لم تعد الخريطة في السياسة الدولية مجرد أداة محايدة لتمثيل الحدود والمواقع الجغرافية، بل أصبحت في بعض السياقات وسيلة لإنتاج تصورات جديدة للمجال الاستراتيجي، وتوجيه الخطاب الجيوسياسي، وإعادة تعريف دوائر النفوذ. وقد برز ذلك بصورة واضحة في توظيف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للخرائط والتصورات الجغرافية المرتبطة بكندا وغرينلاند وآيسلندا وقناة بنما، وهو ما أثار نقاشًا حول ما إذا كانت هذه الخرائط تعكس مجرد خطاب سياسي ضاغط، أم أنها تعبر عن تصور أوسع لإعادة تحديد المجال الحيوي للمصالح الأمريكية.
وتكتسب هذه الممارسات أهمية خاصة بالنظر إلى القيمة الاستراتيجية لهذه المناطق؛ فكندا تمثل الامتداد الجغرافي المباشر للولايات المتحدة الأمريكية، بينما تقع غرينلاند في موقع بالغ الأهمية بالقطب الشمالي وشمال الأطلسي، وتحتل آيسلندا موقعًا محوريًا في منظومة الأمن البحري والجوي لشمال الأطلسي، في حين تمثل قناة بنما واحدة من أهم ممرات التجارة والاتصال البحري بين المحيطين الأطلسي والهادئ.
ولا تقتصر أهمية هذه الظاهرة على دلالتها الرمزية، بل تمتد إلى ما تثيره من تساؤلات بشأن العلاقة بين الجغرافيا السياسية وموازين القوة والقانون الدولي. فالخريطة لا تنشئ في حد ذاتها حقًا إقليميًا، ولا تغير الحدود القانونية للدول، غير أن استخدامها في الخطاب السياسي لقوة كبرى قد يسهم في إعادة تشكيل التصورات المتعلقة بمناطق النفوذ، واختبار مواقف الحلفاء والخصوم.
ومن هذا المنطلق، تكتسب دراسة توظيف ترامب للخرائط أهمية خاصة لفهم التحولات في الاستراتيجية الأمريكية تجاه نصف الكرة الغربي والقطب الشمالي وشمال الأطلسي، ومدى ارتباطها باعتبارات الأمن والموارد والممرات البحرية والمنافسة مع القوى الكبرى، إلى جانب انعكاساتها على سيادة الدول واستقرار التحالفات القائمة.
خرائط ترامب
برز توظيف الخريطة في الخطاب السياسي لإدارة ترامب الثانية بصورة لافتة من خلال الخرائط والصور التي نشرها الرئيس الأمريكي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما الخريطة التي نشرها في 7 سبتمبر 2026، والتي تعكس تصورًا متخيلًا للولايات المتحدة؛ إذ غطى العلم الأمريكي دولًا ومناطق مثل كندا وغرينلاند وآيسلندا وأجزاءً من المكسيك وأمريكا الوسطى ومنطقة الكاريبي.
وعلى الرغم من أن هذه الخرائط لا تترتب عليها أي آثار قانونية ولا تغير الحدود المعترف بها دوليًا، فإن أهميتها السياسية تكمن في قدرتها على تقديم تصور بصري لمجال جغرافي أوسع ترى الإدارة الأمريكية أن أمنها ومصالحها الاستراتيجية يرتبطان به.
وأثارت الخريطة ردود فعل رسمية، من بينها استدعاء آيسلندا للسفير الأمريكي، إلى جانب اعتراضات دنماركية وكندية. ويكشف هذا الاستخدام عن انتقال الخريطة من مجرد تمثيل للجغرافيا القائمة إلى إنتاج جغرافيا سياسية متخيلة؛ بمعنى أن الخريطة لا تصف بالضرورة ما هو قائم، وإنما تعرض ما يمكن أن يكون عليه المجال الاستراتيجي وفق تصور سياسي معين.
ويرتبط ذلك بخطاب ترامب بشأن جعل كندا الولاية الحادية والخمسين، والسيطرة على غرينلاند، وإعادة تأكيد الأهمية الاستراتيجية لقناة بنما. وقد ربط ترامب، في تصريحاته بشأن غرينلاند، الاهتمام الأمريكي بها باعتبارات الأمن القومي ومواجهة الوجود الروسي والصيني في القطب الشمالي، بينما ربط مواقفه من قناة بنما بأهميتها الاستراتيجية والتجارية ومخاوفه بشأن النفوذ الصيني.
ومن زاوية أخرى، تؤدي الخريطة وظيفة مرتبطة بالضغط السياسي وإعادة تعريف حدود التفاوض. فالانتقال من التصريحات اللفظية إلى التمثيل البصري للأراضي بوصفها جزءًا من المجال الأمريكي يمنح الخطاب السياسي درجة أعلى من الرمزية، ويضع الدول المعنية أمام تصور يصعب التعامل معه باعتباره مجرد موقف تفاوضي عابر.
