بث تجريبي

تعزيز التضامن الوطني: مصالحة تاريخية في تركيا أم إدارة أزمة مؤقتة؟

أقر البرلمان التركي بجلسة استمرت اثنتي عشرة ساعة في العاشر من أغسطس 2026، قانون "تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي"، المعروف أيضًا بـ"القانون الإطاري لعملية السلام في تركيا"، بأغلبية بلغت 468 صوتًا من أصل 600 مقعد يضمها البرلمان، في أوسع إجماع تشريعي تشهده أنقرة حول الملف الكردي منذ عقود. ويقع القانون في اثنتي عشرة مادة تنظم آلية تسليم عناصر "حزب العمال الكردستاني" – الذي أعلن حل نفسه رسميًا في مايو 2025 – أنفسهم للسلطات خلال مهلة ستة أشهر من صدور قرار مجلس الأمن القومي بتفعيله، مع تجميد الأحكام والملاحقات القضائية بحق المستوفين للشروط لا إصدار عفو عام عنهم، ويستثني النص صراحة القيادات العليا للحزب ومؤسسه "عبدالله أوجلان" من أي بند من بنوده. وقال الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" إن القانون ينهي اما وصفه بـ "التهديد الكردستاني" بشكل دائم، فيما يقدّر مسؤولون أتراك أن يستفيد منه نحو أربعة آلاف شخص، وأن تتأثر بمقتضاه أكثر من خمسة وسبعين ألف ملف تحقيق وملاحقة قضائية.

ولم يأتِ هذا القانون من فراغ، بل توّج مسارًا انطلقت شرارته الحقيقية من داخل سجن إيمرالي ذاته؛ إذ أطلق المفكر "عبدالله أوجلان" مبادرته التاريخية المعروفة بـ"نداء السلام والمجتمع الديمقراطي" في 27 فبراير 2025، والتي شكّلت البداية والانطلاقة الفعلية لعملية السلام برمتها، بعدما كان زعيم حزب الحركة القومية "دولت بهتشلي"، حليف "أردوغان" الأصغر في "تحالف الشعب" الحاكم، قد مهد لهذه اللحظة في أكتوبر 2024 بدعوته العلنية إلى فتح قناة تفاوض مع "أوجلان" في سجنه، في خطوة تمهيدية لا ينبغي فهمها على أنها أصل العملية بأكملها.

الباحث / محمد صابر

وقد توالت الخطوات بعد نداء "أوجلان"، فإعلان "الكردستاني" في مايو 2025 حل نفسه رسميًا استجابة لمؤسسه والتخلي عن سلاحه، ثم إحراق أول دفعة رمزية من السلاح في محافظة السليمانية بإقليم كردستان العراق في 11 يوليو 2025، وصولًا إلى إعلان انسحاب عناصر الحزب من الأراضي التركية في أكتوبر من العام نفسه وإخلاء مواقع حدودية عراقية أبرزها منطقة "غارا". غير أن مراقبين كردًا أتراكًا، من بينهم قيادات في حزب "المساواة وديمقراطية الشعوب" (DEM) الذي خلف حزب "الشعوب الديمقراطي" (HDP) بعد إغلاقه قضائيًا عام 2023، يتساءلون عما إذا كان هذا الإطار الأمني الشامل يترافق مع اعتراف حقيقي بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد في تركيا، أم يكتفي بتصفية ملف السلاح دون معالجة جذور قضية يمتد عمرها لأكثر من قرن.

تأسيسًا على ما سبق، تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك البعد المفاهيمي المرتبط بحدود مصطلح "الاندماج" الذي يتبناه القانون، والبعد الرمزي الخاص بمستقبل دور المفكر "عبدالله أوجلان" بعد أكثر من ستة وعشرين عامًا قضاها خلف القضبان، والبعد المؤسسي المتعلق بموقع التمثيل السياسي الكردي داخل معادلة تقودها أساسًا الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. وتخلص الدراسة إلى تقييم ما إذا كان هذا القانون يؤسس فعليًا لمصالحة تاريخية تُنهي صدام الدولة مع الكرد، أم أنه أقرب إلى إدارة القضية الكردية كأزمة أمنية دون حسم جذورها السياسية.

