بث تجريبي

د. هشام محفوظ يكتب: مصر تهدي العالم ذاكرة الحضارة وتاريخ الإنسانية .. المتحف المصري الكبير

حين تشرق الحضارة من جديد على ضفاف النيل، فإنها لا تكتفي بأن تضيء سماء مصر، بل تمتد لتضيء العالم أجمع. إن افتتاح المتحف المصري الكبير ليس حدثًا أثريًا فحسب، بل هو ميلاد إنساني وثقافي يربط الماضي بالحاضر، ويمنح المستقبل جذوره الأصيلة. في زمن العولمة المتسارعة، يأتي هذا الصرح ليؤكد أن مصر – أرض الكنانة، ومهد التاريخ، ومركز الإشعاع الثقافي – لا تزال قادرة على أن تكون القلب النابض للهوية العربية والإنسانية.
يسرّني أن أبعث إليك صديقي، من قلب مصر الخالدة ومن عتبة واحدة من أعظم مشاهدها الحضارية، هذه الكلمات التي ترصد – بكل ودّ – افتتاح المتحف المصري الكبير في ضواحي الجيزة، كي يكون شاهداً إنسانياً وحضارياً على تلاقي الشعوب والثقافات، وعلى تمدّد رسالة مصر إلى عمق العالم العربي والإنساني ليكون تأسيسًا لحلم حضاريّ.
منذ بداية القرن الواحد والعشرين تم إطلاق مشروع المتحف المصري الكبير، الذي بات الآن على موعد الافتتاح الرسمي في مطلع شهر نوفمبر 2025. المتحف يقع على مقربة مباشرة من أهرامات الجيزة، في موقع يربط بين عمق التاريخ المصري والعالم المعاصر.
بمساحة ضخمة تزيد على 500 ألف متر مربع، يحتوي المتحف على أكثر من 100 ألف قطعة أثرية من مختلف العصور المصرية القديمة — منها نحو 20 ألفًا ستُعرض للمرة الأولى، ومن بينها مجموعة كاملة تقريباً لــ توت عنخ آمون تضم أكثر من 5 آلاف قطعة.
المتحف قيمة إنسانية وثقافية وحضارية للأسباب التالية:
1. هو منظومة التّراث والهوية
المتحف المصري الكبير ليس مجرد مكان لعرض القطع الأثرية، بل هو رسالة حول كيف يمكن للأمم أن تُعَيِّن ماضيها وتعرضه للعالم كإرث مشترك. يقول وزير السياحة المصري إنّ المتحف «هدية مصر للعالم»، وإنّه «ليس مجرد متحف، بل رسالة حية لإرث مصري حضاري يُقدَّم للمجتمع العالمي».
هذه الرؤية توفر بعدًا إنسانيًا، يعبر عن التقاء الحضارات: فمصر التاريخية تستقبل الزوار من كلّ قارّة، وتفتح ذراعيها لثقافات متنوعة في إطار إنساني جامع شامل.
2. إنه التلاقي العربي والإقليمي
لكون المتحف يقع في قلب العالم العربي، وضمن مساحة جغرافية تمثّل نقطة التقاء بين الشرق والغرب، بين القارة الإفريقية والبحر الأبيض المتوسط، فإنّ افتتاحه يحمل دلالة عربية واسعة. إنه "رمز" لأنّ الثقافة العربية ليست منعزلة، بل هي جزء من النسيج البشري العام، وأنّ الحضارة المصرية، عربياً وإفريقياً، قادرة أن تشكل جسراً بين الشعوب. ويمكن أن يُقرأ المتحف كمنصة للعرب كي يُظهروا للعالم كيف أنّ الإرث (المادي واللامادي) العربي-المصري هو عنصر في المنظومة العالمية للثقافة.
3. حضور البعد العالمي في معادلة الانفتاح على الإنسانية
المتحف – بتصميمه المعماري المعاصر وتقنياته الحديثة في الحفظ والعرض – يعكس أنّ التراث ليس عبئاً يتشبّث به الماضي فحسب، بل هو أداة لبناء مستقبل حضاري إنساني. يشمل ذلك معامل للترميم، وتقنيات رقمية لعرض القطع، وجزءًا تعليميًا مخصصًا للأطفال، وقاعات للمؤتمرات والمعارض المؤقتة.
هذا يضعه في صلب المشهد العالمي للمتاحف الكبرى، كما يجعله «منارة» للمبادئ التي تجمع بين الأصالة والابتكار، بين حافظات التراث ومنافذ التواصل بين الأمم .

