المكان الجديد ليس سوى مساحة أوسع قليلاً داخل السجن. وإذا لم يطرأ تغيير جدي على وضع قائد الشعب الكردي من حيث إمكانية العمل والتواصل مع الرأي العام وتنظيمه، فإن هذا المكان الجديد ستحوله السلطة مجرد أداة للدعاية. إن التعاطي مع قضية بحجم القضية الكردية بهذا الأسلوب يلحق الضرر الأكبر بحكومة حزب العدالة والتنمية نفسها."
أعلن النائب البروفيسور الدكتور مدحت سنجار، عضو وفد حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Parti) إلى إمرالي، عبر قناة "مديا خبر"، عن انتقال قائد الشعب الكردي إلى مكان جديد داخل إمرالي.
وكان هذا الموضوع محل نقاش منذ عام كامل؛ حيث تردد أن هذا المكان أُعدّ ليتيح للرئيس المفاوض من الجانب الكردي، عبد الله أوجلان، ظروف عمل أفضل. وكان يُنظر إلى لقاء قائد الشعب الكردي بمختلف الأوساط بأهمية بالغة لدفعة مسار السلام والمجتمع الديمقراطي نحو الأمام؛ إذ كان من المقرر أن يلتقي بالصحفيين، والمثقفين، والسياسيين، والمؤسسات الديمقراطية، ومنظمات المجتمع المدني. ومع ذلك، ورغم تجهيز هذا المكان منذ نحو عام، إلا أن الانتقال إليه لم يتم حينها لعدم حسم وضعه؛ ولم يجد قائد الشعب الكردي الانتقال إليه مناسباً في ظل غياب أي تغيير في وضع المقر، حتى لا يُفسّر الانتقال كأنه إنجاز أو تطور فعلي.
ويُفهم من المعطيات الحالية أن تشكيل "منسقية السلام والعمل السياسي" -التي أشار إليها دولت بهجلي قبل استصدار القانون- قد دخل حيز التنفيذ العملي. ومن المتوقع أن يبدأ هذا المجلس، المشار إليه ضمناً في القانون، عمله قريباً، ويرتبط انتقال قائد الشعب الكردي إلى المكان الجديد ببدء نشاط هذا المجلس. ونأمل أن يتحقق عمله بالفعل، فقد قيل سابقاً إن خططاً وخطوات ستُتخذ، لكنها ظلت مجرد تصريحات إعلامية.
وإذا لم يبدأ "مجلس السلام والعمل السياسي" -الذي سيرأسه قائد الشعب الكردي- مهامه، فإن المسار الذي قيل إن حكومة حزب العدالة والتنمية جمدته لن يحرز أي تقدم. بطبيعة الحال، يملك رئيس حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان القدرة على تجميد المسار أو تعطيله وقتما يشاء؛ ففي عقد 2010، جُمّد المسار الذي حقق تقدماً ملموساً فجأة بقرار من أردوغان، لتكون السنوات العشر التالية من أكثر الفترات دموية وظلمة في تاريخ تركيا الحديث، ولا أحد يرغب بالتأكيد في تكرار سيناريو الصراع هذا.
وقد حرص قائد الشعب الكردي بذكائه السياسي على إبقاء هذا المسار حياً لأكثر من عامين. لكن إذا لم تتخلَّ حكومة حزب العدالة والتنمية عن سياسات التعطيل، فلن تنجح الجهود الأحادية الجانب في إحراز تقدم؛ وكما قيل سابقاً: "لا يمكن للطائر أن يحلق بجناح واحد".
ولأن قائد الشعب الكردي يُعدّ الطرف الأساسي في هذا الصراع الممتد لـ 50 عاماً، وجه دولت بهجلي دعوته لإمرالي قائلاً: "ليُحلّ تنظيمه وليستفد من حق الأمل حتى النهاية". وبالفعل، جرى حل حزب العمال الكردستاني (PKK) وإنهاء الكفاح المسلح ضد تركيا، ومع ذلك لم يحدث أي تغيير جوهري باستثناء اللقاءات التي تجري كل شهر أو شهرين. إن زيارة بعض الوفود لإمرالي لا تمثل تحولاً كبيراً، فحق اللقاء بالأهل والمحامين مكفول قانوناً لكل سجين، وحرمانهم منه لسنوات ثم إعادة استئنافه لا يعدّ تطوراً استثنائياً، بل مجرد عودة طفيفة لظروف السجن الاعتيادية.
إن المكان الجديد مجرد توسيع بسيط لمساحة الاحتجاز. وإذا لم يرافقه تغيير حقيقي في ظروف عمل قائد الشعب الكردي وحريته في التواصل مع المجتمع وتنظيمه، فسوف يقتصر على كونه ورقة دعاية سياسية للحكومة. وتناول قضية مصيرية كالقضية الكردية بهذه السطحية سيضر بحزب العدالة والتنمية بالدرجة الأولى، لكونه قدم وعوداً للشعب التركي بحلها، وعجزه عن تحقيق تقدم سيجعله يفقد الكثير. ومهما بلغت الحملات الإعلامية للحكومة، فإن الرأي العام التركي والدولي يدرك أن الكرد اتخذوا خطوات غير مسبوقة، ولهذا تطالب القوى الديمقراطية والشعب الكردي الحكومة باستمرار باتخاذ خطوات عملية ملموسة.
وفي السياق ذاته، تستعد "أمهات السلام" للبدء باعتصام في أنقرة للمطالبة بفك أسر قائد الشعب الكردي وإطلاق سراح المعتقلين. تمثل "أمهات السلام" ضمير الشعب الكردي ورمز إرادته، ويؤكدن على أنه: "ما لم يتحرر قائد الشعب الكردي ويُفرج عن المعتقلين، فستنعدم الثقة بالعملية ولن تتحرك خطوة واحدة". ويجدر بالسلطة الإصغاء لصوت الأمهات؛ لأن الحكومة التي تتجاهل أمهات السلام سيفقد الكرد ثقتهم بها تماماً.
نحيي هذه المبادرة ونشد على أيدي أمهات السلام؛ فموقفهنّ الصلب يجسد موقف الشعب الكردي بأكمله. ومتى ما اتسع نطاق هذا النضال ليتحول إلى حركة شعبية شاملة في كردستان، فإنه سيشكل ضغطاً حقيقياً على السلطة. وإذا واصل حزب العدالة والتنمية تجاهل هذه النداءات، فإنه سيفقد مصداقيته في كافة القضايا.