تفكيك مصطلحات القانون:

يحمل القانون اسمًا رسميًا مدروسًا بعناية هو "تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي"، متجنبًا عمدًا مصطلحات مثل "السلام" أو "حل القضية الكردية" التي قد تحمله التزامات سياسية أوسع، وتقوم بنيته المؤسسية على مسارين متوازيين بمجلس تنفيذي برئاسة نائب الرئيس التركي "جودت يلماز"، يضم وزراء العدل والخارجية والداخلية والدفاع إلى جانب رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية (MİT) والأمين العام لمجلس الأمن القومي، مهمته التحقق الميداني من التخلي عن السلاح ومتابعة انسحاب العناصر؛ ولجنة برلمانية للمراقبة والتنسيق تضم ممثلي الأحزاب، تتلقى إحاطات دورية وتقدم توصيات غير ملزمة. ولا يدخل القانون حيز التنفيذ الفعلي إلا بعد تأكيد الاستخبارات استكمال عمليات الانسحاب والتخلي عن السلاح وصدور قرار من مجلس الأمن القومي، على أن تُمنح فترة تجميد للأحكام تمتد سنتين لمن صدرت بحقهم عقوبات موقوفة التنفيذ لخمس سنوات، وثلاث سنوات لأصحاب العقوبات الموقوفة لعشر سنوات، في صيغة "مراقبة سلوكية" لا عفو نهائي، وذلك من خلال إعادة دمج قانونية-أمنية للأفراد العائدين ضمن دولة القانون.

وهنا يبرز جوهر الإشكالية المفاهيمية، فمصطلح "الاندماج" كما صاغه المشرع التركي يخاطب وضعية الفرد العائد من صفوف السلاح إلى الحياة المدنية، لا وضعية الجماعة الكردية بوصفها كيانًا ثقافيًا وسياسيًا له مطالب جماعية بالاعتراف. وقد عبر عن هذا التمييز بوضوح لافت السفير التركي "محمد مجاهد يلماز" حين قال إن "المشكلة الكردية لا تُحل بمنح بعض الحقوق الثقافية فقط، وإنما بالاعتراف بهوية كاملة ومساواة حقيقية"، وهي عبارة تُستخدم أحيانًا من جانب الأتراك أنفسهم للإقرار الضمني بأن مقاربة اليوم الأمنية لا تكفي وحدها. وقد عكس التصويت البرلماني هذا الانقسام في القراءة بوضوح: فبينما وقعت قيادة حزب DEM على مسودة القانون وصوتت بكامل كتلتها لصالحه، تصدى حزب "الجيد" القومي المعارض للنص منذ البداية، مصوتًا بإجماع نوابه الـ29 ضده، واتهم الحكومة بتقديم "تنازلات"، معتبرًا أن النص يختزل قضية معقدة في مجرد تسليم للسلاح دون أي إصلاحات ديمقراطية موازية.

ويتجلى اتساع الفجوة بين "الاندماج الأمني" و"الاعتراف الثقافي" بوضوح في ملف اللغة تحديدًا؛ إذ لا يتضمن الدستور التركي حتى تاريخ إقرار القانون أي اعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية أو وطنية ثانية، ولا يضمن حقًا دستوريًا صريحًا في التعليم باللغة الأم. وقد جاء بيان "لجنة اللغة والثقافة والفنون" في حزب DEM، الصادر تزامنًا مع بدء العام الدراسي في سبتمبر 2026، ليؤكد أن ضمان حق التعليم باللغة الأم عبر ترتيبات دستورية وقانونية صريحة يمثل من أهم الخطوات نحو السلام والتحول الديمقراطي، في إقرار ضمني بأن هذا الضمان لا يزال غائبًا. ويصبح هذا الغياب أكثر لفتًا للنظر بالمقارنة مع سياق إقليمي مجاور؛ ففي سوريا مثلًا، أصدر الرئيس الانتقالي "أحمد الشرع" في يناير 2026 مرسومًا اعترف بالكردية كلغة وطنية وسمح بتدريسها في المدارس الحكومية، وهو ما يعني أن أنقرة، رغم تقدمها الأمني الاستثنائي في ملف السلاح، لا تزال متأخرة عن جارتها في خطوة الاعتراف الرمزي الأولى بالهوية الثقافية الكردية.