هذا المتحف يستحق أن يُكتب عنه في مجلاتنا وصحفنا في الداخل والخارج، عربيًا ودوليًا، في كل صحيفة عريقة؛ من منطلق موقعها التاريخي والثقافي. فكل بلد منحاز للتراث والهوية سيهتم بافتتاح المتحف المصري الكبير لأنه يشكّل مناسبة ليُنظر كل بلد إلى المشتركات بينه وبين مصر ذات الإرث الحضاري العريق، ومن حيث الحضارة المصرية العربية والإنسانية، كذلك من حيث اللغة، والتاريخ، والإنسان.
هذا المشروع يُظهر كيف تمتلك الدول العربية القدرة على إنتاج مشاريع ثقافية كبرى، ذات بعد اقتصادي وسياحي وإنساني — وهو ما يمكن أن يُثري النقاش الإنساني في كل قطر عربي شقيق وعالمي صديق حول المتاحف، والتراث، والسياحة الثقافية.
كذلك، يمكن أن تكون مجلة أو صحيفة أو إذاعة أو محطة تليفزيونية منبرًا للعالم الناطق بالعربية أو أي لغة في العالم للتأمّل في كيف يمكن أن يصبح التراث، ليس فقط موضوعًا للعرض، بل منصة للحوار بين الأجيال والشعوب، وانتقالاً من «نحن» إلى «الإنسان».

إن آفاق الآمال مفتوحة تجاه هذا الحدث الحضاري؛ فيُنتظر أن يستقطب المتحف من 5 إلى 7 ملايين زائر سنويًا، بحسب التوقعات. كما يُتوقع أن يشكّل قوة جذب سياحية جديدة لمصر، تواكب خططها للتنمية الاقتصادية والسياحية حتى 2030.
لكن، قد يرى البعض أن الأهمّ من الأرقام — أن يكون المتحف مساحة للتلاقي. يتخيّل المرء زوّارًا من المغرب، من الجزائر، من تونس، من أوروبا، من آسيا، يأتون إلى هذا الصرح، منبهرين بتمثال رمسيس الثاني، أو بقارب خوفو الشمسي، أو بكنوز توت عنخ آمون، ويتبادلون حوارات بين حضارات. عبر هذا الحضور والعرض — ترتفع أصوات إنسانية تعيد التأكيد أنّ التراث ليس ملكًا لدولة فحسب، بل «إرثٌ» للبشر جميعًا.
أيّما تكون زاوية النظر التي ينطلق منها أحدنا – ناقدًا، أو قارئًا، أو باحثًا – فإن افتتاح المتحف المصري الكبير يمثل لحظة تأملٍ مشتركة؛ تأمل في كيف تُحفظ الذاكرة، كيف تُعرض الأساطير، وكيف يُربط الماضي بالحاضر والمستقبل.
إنّ افتتاح المتحف المصري الكبير هو لحظة فخر لمصر والعرب والعالم. تحية تقدير واعتزاز لكل من ساهم في إنجاز هذا الصرح العظيم: إلى القيادة المصرية التي رعت المشروع برؤية مستقبلية، وإلى العلماء والمهندسين والمصممين والفنيين الذين أعادوا صياغة التاريخ بعيون الحاضر، وإلى الشعب المصري الذي ظل حارسًا لإرثه عبر آلاف السنين.
كما أبعث بتحية خاصة إلى الأشقاء في الوطن العربي والمغرب العزيز الذين يشاركون مصر فرحتها بهذا الإنجاز الحضاري الإنساني الفريد، فهو إنجاز لكل إنسان يؤمن أن الثقافة جسرٌ للسلام، وأن الحضارة ذاكرة الإنسانية المشتركة.

قد يهمك