تشهد منطقة الشرق الأوسط إعادة تشكيل لمسارات انتقال الطاقة وبنية الأمن، بالتزامن مع تحصينات عسكرية واستخباراتية وعشائرية تنتج خطوط تصدع هشة في المنطقة.
وتدخل المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق، التي تتقاطع عندها التوازنات الإقليمية، مرحلة نشطة بفعل تحركات القوات العسكرية والاتصالات الدبلوماسية ومحاولات الأطراف المحلية تحديد مواقعها. وتكشف البيانات الميدانية والتقارير الأمنية عن استمرار البحث عن توازن جديد يمتد من أزمة الأمن البحري في البحر الأحمر إلى حوض الفرات وحقول الطاقة في كركوك، وصولًا إلى البنى العشائرية في منطقة الجزيرة.
وتتطور هذه العملية حول سيناريوهات الانسحاب، والممرات الحدودية، والسيطرة على حقول النفط، بما يؤثر بصورة مباشرة على الديناميكيات المحلية.
ممرات الحدود والدبلوماسية الأمنية في خط شنكال
تُعد معابر تل حميس والهول والوليد، الواقعة على الشريط الحدودي الاستراتيجي بين سوريا والعراق، نقاط عبور رئيسية في السيناريوهات المحتملة التي تلي انسحاب القوات الدولية من المنطقة.
وتبرز في الخطط الموضوعة مسألة السيطرة على المرتفعات الرئيسية وطرق العبور في منطقة شنكال، بهدف الحد من الروابط اللوجيستية بين الصحراء العراقية والمناطق الشمالية. كما تُناقش خطط لانتشار طويل الأمد للقوى المحلية المسلحة وقوات البيشمركة في المنطقة، بذريعة ضمان الأمن.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تبرز الاتصالات مع الحكومة العراقية بشأن حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز الشريط الحدودي ضمن إطار قانوني.
كما تتناول المباحثات بين أنقرة ومسؤولين عراقيين ممرين حدوديين رئيسيين؛ يمتد الأول من ساحة الموصل باتجاه تلعفر وتل كوجر، بينما يمتد الثاني من منطقة البعاج باتجاه عمق المرزوقة.
ويتوافق التحكم في هذه الطرق مع توجهات إقليمية تهدف إلى تضييق نطاق حركة عناصر الحشد الشعبي على الشريط الحدودي، إلا أن خطط السيطرة على هذه الممرات لم تحصل بعد على موافقات دولية نهائية.
تحركات عسكرية وحقول النفط في حوض الفرات
تتركز تحركات ميدانية عسكرية أخرى في حوض الفرات وريف دير الزور.
وفي نهاية أغسطس، سُجل تحرك 18 عربة نقل مدرعة بالكامل، انطلقت من ريفي إدلب وحلب، وتحديدًا من مناطق أعزاز وبازاعة ومحيط مقر اللواء 76، باتجاه خط دير الزور عبر رنكوس ومعضمية.
وتشير المعطيات إلى أن هذه العربات انتشرت في مناطق الميادين والكباجب والشولا والسوير، إلى جانب محيط حقلي العمر والتيم النفطيين، ما أدى إلى تعزيز الإجراءات الأمنية على الشريط الحدودي الممتد من القائم إلى مثلث التنف.
ويُشار إلى أن هذه التحصينات تزيد مخاطر حدوث احتكاك مباشر مع قوات الحشد الشعبي على الحدود، في وقت تؤدي فيه المنافسة على تقاسم الموارد الاقتصادية إلى تصعيد التوترات المحلية.
وفي هذا السياق، وقعت احتكاكات مسلحة بالقرب من حقل العمر بين عناصر ميليشيات محلية، من بينها مجموعة أبو إسلام، بسبب مدفوعات صهاريج الوقود ورسوم المرور اللوجيستية، وهو ما يعكس هشاشة الوضع في المناطق الغنية بموارد الطاقة.
جغرافيا الطاقة بين البحر الأحمر وكركوك وبانياس
يتزامن الحراك الحدودي في المنطقة مع أزمات النقل الدولي للطاقة.
فمع استمرار نشاط الحوثيين في مضيق باب المندب والاضطرابات التي يشهدها البحر الأحمر، تتجه قوى دولية إلى البحث عن خطوط أنابيب برية بديلة للممرات البحرية.
وفي هذا السياق، تجري مناقشة مشروع تحديث وإعادة تشغيل خط الأنابيب الاستراتيجي التاريخي الذي ينقل نفط كركوك إلى ميناء بانياس على الساحل السوري، باعتباره بديلًا لمضيق هرمز المغلق والممرات البحرية التي أصبحت أكثر خطورة.
