أثار نقل تمثال صلاح الدين الأيوبي من ساحته المقابلة لقلعة دمشق جدلاً واسعاً في الأوساط الشعبية والثقافية السورية، وسط تساؤلات بشأن أسباب القرار ومصير النصب التاريخي، وما إذا كانت الخطوة مؤقتة ضمن أعمال تطوير المنطقة المحيطة بالقلعة.
وأثار القرار تفاعلاً ملحوظاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين من يرى في التمثال رمزاً تاريخياً ووطنياً ينبغي الحفاظ عليه في موقعه، ومن يعتبر أن تخليد الشخصيات التاريخية لا يستلزم بالضرورة إقامة تماثيل لها في الساحات العامة.
ولا تقتصر أهمية القضية على نقل نصب من مكانه، بل تمتد إلى رمزية الموقع الذي احتضنه لعقود، في منطقة تُعد من أبرز المعالم التاريخية في العاصمة السورية، حيث تتداخل الآثار مع الذاكرة السياسية والثقافية للمدينة.
ويُعد صلاح الدين الأيوبي من أبرز الشخصيات في التاريخ الإسلامي، وقد اتخذ دمشق عاصمة لدولته، وارتبط اسمه بمواجهة الحملات الصليبية واستعادة القدس عام 1187. واكتسب التمثال المقام أمام قلعة دمشق دلالة تتجاوز قيمته الفنية، إذ أصبح جزءاً من المشهد البصري والتاريخي للمنطقة.
وعكست ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي تبايناً في المواقف من قرار النقل؛ إذ أيد بعض المتابعين الخطوة استناداً إلى قناعات دينية وثقافية ترى أن تخليد الشخصيات التاريخية لا يتطلب إقامة تماثيل لها في الأماكن العامة.
ودعا آخرون إلى استبدال النصب بعنصر يحمل دلالة دينية ويرتبط بذكر الله، معتبرين أن ذلك يجمع بين الوظيفة الجمالية والقيم الروحية.
في المقابل، شدد متابعون على أن صلاح الدين الأيوبي سيظل رمزاً تاريخياً مرتبطاً بتحرير القدس، بصرف النظر عن مكان تمثاله، مؤكدين أن الحفاظ على الذاكرة التاريخية للمدينة لا يتعارض مع أعمال الصيانة والترميم.
وطالب هؤلاء بتوضيح أسباب نقل النصب ومصيره النهائي، فيما تساءل آخرون عن توقيت القرار وأولويته في ظل الظروف المعيشية والاقتصادية التي تواجه البلاد، مطالبين بالكشف عن الجهة التي اتخذته والآلية التي نُفذ بها.
كما انتقد بعض المتابعين ما وصفوه بضعف الاهتمام بالمعالم التاريخية ومحيطها، مشيرين إلى استخدامات تجارية للمكان، من بينها إقامة بسطات لبيع الملابس المستعملة، وداعين إلى صون المعالم التاريخية والحفاظ على محيطها.
جوزيف زيتون: الموقع مرتبط بتاريخ دمشق ومقاومة الغزاة
طرح المؤرخ السوري الدكتور جوزيف زيتون تساؤلات بشأن الغاية من نقل التمثال إلى موقع بانوراما حرب تشرين، معتبراً أن موقعه أمام قلعة دمشق يرتبط بدلالات تاريخية تتصل بصمود المدينة في مواجهة الحملات الصليبية.
وربط زيتون بين قلعة دمشق وأسوارها وصلاح الدين الأيوبي، معتبراً أن هذه العناصر تمثل امتداداً تاريخياً لمرحلة من الصمود والمواجهة، وأن نقل التمثال إلى موقع آخر قد يضعف الصلة الرمزية بين النصب والمكان الذي أُقيم فيه.
وانتقد زيتون اختيار موقع بانوراما حرب تشرين، مشيراً إلى ما وصفه بتدمير الموقع وتجريفه، ومشدداً على أهمية الحفاظ على ذاكرة حرب تشرين عام 1973 وما تحمله من دلالات وطنية وعربية، بعيداً عن المواقف السياسية من النظام السابق.
كما أثار زيتون مسألة اختفاء نصب آخر مرتبط بتاريخ دمشق، هو نصب بولس الرسول الذي كان موجوداً أمام باب بولس في سور المدينة، متسائلاً عن مصيره، وداعياً إلى حماية الرموز التاريخية والروحية المرتبطة بتاريخ العاصمة.
