شهدت أسواق المعادن النفيسة خلال الأسابيع الأخيرة تقلبات حادة، بعدما سجل الذهب مستويات قياسية غير مسبوقة، قبل أن يتراجع فجأة، في ظل حالة من عدم اليقين السياسي والاقتصادي العالمي.
وصل سعر الذهب إلى مستويات قياسية بلغت أكثر من 5000 دولار للأوقية يوم الاثنين الماضي، وبلغ لفترة قصيرة مستوى 5500 دولار، فيما ارتفعت أسعار الفضة والبلاتين أيضًا، متأثرة بنفس العوامل التي دفعت المستثمرين إلى اللجوء إلى أصول الملاذ الآمن. ويُظهر هذا الاتجاه كيف يمكن أن تتأثر الأسواق بشكل كبير بالتطورات السياسية والاقتصادية الدولية، خاصة تلك المرتبطة بالولايات المتحدة.
أسباب ارتفاع الأسعار:
وحسب تقرير هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، يمكن تفسير موجة الارتفاعات القياسية في أسعار الذهب بثلاثة أسباب رئيسية:
1- السياسات التجارية الأمريكية والتعريفات الجمركية:
أثارت التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على دول عدة قلق المستثمرين، إذ اعتُبرت جزءًا من سياسة تجارية غير مستقرة يمكن أن تؤثر سلبًا على الاقتصاد العالمي. ففي يناير، تزامن ارتفاع أسعار الذهب والفضة مع انخفاض أسعار الأسهم، في رد فعل المستثمرين على تهديد ترامب بفرض تعريفات إضافية على ثماني دول أوروبية، بعد معارضتها لاستيلائه المقترح على جزيرة غرينلاند.
2- التوترات الجيوسياسية:
أسهمت الحروب المستمرة في أوكرانيا وغزة في زيادة حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي العالمي، ما دفع المستثمرين لتكديس الذهب كملاذ آمن. كما ساهم اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في رفع الضغوط السياسية عالميًا، ودفع الأسعار إلى مستويات قياسية جديدة. وذكرت إيما وول، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في شركة هارجريفز لانسداون، أن الذهب "يؤدي دوره بأفضل صورة عندما يبدو العالم فوضويًا"، مشيرة إلى التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا والصين، بالإضافة إلى القلق في أوروبا والشرق الأوسط، ومخاطر الإغلاق في واشنطن، كلها عوامل عززت جاذبية الذهب.
3- شراء البنوك المركزية للذهب:
شكل شراء البنوك المركزية للذهب عاملاً رئيسيًا في صعود الأسعار خلال الفترة الماضية، إذ اعتمدت الدول على المعدن الأصفر كعملة احتياطية مستقلة، بعيدًا عن تقلبات الدولار والسياسة الأمريكية. وأشارت إيما وول إلى أن بعض الدول اعتبرت الذهب أكثر أمانًا كمخزون احتياطي، خصوصًا بعد المخاوف من استيلاء جهات عالمية على أصول روسيا المقوَّمة بالدولار الأمريكي. ويمثل الطلب على الذهب عالميًا خليطًا بين الأفراد الراغبين في اقتناء المجوهرات والمستثمرين، مع حضور قوي للمستثمرين الغربيين عبر الشركات المدرجة في أسواق الأسهم التي تتداول الذهب.
سبب التراجع المفاجئ:
في المقابل، تراجع الذهب فجأة بعد أن ظهرت تقارير تفيد بأن الرئيس ترامب سيختار كيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهو مرشح يُنظر إليه على أنه أكثر استقرارًا مقارنة بمرشحين آخرين. ويُتوقع أن يؤدي هذا الاختيار إلى تقليص المخاوف بشأن خفض محتمل لأسعار الفائدة، وانخفاض قيمة الدولار، وبالتالي خفّ الطلب على الذهب كأداة تحوط ضد التضخم وتقلبات العملة.
وأكد نيكولاس فرابيل، الرئيس العالمي للأسواق المؤسسية في شركة ABC Refinery، أن إحدى أهم مزايا الذهب تكمن في ندرته النسبية، إذ لا يرتبط بدين جهة أخرى مثل السندات أو الأسهم، لكنه شدد على أن تقلباته الأخيرة تبرز أن سعره يمكن أن ينخفض بالسرعة نفسها التي يرتفع بها، شأنه شأن باقي السلع المتداولة.
الخلاصة:
تُظهر هذه التقلبات في أسعار الذهب والفضة والبلاتين كيف أن الأحداث السياسية والاقتصادية العالمية، من سياسات ترامب التجارية إلى النزاعات الإقليمية، تلعب دورًا محوريًا في تحديد تحركات أسواق المعادن النفيسة. ورغم الانخفاضات المفاجئة، يبقى الذهب والفضة أدوات أساسية للمستثمرين الباحثين عن ملاذ آمن في أوقات عدم اليقين، مع توقع استمرار التقلبات في المستقبل القريب.