ويؤثر مستقبل حقول نفط كركوك وأمن مسار الخط داخل الأراضي السورية، والذي يمر شرق الفرات، بصورة مباشرة على الترتيبات العسكرية في المنطقة.
كما تتقاطع في هذا المسار التحركات الاستراتيجية الإسرائيلية مع مساعي تركيا المتعلقة بأمن الحدود والبحث عن حضور لوجيستي في منطقة دير الزور، لتصبح السيطرة على ممر الطاقة عاملًا مؤثرًا في تموضع الأطراف الإقليمية على الحدود.
العشائر والأمن يعمقان خطوط التوتر
وبالتوازي مع الأبعاد العسكرية والاقتصادية، تتسارع أنشطة إعادة تشكيل التوازنات الاجتماعية من خلال البنى العشائرية.
وتشهد قبيلة كُدَت، وهي أحد فروع اتحاد عشائر الجبور والموجودة في أرياف الحسكة ودير الزور والرقة، خلال الفترة الأخيرة عملية إعادة تنظيم مكثفة.
وتبرز محاولات لتشكيل تمثيل إداري موحد للفروع التي تتركز في مناطق الدحام والعجاجة والشدادي وتل براك، ومنها فروع الأسعاف والخليف صالح والراشد.
وتاريخيًا، لم يكن للقبيلة شيخ عام واحد، لكن هناك تحركات لإبراز عماد حسن الخلف في موقع القيادة، بهدف توحيد قاعدة ارتبطت في الماضي بتوجهات سلفية وأتاحت مجالًا أمام تنظيمات مثل جبهة النصرة.
وبحسب التحليل، تتزامن هذه التحركات مع وجود هيئة تحرير الشام في المنطقة، وتعكس مساعي لتجميع العشائر العربية التقليدية في منطقة الجزيرة، بهدف تشكيل توازن مدني وعسكري بديل في مواجهة الإدارة الذاتية.
ومع إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، تشهد التنظيمات العسكرية والسياسية العاملة في المنطقة صراعات داخلية مرتبطة بالمعلومات والصلاحيات.
ويشير التحليل إلى أن مئات الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي شاركت في حملات منظمة عقب مقتل أبو قاسم في صفوف هيئة تحرير الشام، في تحرك جرى تقييمه باعتباره محاولة استخباراتية لاختبار ردود فعل الأجهزة الأمنية داخل التنظيم.
كما تتعمق الخلافات الداخلية بسبب صراع الصلاحيات بين أنس خطاب وحسين السلام، إلى جانب قرارات نقل كوادر منحدرة من دير الزور من دمشق والساحل، ما يزيد من حدة الانقسامات داخل التنظيم.
وفي المقابل، تشير القرارات التي اتخذتها المجالس المحلية التابعة للمجلس الوطني الكردي السوري في اجتماعاتها بمدينة قامشلو وعفرين إلى مرحلة جديدة في آليات الإدارة المحلية.
ففي عفرين، برزت مناقشات بشأن متابعة تحركات أشخاص سبق أن شغلوا مناصب مدنية وعسكرية ضمن الإدارة الذاتية، ورصد علاقاتهم بالتشكيلات العسكرية الجديدة في المنطقة ورفع تقارير بشأنها.
أما في قامشلو، فتتركز النقاشات على تعزيز دور المجالس المحلية وتحقيق التنسيق مع الهياكل الإدارية المؤقتة.
وتتزامن هذه التحركات العسكرية والسياسية والعشائرية مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية في سوريا، وبينها الكهرباء والخبز والوقود، إلى جانب تعمق الانكماش الاقتصادي، ما يدفع سكان المنطقة إلى مواجهة أزمة معيشية حادة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الترتيبات العسكرية التي بدأت تحت مبررات أمن الحدود، إلى جانب مشروعات ممرات الطاقة، تدفع المنطقة نحو تحولات طويلة الأمد في بنيتها الاجتماعية والاقتصادية.
وتكشف هذه التطورات أن التنافس في المنطقة لا يقتصر على الجانب العسكري والأمني، وإنما يمتد إلى السيطرة على الحدود ومصادر الطاقة والممرات اللوجيستية، بالتوازي مع إعادة تشكيل القوى المحلية والعشائرية.
وفي ظل تداخل هذه العوامل، تبدو منطقة الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب النفوذ، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية والأمنية مع المصالح الاقتصادية ومشروعات الطاقة، بما يجعل السيطرة على خطوط النقل والموارد عاملًا أساسيًا في تحديد ملامح التوازنات المقبلة.
==========
المصدر: وكالة ميزوبوتاميا (MA)