وتعكس هذه المواقف نقاشاً يتجاوز مسألة الصيانة وموقع العرض إلى قضايا أوسع تتعلق بمعايير الحفاظ على التراث، ومدى مراعاة الصلة التاريخية بين المعالم والأماكن التي تحتضنها.
محافظة دمشق: النقل لأغراض الصيانة وإعادة التأهيل
قالت محافظة دمشق إن نقل التمثال جاء ضمن مشروع لإعادة تأهيل محيط قلعة دمشق، بهدف تحسين الواقع الخدمي والجمالي والعمراني للمنطقة، استناداً إلى تقرير فني صادر عن دائرة آثار دمشق، وبالتنسيق مع الجهات المعنية.
وأوضحت المحافظة أن النصب يحتاج إلى أعمال صيانة وترميم لمعالجة الأضرار التي لحقت به، مشيرة إلى العمل على دراسة وتجهيز موقع مناسب لإعادة عرضه، بما يحافظ على قيمته الفنية والرمزية، ويتيح للزوار مشاهدته من زوايا مختلفة.
ورغم هذا التوضيح، استمرت التساؤلات بشأن الموقع الذي سيُنقل إليه التمثال بعد انتهاء أعمال الصيانة، خصوصاً مع تداول معلومات عن احتمال وضعه في محيط بانوراما حرب تشرين بمنطقة العدوي.
وفي المقابل، نقلت صحيفة «الوطن» السورية عن مصدر في المحافظة أن الموقع النهائي لم يُحسم بعد، وأن الإعلان عنه سيكون عقب انتهاء أعمال الصيانة والتأهيل.
وبذلك، يظل تحديد الموقع الجديد للنصب مرتبطاً بما ستعلنه المحافظة رسمياً، في ظل التكهنات التي صاحبت عملية نقله.
نصب تاريخي ارتبط بذاكرة دمشق
أُنجز نصب صلاح الدين الأيوبي عام 1993، بمناسبة مرور 800 عام على وفاته، وصممه النحات السوري الراحل عبد الله السيد، بالتعاون مع نحاتين آخرين.
ويجسد العمل صلاح الدين ممتطياً جواده ومحاطاً بجنود، فيما يظهر خلفه أسيران من قادة الفرنجة، في إشارة إلى انتصار المسلمين في معركة حطين عام 1187.
ومع مرور السنوات، أصبح التمثال أحد المعالم المعروفة في محيط قلعة دمشق، واكتسب مكانة في الذاكرة البصرية لسكان العاصمة وزوارها.
وتمنح هذه الخلفية التاريخية والفنية عملية نقل النصب أهمية إضافية، إذ يتعلق الأمر بعمل فني ارتبط بموقع تاريخي بارز، وأصبح جزءاً من الصورة الذهنية لدمشق لدى سكانها وزوارها.
ويفتح نقل التمثال نقاشاً أوسع بشأن كيفية التعامل مع المعالم الفنية والتاريخية في المدن السورية، ولا سيما المناطق التي تجمع بين القيمة الأثرية والحضور اليومي للسكان.
فمشروعات إعادة التأهيل قد تكون ضرورية لمعالجة الأضرار وتحسين البيئة العمرانية، لكن نجاحها لا يرتبط بالمظهر الجمالي وحده، بل يتوقف أيضاً على مدى احترام الهوية التاريخية للمكان وصلته بذاكرة السكان.
وفي حالة تمثال صلاح الدين الأيوبي، تبرز الشفافية بشأن أسباب النقل ومراحله وموقعه المستقبلي باعتبارها عاملاً أساسياً لتوضيح الصورة أمام الرأي العام، خصوصاً أن غياب التفاصيل يترك المجال أمام تفسيرات متباينة لا يمكن تأكيدها من دون معلومات موثوقة.
كما أن اختيار موقع جديد للنصب، إذا تقرر نقله بصورة دائمة، يتطلب مراعاة علاقته بقلعة دمشق والمشهد التاريخي المحيط بها، إلى جانب توفير الظروف المناسبة لحمايته وعرضه أمام الزوار.
ويرى مراقبون أن نقل التمثال بصورة مفاجئة ومن دون نقاش مجتمعي يمس برمزية المدينة وتاريخها الممتد لآلاف السنين، ويطرح تساؤلات بشأن المعايير المتبعة في الحفاظ على التراث.
ويبقى مصير تمثال صلاح الدين الأيوبي مرتبطاً بما ستقرره محافظة دمشق بعد انتهاء أعمال الترميم: هل سيعود إلى محيط القلعة، أم سيُعرض في موقع آخر؟