في ظل الحرب الإسرائيلية الأمريكية ـ الإيرانية، تعيش دول المنطقة أزمة كبيرة في العلاقات الخارجية؛ لأن نقاط التقاطع ونقاط التناقض حادة جدًا من حيث المصالح. لذلك، لم تعد السياسة الكلاسيكية التي كانت تعتمد على مبدأ «عدو عدوي صديقي» مجدية؛ لأن عدو عدوك يمكن أن يكون عدوك في الوقت نفسه، وهذا ما يصعّب المعادلة.
لذلك، هناك حاجة إلى حنكة سياسية قوية من أجل التعامل مع هذا الواقع. ومن بين الدول التي تعاني من هذه المعضلة سوريا؛ لأن موقعها الجيوسياسي يضعها أمام خيارات لا تُحسد عليها. فهي على حدود إسرائيل من جهة، ونظرًا إلى تاريخ الحكومة الانتقالية، تُعد عدوة لطهران ضمنيًا، ولو أنها لم تصرح بذلك علنًا، وحليفة للسعودية التي تحارب الحوثيين في اليمن، وصديقة لتركيا التي تعيش حالة توتر مع إسرائيل، فضلًا عن المشكلات على الحدود الأردنية، وخلايا داعش في الداخل... إلخ.
بات معروفًا، وهذا لا يحتاج إلى دهاء سياسي، أن سقوط حكومة البعث وتشكيل الحكومة الانتقالية في سوريا كانا نتيجة توافق دولي، ارتبط بصورة مباشرة بالحرب على إيران والقضاء على أجنحة إيران في المنطقة. وهذا يعني أن هذه الصفقة السياسية لم تتحقق ليس لأن حكومة إدلب كانت «ناجحة»، كما يدعي البعض، بل لأنه كان هناك مخطط جديد في المنطقة، وكان على سوريا أن تؤدي دورًا فيه. وهذا ما اعترف به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما قال: «أنا وصديقي أردوغان، اتفقنا من أجل إحداث التغيير في سوريا».
هذا يعني أن هناك دورًا كان مطلوبًا من سوريا أن تؤديه. وهنا أريد أن أتطرق إلى تصريح المبعوث الأمريكي توم باراك الأخير، الذي يقول فيه: «نتيجة الوضع الداخلي في سوريا، من الاستحالة أن تأتي شركات الاستثمار، ومن الصعب أن تقف على أرجلها».
ومن الواضح أن هذا التصريح لم يصدر لمجرد تشخيص الوضع في سوريا، وإنما هو إظهار العصا من تحت العباءة، كما يقال. والرسالة هي أنه إذا لم تقم الحكومة السورية الانتقالية بما هو مطلوب منها، فإنها ستُترك لمصيرها. وتركها لمصيرها يعني تفاقم الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية بصورة أكبر، و«لبننة» سوريا، أي خلق حالة مشابهة لما شهدته لبنان داخل سوريا. لذلك، فإن سوريا أمام خيارات صعبة جدًا، وعلى الحكومة الانتقالية دراسة جميع الجوانب واتخاذ القرار الصحيح.
في ظل هذه التطورات، إذا كانت الحكومة الانتقالية تريد التعامل بعقلانية وإبعاد سوريا عن حرب القيامة الدائرة في المنطقة، فإن هناك خيارًا وحيدًا أمامها، وهو العمل بشكل جدي ودون مماطلة على صياغة دستور ديمقراطي، وتحقيق عقد اجتماعي بين السوريين، وسن قانون للأحزاب في أقصر مدة ممكنة، وتهيئة الأرضية اللازمة للانتخابات، وعدم إطالة أمد المرحلة الانتقالية.
وتؤكد تجارب العالم أن هناك علاقة تناسبية بين النمو الاقتصادي ومستوى العدالة والديمقراطية في البلدان. لذلك، فإن البحث عن الرفاه الاقتصادي والاستقرار في الخارج ليس الحل، وإنما الحل الحقيقي يكمن في البحث عن مخرج من الداخل، وبمشاركة جميع السوريين دون إقصاء أو تهميش، فهذا هو الحبل الوحيد للنجاة.
المصدر: صحيفة روناهي