أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن الشعب الفلسطيني سيبقى على أرضه ولن يقبل التهجير، مشددًا على التمسك بالسلام القائم على الشرعية الدولية، بما يضمن الحرية والاستقلال والأمن والسلام لشعوب المنطقة.
جاء ذلك خلال كلمة مسجلة ألقاها عباس أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، اليوم الخميس، بعدما منعت الولايات المتحدة منحه وأعضاء في الوفد الفلسطيني تأشيرات دخول إلى نيويورك للمشاركة حضوريًا في اجتماعات الجمعية العامة للعام الثاني على التوالي.
وقال عباس إن الشعب الفلسطيني يمر بواحدة من أخطر المراحل في تاريخه، في ظل ما وصفه بعقود من الظلم التاريخي والاقتلاع واللجوء والاحتلال وحرمان الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير والحرية والاستقلال.
وفي قطاع غزة، تحدث الرئيس الفلسطيني عن استمرار القتل والدمار والتجويع ومحاولات التهجير، بينما أشار في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، إلى تصاعد الاستيطان وتقطيع أوصال الضفة واعتداءات المستوطنين.
وحذر عباس من أن السياسات الإسرائيلية التي وصفها بأنها خارجة عن القانون الدولي تهدد بتدمير حل الدولتين، مؤكدًا أن الخطر لم يعد يقتصر على تقويض إقامة الدولة الفلسطينية، وإنما بات يهدد حياة الشعب الفلسطيني ووجوده على أرض وطنه.
وقال عباس إن ما يجري في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية لا يمثل أحداثًا منفصلة، بل اعتبره جزءًا من خطة تهدف إلى جعل حياة الفلسطينيين أكثر صعوبة ودفعهم إلى الرحيل القسري عن أرضهم.
ودعا المجتمع الدولي إلى منع تكرار ما وصفه بالنكبة والمجازر التي وقعت عام 1948، محذرًا من استمرار الاعتداءات على الفلسطينيين ومنازلهم، ومن تعرض الأطفال للخوف والتهديد.
وشدد على أن الفلسطينيين لن يغادروا أرضهم، مؤكدًا أن الاحتلال والاستيطان لا يمكن أن يشكلا حلًا أو يحققا أمنًا دائمًا.
كما دعا إلى منح دولة فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، مجددًا التمسك بإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين، إلى جانب التأكيد على رفض الاعتداء على المدنيين من أي طرف، ومكافحة الإرهاب والتطرف ومعاداة السامية والعنصرية والكراهية.
وطالب عباس الولايات المتحدة بالتراجع عن القيود المفروضة على الفلسطينيين، والعودة إلى الحوار والاحترام المتبادل والعمل مع الجانب الفلسطيني والمجتمع الدولي من أجل تنفيذ حل الدولتين.
وفيما يتعلق بمنع الوفد الفلسطيني من الحصول على تأشيرات دخول إلى نيويورك، رفض عباس ما وصفها بالإجراءات العقابية وغير القانونية، مؤكدًا أن الاحتكام إلى القانون الدولي ومؤسساته يمثل خيارًا سلميًا وحضاريًا وليس عملًا معاديًا للسلام.
وكانت الولايات المتحدة قد منعت عباس ومسؤولين فلسطينيين من الحصول على تأشيرات للمشاركة حضوريًا في اجتماعات الجمعية العامة، ما أدى إلى إلقاء الرئيس الفلسطيني كلمته عبر تسجيل مصور. وأقرت الجمعية العامة في 17 سبتمبر السماح لعباس بالمشاركة عبر كلمة مسجلة.
عباس يطالب بتنفيذ المرحلة الثانية من خطة غزة
وتطرق الرئيس الفلسطيني إلى خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذات النقاط العشرين، مشيرًا إلى ترحيب الجانب الفلسطيني بها وبقرار مجلس الأمن رقم 2803 وخارطة الطريق الخاصة بتنفيذ المرحلة الثانية.
وقال إن الهدف من الخطة هو وقف الحرب على الفلسطينيين، وإنهاء الأزمة الإنسانية في غزة، وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع وإعادة إعماره، لكنه أشار إلى أن هذه الأهداف لم تتحقق بصورة كاملة على الأرض.
ودعا عباس إلى الإسراع في تنفيذ المرحلة الثانية، محذرًا من تحول الفترة الانتقالية إلى وضع دائم أو مفتوح من دون أفق زمني وسياسي واضح.
وأكد ضرورة أن تقود المرحلة المقبلة إلى إعادة توحيد قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تحت ولاية دولة فلسطين ومؤسساتها الشرعية، وفق مبدأ الدولة الواحدة والحكومة الواحدة والقانون الواحد والسلاح الشرعي الواحد.
كما دعا إلى وقف الاعتداءات على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة في القدس والمسجد الإبراهيمي في الخليل، محذرًا من أن استمرار هذه الاعتداءات قد يؤدي إلى صراع ديني واسع في المنطقة وخارجها.
وأشار كذلك إلى الاعتداءات على مقرات الأمم المتحدة ومؤسساتها في القدس والضفة الغربية، معتبرًا أنها تقوض قدرة وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» على تقديم خدماتها للاجئين، ودعا الدول والمنظمات الدولية والإقليمية إلى مواصلة دعم الوكالة.
