة بنيوية واضحة؛ إذ يتزامن مع واقع ميداني يشهد ضربات مباشرة داخل الأراضي السورية، بما يعكس محدودية القدرة على ضبط المجال السيادي، أو على الأقل وجود فجوة بين مستوى القرار السياسي ومستوى التحكم الفعلي في الجغرافيا، إذ لا يعبر الموقف الرسمي فقط عن رغبة في تجنب الانخراط، بل يعكس أيضًا نمطًا من إدارة الأزمة يقوم على احتواء التداعيات سياسيًا، في مقابل عجز عن منع تشكلها ميدانيًا.
تحولات التدخل:
تشير أنماط التدخل الإسرائيلي في الجنوب السوري، في ظل التصعيد الأوسع مع إيران، إلى تحول بنيوي في قواعد الاشتباك، حيث لم يعد التدخل مرتبطًا فقط بوجود تهديدات عسكرية مباشرة، بل أصبح قائمًا على إعادة تعريف المجال الأمني ذاته. فاستهداف مواقع داخل العمق السوري، بالتوازي مع ضربات تطال بنية مرتبطة بالنفوذ الإيراني، يعكس انتقالًا من منطق الاحتواء إلى منطق إعادة تشكيل البيئة التي يُنتج فيها التهديد. هذا التحول يتجاوز البعد التكتيكي ليصل إلى مستوى الرؤية الاستراتيجية، حيث لم يعد الهدف هو تحييد خطر قائم، بل منع تشكله عبر التحكم في الفضاء الجغرافي والسياسي المحيط.
وفي هذا السياق، يصبح الجنوب السوري جزءًا من مسرح أوسع يتداخل فيه الإقليمي مع المحلي، حيث تتقاطع الحسابات الإسرائيلية مع محاولات الحد من التمدد الإيراني، ضمن نمط تدخل يعتمد على المرونة والقدرة على إعادة ضبط قواعد الاشتباك دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وبهذا، لا تعكس هذه التحولات مجرد تغير في الأدوات، بل إعادة صياغة لمنطق التدخل نفسه، يمكن تفكيكه من خلال النقاط التالية:
(١) حماية الدروز: يمثل توظيف خطاب "حماية المكونات" تحولًا نوعيًا في مبررات التدخل، حيث لم تعد الشرعية تُبنى فقط على التهديدات العسكرية المباشرة، بل على إعادة تعريف التهديد من خلال البعد السكاني. في هذا السياق، يتم تحويل بعض المكونات المحلية إلى عناصر ضمن معادلة الأمن، بحيث يصبح وجودها أو تعرضها المحتمل مبررًا كافيًا لإعادة رسم حدود التدخل. هذا التحول يمنح الفاعل الخارجي قدرة على التحرك في مساحات أوسع، دون الحاجة إلى تصعيد تقليدي، إذ يتم إنتاج شرعية تدخل مرنة ترتكز على اعتبارات إنسانية ظاهريًا، لكنها تُوظف استراتيجيًا لإعادة تشكيل النفوذ. وبهذا، لا تعود هذه المكونات مجرد عناصر داخلية، بل تتحول إلى نقاط ارتكاز لإعادة توزيع القوة داخل المجال الجغرافي.
(2) شرعية مرنة: تعكس هذه التحولات بروز نمط من الشرعية المرنة، التي لا تستند إلى قواعد قانونية ثابتة، بل إلى قدرة الفاعل على إنتاج مبرراته وفق تطورات الميدان. ففي ظل غياب إطار دولي حاسم، يصبح تعريف التهديد عملية ديناميكية، يمكن تعديلها بما يتناسب مع الأهداف الاستراتيجية.
(3) ردع متقدم: يمثل التحول نحو الردع المتقدم انتقالًا واضحًا من منطق الدفاع إلى منطق السيطرة الاستباقية، حيث لم يعد الهدف هو منع التهديد عند وقوعه، بل التعامل معه قبل أن يتبلور. في ظل التصعيد مع إيران، يتجسد هذا النهج في استهداف مواقع يُحتمل أن تشكل بنية دعم مستقبلية، وليس فقط تهديدات قائمة. هذا الأسلوب يعيد تعريف المجال الأمني ليشمل مناطق خارج الحدود المباشرة، بحيث يصبح التدخل أداة لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة. وبهذا، يتحول الجنوب السوري إلى امتداد وظيفي لهذا المجال، حيث يتم التعامل معه ليس كجغرافيا منفصلة، بل كجزء من منظومة أوسع لإدارة التهديدات في مراحلها المبكرة.