وفي حالة غرينلاند، على سبيل المثال، اقترن خطاب واشنطن بالتأكيد على أهميتها للأمن القومي الأمريكي، بينما دفعت التصريحات والخرائط المتكررة لترامب الدنمارك وغرينلاند إلى تأكيد رفض أي تغيير في وضع الجزيرة دون موافقتهما.
وفي حالة آيسلندا، جاءت ردود الفعل الرسمية عقب نشر خريطة 7 سبتمبر الجاري، لتوضح أن إدراج دولة ذات سيادة داخل تمثيل بصري للولايات المتحدة يمكن أن يتحول سريعًا من أداة خطابية إلى مصدر توتر دبلوماسي.
وهذا يعني أن القيمة السياسية للخريطة لا تكمن في قدرتها القانونية على تغيير الحدود، وإنما في قدرتها على اختبار ردود الفعل، ورفع سقف الخطاب التفاوضي، وإعادة ترتيب أجندة القضايا الاستراتيجية.
إعادة توزيع النفوذ
تختلف وظيفة الخرائط باختلاف الموقع محل الاهتمام؛ إذ تتداخل في حالات كندا وبنما وغرينلاند اعتبارات الجغرافيا مع المصالح الاقتصادية والأمنية والتنافس على النفوذ، وهو ما يتضح في الآتي:
1- كندا وإعادة تعريف المجال الجيوسياسي لأمريكا الشمالية
تكشف الخرائط والتصورات الجغرافية المرتبطة بخطاب ترامب تجاه كندا عن محاولة لإعادة صياغة مفهوم المجال الجيوسياسي الأمريكي في أمريكا الشمالية، بحيث لا يقتصر على الحدود السياسية والقانونية القائمة، وإنما يمتد إلى تصور أوسع لمجال نفوذ أمريكي تتداخل فيه اعتبارات الأمن والاقتصاد والموارد والطاقة والجغرافيا الاستراتيجية.
وقد اقترنت الإشارات المتكررة إلى إمكانية انضمام كندا إلى الولايات المتحدة بخطاب سياسي واقتصادي مارس ضغوطًا بشأن التجارة والحدود والعلاقات الثنائية؛ الأمر الذي جعل الحدود الكندية الأمريكية تظهر في الخطاب السياسي بوصفها أكثر من مجرد خط فاصل بين دولتين مستقلتين، وإنما باعتبارها مجالًا لإعادة التفاوض حول توزيع القوة والمصالح داخل أمريكا الشمالية.
2- قناة بنما والحفاظ على النفوذ الأمريكي في مواجهة الصين
تختلف حالة قناة بنما عن كندا وغرينلاند؛ لأن المسألة لا تتعلق بضم إقليم إلى الولايات المتحدة، وإنما بالسيطرة على ممر مائي يقع خارج الأراضي الأمريكية.
وقد جعلت إدارة ترامب أمن قناة بنما وإمكانية وصول الولايات المتحدة إليها جزءًا من مقاربتها الأوسع لنصف الكرة الغربي، في ظل مخاوف واشنطن من توسع النفوذ الصيني في مجال البنية التحتية الاستراتيجية.
وقد أشار تقرير خدمة أبحاث الكونجرس لعام 2026 إلى أن إدارة ترامب أكدت أهمية ضمان الوصول العسكري والتجاري الأمريكي إلى مواقع استراتيجية، من بينها قناة بنما وغرينلاند، كما أبرمت الولايات المتحدة وبنما في إبريل 2025 ترتيبات لتعزيز التعاون الدفاعي والوجود العسكري المشترك في المناطق المحيطة بالقناة.
3- غرينلاند والمنافسة الأمريكية مع القوى الكبرى في القطب الشمالي
تمثل غرينلاند الحالة الأكثر وضوحًا في انتقال الخريطة من التعبير الرمزي إلى أداة ضمن خطاب تفاوضي واستراتيجي متكامل.
فقد ربط ترامب مرارًا السعي إلى وضع غرينلاند تحت السيطرة الأمريكية باعتبارات الأمن القومي ومواجهة روسيا والصين في القطب الشمالي، إضافة إلى موقعها في منظومة الدفاع الصاروخي والمراقبة الاستراتيجية.
وفي المقابل، أكدت الدنمارك وغرينلاند أن مستقبل الجزيرة لا يمكن أن يحدد إلا وفق إرادة سكانها؛ الأمر الذي أدى إلى توتر في العلاقات الأمريكية الدنماركية وإلى تداعيات على العلاقات داخل حلف شمال الأطلسي «الناتو».
ولا يخفى أن هذه التطورات دفعت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند إلى إنشاء آلية حوار رفيعة المستوى في يناير الماضي، وهو ما يوضح كيف يمكن للخطاب الجغرافي والضغوط السياسية أن يتحولا إلى أداة لإعادة تشكيل جدول المفاوضات.
وفي هذا السياق، أعلن ترامب، في 18 سبتمبر الجاري، أن واشنطن أبرمت اتفاقًا مع الدنمارك وغرينلاند يمنح الولايات المتحدة سيطرة دائمة على الشؤون الأمنية وجميع الاحتياجات الأخرى في الجزيرة.
