بعد أكثر من شهرين على وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقاءه مع نظيره الصيني شي جين بينج في كوريا الجنوبية، أواخر أكتوبر الماضي، بأنه "مذهل" و"12 من 10"، لا تزال التفاهمات التي أُعلنت حينها بلا اتفاق رسمي مكتوب، ما أبقى التزامات الطرفين غير واضحة، وخفّض سقف التوقعات بشأن التوصل إلى اتفاق تجاري شامل بين أكبر اقتصادين في العالم خلال عام 2026.
وأعلن البيت الأبيض، عقب لقاء 30 أكتوبر، حزمة إجراءات لتهدئة الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، شملت استئناف الصين شراء المنتجات الزراعية الأمريكية، وعلى رأسها فول الصويا، وتخفيف القيود على صادرات المعادن الحيوية، مقابل تمديد الولايات المتحدة تعليق فرض رسوم جمركية مرتفعة من ثلاث خانات على السلع الصينية.
غير أن بيان وزارة التجارة الصينية لم يؤكد هذه الالتزامات بشكل مباشر، مكتفيًا بالإشارة إلى تعليق الرسوم الأمريكية، دون ذكر مشتريات فول الصويا أو قيود المعادن النادرة، ما فتح الباب أمام تفسيرات متباينة للتفاهمات المعلنة.
وفي أواخر أكتوبر، قال الممثل التجاري الأمريكي جيميسون جرير إن المفاوضين يتقدمون نحو التفاصيل النهائية للاتفاق، بينما عبّر وزير الخزانة سكوت بيسنت لاحقًا عن أمل الإدارة في إنجاز بند المعادن النادرة قبل عيد الشكر، إلا أن الموعد مرّ دون صدور أي نص رسمي أو بيان مشترك.
ويرى منتقدون أن غياب اتفاق مكتوب يمنح الطرفين هامش مناورة في تطبيق الهدنة التجارية، لكنه يترك الالتزامات عرضة لتفسيرات متناقضة، ما ينذر بجولات جديدة من الخلافات، ويُبقي أسباب التوتر التي طبعت العلاقات التجارية في 2025، مثل الرسوم الانتقامية وقيود التصدير وإغلاقات الاستيراد المستهدفة، قائمة وقابلة للاشتعال من جديد.
وقال كاميرون جونسون، الشريك في شركة "تايدال ويف سوليوشنز" للاستشارات بسلاسل الإمداد في شنغهاي: "الأمر ليس معقدًا.. ما الذي تم الاتفاق عليه؟ وما الإطار الزمني؟ هذه أبجديات الدبلوماسية".
ويشير محللون إلى أن هذا المشهد لا يبشر بتحقيق إعادة هيكلة تجارية شاملة بين واشنطن وبكين، كما وعد ترامب في بداية ولايته، رغم الترويج لزيارة مرتقبة إلى بكين في أبريل المقبل بوصفها خطوة لاحقة في المفاوضات، حيث لا تزال الشكوك تحيط بفرص التوصل إلى اتفاق واسع ومستدام.
وقالت جريتا بيش، الشريكة في مكتب "وايلي راين" القانوني والمستشارة السابقة بمكتب الممثل التجاري الأمريكي: "إذا لم يتمكن الطرفان حتى من الاتفاق على الخطوط العريضة للالتزامات، فهذا يثير القلق بشأن مستوى التفاهم المشترك حول التنفيذ".
ورغم ذلك، يؤكد البيت الأبيض تفاؤله بإمكانية البناء على التقدم المُحرز مستندًا إلى العلاقة الشخصية الوثيقة بين ترامب وشي، مع التأكيد على مواصلة مراقبة مدى التزام الصين بالتفاهمات التجارية.
وفي أول اختبار عملي لهذه التفاهمات، برز ملف فول الصويا، حيث ذكر البيت الأبيض في بيان أول نوفمبر أن الصين تعهدت بشراء 12 مليون طن من فول الصويا الأمريكي بحلول نهاية 2025، بينما اكتفى البيان الصيني بالحديث عن "توسيع التجارة الزراعية" دون تحديد كميات.
وتشير البيانات إلى أن بكين اشترت ما لا يقل عن 4 ملايين طن متري منذ أواخر أكتوبر، وهو معدل بعيد عن الهدف المعلن، قبل أن يقر جرير لاحقًا بوجود "اختلاف في التوقيت"، موضحًا أن المشتريات تمتد على موسم المحاصيل الحالي حتى منتصف أو أواخر 2026.
وينعكس الغموض كذلك على قطاع المعادن النادرة، حيث تعتمد صناعات استراتيجية على إمدادات الصين من المغناطيسات والمعادن الضرورية لصناعات الهواتف الذكية والمعدات الطبية، في حين تقول شركات إن الشحنات لا تزال خاضعة لنظام تراخيص معقد وغير متوقع.
وقال جونسون إن "سلاسل الإمداد تتباطأ، وبعض الاستثمارات المحتملة لا تتم بسبب غياب اليقين حول خارطة طريق المعادن النادرة".
وفي سياق متصل، أعلن ترامب في 8 ديسمبر السماح لشركة "إنفيديا" ببيع شريحة الذكاء الاصطناعي المتقدمة H200 إلى الصين، رغم تحذيرات من منح بكين تفوقًا تقنيًا، ما أثار مخاوف من أن يشجع ذلك الصين على المطالبة برفع قيود أمريكية إضافية على التكنولوجيا المتقدمة.
وقال كريستوفر آدامز، المسؤول السابق عن شؤون الصين بوزارة الخزانة الأمريكية، إن ترامب "يميل إلى الصفقات البراجماتية على حساب اعتبارات الأمن القومي"، وهو ما قد ينعكس على مسار السياسة الأمريكية تجاه بكين.