تواجه قوات بورتسودان تدقيقاً دولياً وحقوقياً متصاعداً إثر هجوم جوي نفذته طائرات مسيّرة استهدف سوق "أميت" في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، أسفر عن مقتل 153 شخصاً وإصابة العشرات، وفق ما أعلنته السلطات المحلية.
وتأتي هذه الأزمة الدولية الجديدة التي تلاحق قوات بورتسودان وسط مطالبات بفتح تحقيق دولي مستقل لكشف ملابسات الواقعة وتحديد المسؤولية الجنائية عن احتمال ارتكاب جريمة حرب أخرى في نزاع لطالما تخلفت فيه آليات المساءلة.
وفي تقرير نشره موقع "Frontlineradar" المتخصص بالدراسات والنزاعات الدولية، وصف شهود عيان مشاهد مروعة للهجوم الذي وقع في 19 أكتوبر/تشرين الأول؛ إذ أفاد أحد الشهود -طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية- بأن أسراباً من الطائرات دون طيار كانت تحوم فوق المنطقة قبل اندلاع سلسلة انفجارات متتالية، مشيراً إلى أن النيران حاصرت مدنيين وتجاراً داخل محلاتهم التجارية، ما أدى إلى تفحم جثث العديد منهم بدرجة يصعب معها التعرف على هوياتهم.
وأكد شاهد ثانٍ وقوع أضرار جسيمة في مستودعات ومحلات تخزين الوقود المنتشرة في السوق، لافتاً إلى استمرار الحرائق لساعات طويلة فيما واصلت فرق الإنقاذ وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة البحث بين الأنقاض لانتشال الضحايا.
من جانبه، صرح يوهانا أكول، القائم بأعمال وزير الإعلام في منطقة أبيي، بأن بين الضحايا قتلى ينتمون إلى جنسيات متعددة تشمل سودانيين وجنوب سودانيين وإثيوبيين وصوماليين، محذراً من أن حصيلة القتلى مرشحة للارتفاع مع مواصلة رفع الركام وتفحم العديد من الجثث.
وفي السياق نفسه، كشفت صور الأقمار الصناعية الملتقطة في 20 أكتوبر/تشرين الأول عن أضرار واسعة النطاق ونطاقات احتراق هائلة رُصدت في القسم الشمالي الشرقي من السوق؛ ما يؤكد حجم الدمار المادي الذي خلفه القصف، وإن كانت الصور لا توضح طبيعة الأوامر الصادرة قبل الضربات أو هوية القتلى.
في المقابل، أقر ضابط رفيع في قوات بورتسودان بشن غارة جوية بواسطة طائرة مسيّرة استهدفت شاحنات وقود، رافضاً الاتهامات بوقوع ضحايا في صفوف المدنيين. إلا أن تقارير منفصلة استندت إلى مصادر دبلوماسية أشارت إلى أن الموقع المستهدف كان يضم مستودعات وقود تُستخدم لتغذية عمليات نقل وتجارة واسعة.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة قد أدان الهجمات، داعياً إلى محاسبة المسؤولين والحفاظ على وضع إقليم أبيي كمنطقة منزوعة السلاح بموجب الاتفاقيات الدولية، بينما أرسلت بعثة حفظ السلام طواقم طبية وفرق إطفاء لإجلاء المصابين والمساعدة في السيطرة على الحريق.
وتأتي مأساة سوق "أميت" في وقت تخضع فيه قوات بورتسودان لتدقيق دولي منفصل بشأن ادعاءات تتعلق باستخدام أسلحة كيميائية تعتمد على مواد الكلور؛ وهي الاتهامات التي أثيرت في المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية وتنفيها السلطات رسمياً.
وعلى الرغم من تأكيد المنظمة الدولية عدم وجود أي دليل يربط بين مزاعم الأسلحة الكيميائية وهجوم سوق أبيي، فإن المتابعة الدولية للملفين تعكس إلحاح الحاجة إلى فتح تحقيقات مستقلة وموثوقة تحفظ الأدلة الميدانية وتضمن عدم إفلات المتورطين في الانتهاكات من العقاب الجنائي.