وحذر عباس من تنفيذ المخطط الاستيطاني المعروف باسم E1، قائلًا إنه يهدف إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، بما يمنع إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
ودعا مجلس الأمن إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وتنفيذ القرار 2334، الذي يدعو إلى وقف الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.
كما أشاد بالإجراءات التي اتخذتها المملكة المتحدة و12 دولة بشأن حماية حل الدولتين وحظر منتجات المستوطنات، وبالدعوة الفرنسية والبريطانية والكندية لعقد قمة في نيويورك بشأن القضية، مطالبًا الرئيس ترامب بالوفاء بتعهداته المتعلقة برفض ضم الأراضي الفلسطينية ومنع التهجير.
وأكد عباس أن الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وتفكيك المؤسسات وتجفيف الموارد المالية تمثل، بحسب قوله، أدوات لإضعاف قدرة الفلسطينيين على البقاء والصمود وتقويض المؤسسات الوطنية ومنع تجسيد الدولة.
وقال إن الحكومة الإسرائيلية تحتجز أكثر من 6 مليارات دولار من الأموال الفلسطينية، مطالبًا بالإفراج عنها وضمان تحويلها بصورة منتظمة وكاملة، ورفع القيود المالية والاقتصادية المفروضة على الفلسطينيين وفق بروتوكول باريس الاقتصادي.
وتحدث عباس عن الإصلاحات التي نفذتها السلطة الفلسطينية، قائلًا إن الجانب الفلسطيني أوفى بالتزاماته التي تعهد بها أمام الشعب والمجتمع الدولي.
وأشار إلى تنفيذ برنامج للإصلاح الوطني، وتعزيز حوكمة المؤسسات والمالية العامة والشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد وسيادة القانون.
كما تحدث عن إنشاء نظام وطني موحد للحماية والرعاية الاجتماعية، وإصلاح نظام التعليم وتطوير المناهج وفق المعايير الدولية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، إلى جانب العمل على تعزيز قيم السلام والتسامح واحترام الآخر والحفاظ على الهوية الوطنية والحقوق الفلسطينية.
وأشار كذلك إلى إجراء انتخابات المجالس المحلية وانتخابات الاتحاد العام لطلبة فلسطين، والاستعداد للانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر من العام الجاري، إلى جانب استكمال تجديد مؤسسات المجلس الوطني الفلسطيني ثم إجراء الانتخابات الرئاسية.
تمسك بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية
وجدد عباس التأكيد على رفض الاعتداء على المدنيين من أي طرف، والإرهاب والتطرف بمختلف أشكالهما، ومعاداة السامية والعنصرية والكراهية، مؤكدًا التمسك بثقافة السلام والحوار والتعايش.
وقال إن الفلسطينيين يريدون دولة ديمقراطية تحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان، وتكون غير مسلحة وتعيش بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل.
وأشار إلى أن القيادة الفلسطينية اتخذت منذ عام 1988 قرارًا بالقبول بتسوية تاريخية تقوم على حل الدولتين المستند إلى الشرعية الدولية.
وأكد أن إنقاذ حل الدولتين يبدأ بالحفاظ على الأرض التي تقوم عليها الدولة الفلسطينية وحماية الشعب الذي يعيش فيها، مشددًا على أن الاحتلال العسكري والاستيطان والضم واعتداءات المستوطنين لا يمكن أن تشكل حلًا أو تحقق أمنًا دائمًا.
وقال إن الفلسطينيين لن يقبلوا بما تقرره الحكومة الإسرائيلية بشأن مستقبلهم، مؤكدًا أن الأمن الدائم لا يمكن أن يقوم على احتلال شعب آخر وحرمانه من حقوقه.
وأوضح أن المشروع الوطني الفلسطيني يقوم على حماية الشعب من التهجير، والحفاظ على الأرض ووحدتها، وتجديد المؤسسات ديمقراطيًا، وبناء الدولة وفق القانون الدولي، وممارسة حق تقرير المصير وصولًا إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية، مع عودة اللاجئين وفق القرار الأممي 194.
وشدد على أن الفلسطينيين لا يريدون عملية جديدة لإدارة الصراع بينما تتغير الأرض، وإنما عملية تنهي الاحتلال وتضمن للفلسطينيين الحرية وتقرير المصير، وللإسرائيليين ودول المنطقة الأمن والسلام.
واختتم عباس بالتأكيد على أن رؤيته للسلام تقوم على بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه وتقرير مستقبله بنفسه، وإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، بما يفتح الطريق أمام السلام والتعاون والازدهار والأمن في المنطقة.
كما وجه الشكر إلى الدول التي دعمت الشعب الفلسطيني سياسيًا وإنسانيًا واقتصاديًا، وإلى الدول التي اعترفت بدولة فلسطين، وعددها 160 دولة بحسب كلمته، داعيًا الدول التي لم تعترف بها بعد إلى القيام بذلك، ومطالبًا بمنح فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.
ووجه عباس رسالة إلى الفلسطينيين في الوطن والشتات، مؤكدًا تمسكهم بأرضهم ووحدتهم وحقوقهم، ومجددًا القول إنهم لن يغادروا وطنهم ولن يقبلوا التهجير ولن يسمحوا لأحد بتقرير مستقبلهم نيابة عنهم، مع التأكيد على التمسك بالسلام القائم على الشرعية الدولية لتحقيق الحرية والاستقلال والأمن والسلام لجميع شعوب المنطقة.