بالتالي، يمكن القول إن مصطلح "الاندماج" كما صاغه المشرع التركي يبقى مصطلحًا قانونيًا-أمنيًا في جوهره، يعالج وضعية الأفراد العائدين من صفوف السلاح لا وضعية الكرد وحقوقهم الجماعية، وهو ما يفسر لماذا يصفه مؤيدوه أنفسهم، وعلى رأسهم حزب DEM، بأنه "بداية مسار طويل" لا تسوية نهائية، بينما يرى فيه منتقدون كرد إطارًا لتصفية ملف السلاح مقابل التزام سياسي مؤجل وغير محدد السقف الزمني بالإصلاحات الدستورية والثقافية الأوسع.

دور أوجلان:

اعتُقل المفكر "عبدالله أوجلان" في فبراير 1999 وأودع سجن جزيرة إيمرالي في بحر مرمرة، حيث يقضي منذ ذلك الحين حكمًا بالسجن المؤبد المشدد، ليكون قد أمضى بحلول إقرار القانون الحالي أكثر من ستة وعشرين عامًا خلف القضبان، وقد شكّل نداؤه الصادر في 27 فبراير 2025 نقطة التحول المباشرة التي أطلقت مسار الحل بأكمله، ما يطرح سؤالًا محوريًا، حول ما إذا كان قد استنفد "أوجلان" دوره التاريخي بمجرد إصدار هذا النداء، أم أن وقائع الأشهر التالية لإقرار القانون تكشف عن استمرار تأثيره الفعلي في تفاصيل العملية، ويمكن رصد ملامح هذا الدور المستمر وحدوده القانونية والسياسية في آن واحد من خلال المحطات التالية:

(1) النداء المؤسس: في 27 فبراير 2025، وعبر وفد من حزب DEM زاره في سجنه، وجّه أوجلان دعوة صريحة لعقد مؤتمر يقرر حل حزب العمال الكردستاني والتخلي عن سلاحه والانخراط في العمل السياسي الديمقراطي، وهي الدعوة التي استجاب لها الحزب فعليًا خلال ثلاثة أشهر فقط بإعلان حله الرسمي في مايو 2025، في مؤشر على وزن كلمته التنظيمية الحاسم رغم عزلته الكاملة.

(2) المباشرة المستمرة: لم تنقطع زيارات "وفد إيمرالي" التابع لحزب DEM — ويضم النائبين بيروين بولدان ومدحت سانجار والمحامي فائق أوزغور إيرول — لأوجلان في سجنه، وشهدت الأيام التالية مباشرة لإقرار القانون لقاءً جديدًا معه في 13 و14 سبتمبر 2026، أكد خلاله أن أمام تركيا "فرصة تاريخية" ودعا إلى "خطوات عملية سريعة ومشتركة"، بما يعكس بقاءه مرجعية حية يُستشار رأيها لا شخصية أنهت وظيفتها بمجرد صدور النداء الأول.

(3) تدخل سياسي مباشر يتجاوز الرمزية: نقل وفد DEM عن أوجلان توجيهه تحية إلى زعيم المعارضة أوزغور أوزيل، رئيس "الحزب الجديد" الذي انشق حديثًا عن حزب الشعب الجمهوري في يوليو 2026، مطالبًا إياه بترشيح ممثلين عن حزبه في لجنة المراقبة البرلمانية المزمع تشكيلها لمتابعة تنفيذ القانون، في خطوة تكشف أن أوجلان لا يكتفي بإصدار مواقف عامة، بل يتدخل في تفاصيل التموضع السياسي للفاعلين داخل البرلمان التركي نفسه.

(4) الاستثناء القانوني ومحدودية المكاسب الرسمية: لا يشمل القانون قيادات "الكردستاني" العليا، ولا يحسم وضع أوجلان القانوني أو مصير عقوبته، وسط خلافات معلنة داخل "تحالف الشعب" الحاكم ذاته حول هذه النقطة تحديدًا، إذ يُصرّ دولت بهتشلي على عدم فتح هذا الملف، بينما اكتفى مسؤولون في حزب العدالة والتنمية، مثل رئيس كتلته البرلمانية عبدالله غولر، بالتلميح إلى إمكانية تسهيل زيارات الأكاديميين والصحفيين إلى إيمرالي مستقبلًا "وفق اللوائح الإدارية"، دون أي إشارة إلى إفراج أو عفو أو حتى تخفيف ظروف الاحتجاز.

(5) بداية اعتراف مؤسسي محدود دون تسوية الوضع القانوني: في 17 سبتمبر 2026، أعلن محمد أوجوم، المستشار البارز للرئيس أردوغان، رسميًا انضمام أوجلان إلى لجنة فرعية من أصل أربع لجان شُكلت للإشراف على الجوانب العملية لقرار "الكردستاني" حل نفسه، وتحديدًا اللجنة المعنية بالتخلي عن السلاح، موضحًا أن هذه الخطوة تهدف إلى إتاحة دور أكثر فاعلية لأوجلان في مسار الحوار، لكنها "لا تعني الإفراج عنه". وبذلك ينتقل أوجلان، لأول مرة منذ اعتقاله قبل 27 عامًا، من موقع المرجعية غير الرسمية إلى عضوية معترف بها رسميًا داخل أحد هياكل الدولة التركية نفسها، دون أن يغيّر ذلك من وضعه القانوني أو يمسّ حكمه بالسجن المؤبد، في خطوة وصفها مراقبون بأنها اعتراف وظيفي محدود لا سياسي شامل.

(6) تصعيد لحظي حاسم من قيادة الجناح المسلح: في مقابلة بثتها قناة "نوچه" (NÛÇE TV) ضمن برنامج "المقابلة" يوم 18 سبتمبر 2026 — أي بعد يوم واحد فقط من إعلان انضمام أوجلان للجنة التخلي عن السلاح — ذهب جميل بايك، الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي لمنظومة المجتمع الكردستاني (KCK) والقيادي التاريخي للجناح المسلح، إلى ما هو أبعد من موقف DEM التوافقي ومن الخطوة الرسمية ذاتها، معلنًا صراحة أن "قانون الدولة لن يدخل حيز التنفيذ ما لم يتحرر القائد آبو جسديًا"، مؤكدًا أن الحزب حين أعلن حل نفسه قرر أن يتولى أوجلان "إدارة" الحركة، وأنه بدون الإفراج الجسدي عنه "لن نضع السلاح ولن نذهب إلى تركيا". وبذلك تتحول مسألة تحرر أوجلان من ملف رمزي مؤجل، بل ومن عضوية شكلية في لجنة فرعية، إلى شرط تنفيذي معلن من قيادة الميدان ذاتها، وهو شرط لا يقترب منه القانون الحالي ولا خطوة الأيام الأخيرة بأي حال.

وبقراءة هذه النقاط مجتمعة، يتضح أن افتراض انتهاء دور "أوجلان" بمجرد صدور نداء فبراير 2025 افتراض مبكر لا تسنده الوقائع؛ فهو لا يزال يمارس تأثيرًا فعليًا على تفاصيل العملية السياسية من داخل زنزانته، وقد انتقل هذا التأثير خلال أيام سبتمبر 2026 الأخيرة من مجرد قناة تواصل غير رسمية إلى عضوية معترف بها رسميًا في هيكل تنفيذي تابع للدولة، دون أن يمس ذلك وضعه القانوني. غير أن تصريحات "بايك" الأخيرة تكشف أن دوره لم يعد مجرد تأثير معنوي أو حتى اعتراف وظيفي محدود كما بدا في الأشهر الأولى، بل بات محور شرط تنفيذي صريح يهدد بتعليق العملية برمتها من أساسها؛ إذ يضع الجناح المسلح في قنديل تحرر "أوجلان" الجسدي شرطًا مسبقًا لا لاحقًا لأي تقدم في التخلي عن السلاح أو عودة العناصر، بينما يخلو القانون المُقر، وحتى خطوة إشراكه في لجنة التخلي عن السلاح، من أي إشارة لهذا المطلب. وهذا يعني أن مستقبل الدور الفعلي لأوجلان بات مرتبطًا ليس فقط باستعداد أنقرة للاعتراف الرمزي أو حتى الوظيفي به، بل بقدرتها على معالجة أكثر الملفات حساسية في العملية كلها دون أن يتحول هذا الشرط إلى ذريعة لتعطيل مسار حظي بأوسع إجماع برلماني تركي منذ عقود.

معادلة جديدة:

تجدر الإشارة بداية إلى أن التسمية الشائعة "حزب الشعوب الديمقراطي" (HDP) لم تعد قائمة رسميًا منذ إغلاقه بقرار قضائي عام 2023 على خلفية اتهامات بالصلة بتنظيم إرهابي، ليخلفه فعليًا "حزب المساواة وديمقراطية الشعوب" المعروف اختصارًا بـ(DEM)، بوصفه الممثل البرلماني الرئيسي للناخبين الكرد ومن يتحالف معهم من يساريين وليبراليين أتراك. وقد خرج الحزب من الانقسام الأخير الذي ضرب صفوف المعارضة التركية معززًا لا متضررًا؛ إذ بات، بعد انشقاق كتلة أوزغور أوزيل عن حزب الشعب الجمهوري وتأسيسها "الحزب الجديد" في يوليو 2026، ثالث أكبر كتلة في البرلمان بواقع 56 نائبًا، خلف "الحزب الجديد" وحزب العدالة والتنمية الحاكم، وقبل حزب الحركة القومية ذاته.

ولعب هذا الثقل البرلماني دورًا مباشرًا في تمرير القانون؛ فقد وقّعت قيادة DEM على مسودته منذ مرحلة الصياغة إلى جانب رئيس البرلمان نعمان قورتولموش وزعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، ثم صوّت الحزب بكامل كتلته البرلمانية لصالحه دون أي انشقاق داخلي يُذكر، خلافًا لـ"الحزب الجديد" الذي انقسم نوابه بين 35 صوتًا مؤيدًا و54 معارضًا، ولحزب "الجيد" القومي الذي رفض نوابه الـ29 النص بالإجماع. وبحسب محللين أتراك، فإن موافقة DEM الكاملة كان لها أثر مباشر في إضعاف اعتراضات الأجنحة المتشددة داخل حزب العمال الكردستاني نفسه على مسار التخلي عن السلاح، بما يؤكد أن الشرعية السياسية التي يمنحها الحزب للعملية تفوق في قيمتها مجرد كونه صوتًا برلمانيًا من بين أصوات أخرى.

غير أن هذا الثقل التشريعي والرمزي لا ينعكس بالقدر ذاته على موقع الحزب داخل الهيكل التنفيذي الفعلي للعملية؛ فالقانون ينشئ مجلسًا تنفيذيًا برئاسة نائب الرئيس التركي جودت يلماز، يضم وزراء العدل والخارجية والداخلية والدفاع إلى جانب رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية والأمين العام لمجلس الأمن القومي، وهو المجلس المنوط به فعليًا التحقق من التخلي عن السلاح ومتابعة انسحاب العناصر وتقييم التقدم الميداني، بينما تقتصر مهمة اللجنة البرلمانية التي تنشئها رئاسة البرلمان — ومن المفترض أن يكون لـDEM تمثيل فيها بناء على دعوة أوجلان ذاتها لأوزيل بترشيح ممثلين — على تلقي إحاطات دورية وتقديم توصيات غير ملزمة، دون أي صلاحية تنفيذية أو رقابية حقيقية على عمل الأجهزة الأمنية. وبعبارة أخرى، يبقى حزب DEM شريكًا سياسيًا في الشرعنة والتمرير التشريعي، لا شريكًا مؤسسيًا في القرار التنفيذي الذي تحتكره بالكامل دوائر الاستخبارات والأمن ونائب الرئيس.

ويعكس هذا التموضع المزدوج إدراك DEM لحدود دوره الفعلي؛ فبينما رحّب الحزب رسميًا بإقرار القانون، أكد في الوقت ذاته أنه "بداية مسار طويل" لا تسوية نهائية، وأصدرت لجنته المعنية باللغة والثقافة والفنون بيانًا متزامنًا مع بدء العام الدراسي في سبتمبر 2026 يشدد على أن التعليم باللغة الأم يحتاج ضمانات دستورية وقانونية صريحة لم يوفرها القانون الحالي. وبذلك يمارس الحزب دورًا مزدوجًا دقيقًا: هو الشريك الذي يمنح العملية الأمنية غطاءها السياسي والشرعية الشعبية الكردية اللازمة لإنجاحها، وهو في الوقت نفسه الصوت الذي يواصل التذكير بأن التخلي عن السلاح ليس بديلاً عن الاعتراف بالحقوق، في محاولة للحفاظ على مسافة نقدية داخل عملية هو طرف أصيل فيها.

تأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن قانون تعزيز التضامن الوطني يمثل بالفعل أهم خطوة مؤسسية وقانونية تشهدها أنقرة في مسار صراع الدولة التركية مع الكرد، الذي اتخذ شكله المسلح عبر "حزب العمال الكردستاني" منذ عام 1984، وأكثرها قابلية للاستمرار بفعل الإجماع البرلماني الواسع الذي حظي به وتعدد الأطراف الضامنة له من الحكم والمعارضة الكردية على حد سواء. غير أن هذا الإنجاز يظل، بحكم بنيته القانونية ذاتها، إنجازًا أمنيًا-تقنيًا بامتياز يعالج مصير الأفراد والسلاح، لا إنجازًا سياسيًا-دستوريًا يعالج جذور القضية الكردية المتعلقة بالاعتراف الثقافي واللغوي والهوياتي؛ فأوجلان، الذي أطلق المسار من محبسه وانتقل أخيرًا إلى عضوية رسمية في إحدى لجانه الفرعية، يواصل التأثير في مسار العملية دون أن يُترجم ذلك إلى أي مكسب قانوني ملموس له أو لقضيته الأوسع، فيما يقدّم حزب DEM الغطاء السياسي والتشريعي اللازم للعملية دون أن يملك موقعًا مؤسسيًا حقيقيًا في هيكل القرار الذي تحتكره الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. وعليه، فإن وصف هذه اللحظة بـ"المصالحة التاريخية" يبدو سابقًا لأوانه ما لم تتبعه أنقرة بمسار سياسي-دستوري مواز يعالج مطالب الاعتراف التي لم يقترب القانون الحالي من ملامستها؛ أما إن ظل التطور محصورًا في حدوده الأمنية الراهنة، فالأدق وصفه بأنه إدارة ناجحة ومتقدمة لأزمة أمنية طال أمدها، لا حلاً تاريخيًا شاملاً لقضية لا تزال جذورها السياسية بانتظار معالجة لم تبدأ بعد فعليًا.

 

قد يهمك