(4) إدارة الفوضى: لا تسعى بعض أنماط التدخل إلى إنهاء حالة عدم الاستقرار، بل إلى إدارتها ضمن حدود يمكن التحكم فيها، بما يخدم إعادة تشكيل توازنات النفوذ في بيئة سياسية وأمنية مفككة. فمسرح الجنوب السوري، الذي يشهد توترات بين ضربات إسرائيل وردود فعل محلية متقطعة، ليس ساحة لصراع نفوذ إيراني مباشر كما كان في الماضي، وإنما مساحة تتقاطع فيها مصالح فاعلين محليين، وقوى خارجية تتفاعل على أساس أمن إقليمي أوسع.
(5) نفوذ غير معلن: يتشكل نفوذ غير معلن في الجنوب السوري يعتمد على التأثير في مسار القرارات عبر البيئة السياسية والأمنية، وليس السيطرة المكانية المباشرة. تعكس التجربة ضعف قدرة الحكومة الانتقالية على اتخاذ قرارات موحدة ومستقلة، مع ميل بعض أركانها لتبني خيارات متأثرة بالقرار التركي، ما يحوّل إدارة الجنوب إلى شبكة توازنات ديناميكية بين فاعلين محليين وإقليميين، حيث تصبح القوة أداة لإدارة المجال الأمني والسياسي بشكل مستمر وغير معلن.
تآكل السيادة:
تعكس التطورات في الجنوب السوري حالة من التآكل المركب لمفهوم السيادة، حيث لم يعد مرتبطًا فقط بقدرة الدولة على السيطرة على أراضيها، بل بقدرتها على إدارة التفاعلات داخل هذا المجال. فمع تزايد الضربات الخارجية، وتعدد الفاعلين، يصبح مفهوم السيادة أكثر تعقيدًا، إذ لم يعد كافيًا وجود سلطة رسمية، بل يتطلب الأمر قدرة على فرض قواعد الاشتباك، وهو ما يتآكل تدريجيًا.
كما أن هذا التآكل لا يحدث بشكل مفاجئ، بل عبر عملية تراكمية، تتداخل فيها الضغوط الداخلية مع التدخلات الخارجية. هذا التداخل يؤدي إلى إعادة تشكيل المجال السياسي والأمني، بحيث تصبح القرارات مرتبطة بتوازنات متعددة، وليس بإرادة مركزية واحدة. في هذا السياق، يتحول الجنوب السوري إلى مساحة اختبار لهذه التحولات، حيث تتشكل أنماط جديدة من التفاعل بين الداخل والخارج.
في النهاية، يعكس هذا المشهد تحولًا أوسع في طبيعة الصراعات الإقليمية، حيث لم تعد تقوم على المواجهة المباشرة فقط، بل على إعادة تشكيل البيئات الداخلية للدول، ما يجعل من الصعب استعادة النموذج التقليدي للسيادة، ويؤكد أن المرحلة القادمة ستتسم بمزيد من التعقيد في إدارة هذه التفاعلات.
تأسيسًا على ما سبق، يتضح أن الجنوب السوري لم يعد مجرد ساحة هامشية ضمن الصراع الإقليمي، بل أصبح نقطة ارتكاز لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك وأنماط النفوذ في المنطقة. فالتداخل بين البنية الداخلية المتفككة، والتحولات في منطق التدخل الخارجي، وتآكل مفهوم السيادة التقليدية، خلق واقعًا جديدًا تتحرك فيه القوى وفق قواعد غير معلنة، لكنها فعالة في إعادة توزيع القوة.
ويعكس الجنوب السوري اليوم مرحلة انتقالية في طبيعة القوة والنفوذ، حيث لم تعد السيطرة المكانية التقليدية هي المعيار، بل أصبحت القدرة على إدارة البيئة الأمنية والسياسية بشكل ديناميكي وغير معلن هي المؤشر الأهم. تكشف الضربات الإسرائيلية الأخيرة وتصريحات الفاعلين المحليين عن تداخل مستمر بين الداخل والخارج، بين الشرعية الرسمية وقيود الواقع الميداني، مما يبرز ضعف قدرة الحكومة الانتقالية على فرض إرادتها بشكل مستقل، مع ميل بعض أركانها لتبني خيارات متأثرة بالقرار التركي.
في ظل هذا المشهد المركب، يتحول الجنوب السوري إلى مختبر لتجارب إعادة توزيع النفوذ وإعادة تعريف قواعد الاشتباك، حيث تصبح القوة أداة لإدارة التفاعلات والفراغات الأمنية والسياسية بدلاً من السيطرة المباشرة. هذه التحولات تؤكد أن المرحلة القادمة ستشهد تعقيدات أكبر في إدارة السيادة والمجال الأمني، وصعوبة استعادة نموذج السيطرة التقليدي، ما يجعل الجنوب السوري نموذجًا محوريًا لفهم تطور الصراعات الإقليمية وأساليب التدخل الخارجي المستقبلية.
من زوايا العالم
فضاءات الفكر