ومن جانبها، قالت رئيسة وزراء الدنمارك مته فريدريكسن إن هذا الاتفاق سيعزز أمن شمال الأطلسي والقطب الشمالي. كما أكد رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن أن الاتفاق يعترف بمصالح الجزيرة القطبية ومكانتها في التعاون الدولي، وأضاف: «هذا يفيدنا جميعًا».
وتكشف الحالات الثلاث تعدد وظائف الخرائط في خطاب ترامب، بين إعادة تصور المجال القاري في حالة كندا، وتأمين الممرات الاستراتيجية في حالة قناة بنما، وتعزيز المنافسة في القطب الشمالي في حالة غرينلاند.
قيود التغيير
تعكس الحالات السابقة توجه إدارة ترامب الثانية إلى إعطاء نصف الكرة الغربي والمناطق القطبية وشمال الأطلسي وزنًا أكبر في تصورها للمجال الاستراتيجي الأمريكي، مع التركيز على الوصول إلى المواقع الحيوية والحد من نفوذ الصين وروسيا.
غير أن القدرة على إعادة رسم المجال في الخطاب السياسي تختلف جذريًا عن القدرة على تحويله إلى ترتيبات جيوسياسية فعلية. فالمجال الذي يمكن أن تظهره الخريطة بوصفه امتدادًا للمصلحة الأمريكية يظل خاضعًا لوجود دول ذات سيادة، وتحالفات قائمة، والتزامات اتفاقية دولية، وقيود قانونية وسياسية تحول دون انتقال التصور الجغرافي بصورة تلقائية إلى واقع إقليمي جديد.
ويظهر ذلك في حالة غرينلاند؛ فقد أكدت إدارة ترامب أهميتها للأمن القومي الأمريكي في مواجهة التنافس مع روسيا والصين في القطب الشمالي، لكن تبقى غرينلاند جزءًا يتمتع بالحكم الذاتي داخل الدنمارك، وقد أكد مسؤولو الدنمارك وغرينلاند أن مستقبلها يتعين أن يحدده سكانها.
كما أثارت هذه المسألة في البداية توترات في العلاقات الأمريكية الدنماركية ومخاوف بشأن انعكاساتها على حلف الناتو، قبل الإعلان في 18 سبتمبر الجاري عن التوصل إلى اتفاق بشأن الجزيرة.
كما يمكن أن تؤدي إعادة تعريف المصالح الأمريكية ومجالات النفوذ إلى إعادة تقييم هؤلاء الحلفاء لعلاقات الاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة.
وقد أظهر تقرير نشرته وكالة «رويترز» في 17 سبتمبر الجاري أن الضغوط الأمريكية داخل الناتو، إلى جانب حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الالتزام الأمريكي بأوروبا، دفعت عددًا من الدول الأوروبية وكندا إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، وفي بعض الحالات إلى البحث عن بدائل للتكنولوجيا والمعدات الدفاعية الأمريكية.
ولا يعني ذلك تفكك الناتو، بل احتمال إعادة توزيع بعض عناصر القوة داخله؛ بحيث تسعى الدول الأوروبية وكندا إلى زيادة قدراتها الذاتية وتنويع مصادر تسليحها وشراكاتها، وهو ما قد يؤدي إلى نتيجة مزدوجة تتمثل في دفع الحلفاء إلى تحمل أعباء أكبر، وفي الوقت نفسه تقليل اعتمادهم طويل الأمد على القوة الأمريكية.
أما في أمريكا اللاتينية، فإن إعادة صياغة المجال الجيوسياسي الأمريكي ترتبط بصورة وثيقة بمحاولة تعزيز النفوذ في مواجهة الحضور الاقتصادي والاستراتيجي للقوى الخارجية، ولا سيما الصين.
ولكن يظل توسيع النفوذ الأمريكي في هذه المنطقة محكومًا بمواقف الدول المعنية وبمبدأ السيادة الإقليمية، كما يتضح من تأكيد مسؤولي بنما أن الترتيبات المتعلقة بالقناة لا تعني التنازل عن سيادة البلاد.
الخلاصة
تكشف حالات كندا وغرينلاند وآيسلندا وقناة بنما أن توظيف الخرائط في خطاب الرئيس ترامب يتجاوز البعد الرمزي إلى محاولة إعادة تعريف نطاق المصالح الأمريكية ورفع سقف التفاوض بشأن مناطق ذات أهمية استراتيجية.
غير أن قدرة هذه الخرائط على التأثير في الإدراك السياسي لا تعني قدرتها على تغيير الحدود أو الأوضاع القانونية القائمة؛ ومن ثم يتمثل الأثر الأهم لهذه المقاربة في إعادة صياغة تصورات النفوذ والمصالح واختبار استجابات الحلفاء والخصوم.
ويظل تحويل هذه التصورات إلى واقع جيوسياسي مستدام مرهونًا بقدرة واشنطن على توظيف أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية والاستراتيجية، وبمدى قبول الدول المعنية لهذه الترتيبات في ظل قيود السيادة والقانون الدولي.
المصدر: مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة