أكد أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أن بلاده واجهت خلال الأشهر الماضية تحديات غير مسبوقة وهجمات مكثفة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، معتبرًا أن الإمارات قدمت نموذجًا في الكفاءة العسكرية والصمود الوطني.
جاء ذلك خلال كلمة رئيسية ألقاها قرقاش في الدورة الثالثة من «منتدى هيلي» المنعقد في أبوظبي، والتي ناقشت التحولات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الخليج والشرق الأوسط وتداعياتها على الأمن الإقليمي والدولي.
وقال قرقاش إن إيران أطلقت خلال عدة أسابيع من العام الجاري نحو 3300 صاروخ وطائرة مسيّرة باتجاه الإمارات، استهدفت غالبيتها منشآت وبنية تحتية مدنية، مشيرًا إلى أن الدفاعات الجوية الإماراتية تمكنت من اعتراضها بنجاح.
وأكد أن الإمارات حافظت، رغم ظروف الحرب، على أمن المواطنين والمقيمين والزوار، وواصلت العمل على ضمان قدرتهم على العيش والازدهار داخل البلاد.
وأشار إلى أن الاقتصاد الإماراتي واصل نموه خلال فترة الصراع، إذ ارتفعت التجارة الخارجية غير النفطية بنسبة 13% خلال النصف الأول من العام مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، معتبرًا ذلك مؤشرًا على قوة الاقتصاد وقدرة الخطط التنموية على الاستمرار.
تحذير من تداعيات إغلاق هرمز
وحذر قرقاش من أن إغلاق الممرات الملاحية أو استخدامها وسيلة للضغط والإكراه يمثل تهديدًا خطيرًا للاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتجارة الدولية.
وأوضح أن تداعيات الصراع لم تعد تقتصر على ساحات القتال، بل امتدت إلى الموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والأمن الغذائي.
وأكد رفض أي محاولة لفرض تغيير في الوضع القائم بمضيق هرمز بالقوة، مشيرًا إلى أهمية المضيق بالنسبة للاقتصاد العالمي، في ظل دوره في نقل نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، إضافة إلى مرور كميات كبيرة من الأسمدة الأساسية للزراعة والأمن الغذائي عبر المنطقة.
وشدد المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات على أن حرية الملاحة حق يستند إلى القانون الدولي، وليست امتيازًا يمكن منحه أو التفاوض عليه تحت الضغط، محذرًا من التداعيات الاقتصادية لتعطيل حركة الشحن البحري، ومؤكدًا ضرورة أن تترتب عواقب واضحة على استهداف السفن التجارية.
قرقاش: إعادة بناء الثقة مع إيران تحتاج وقتًا
وفيما يتعلق بالعلاقات مع إيران، قال قرقاش إن الجغرافيا تفرض استمرار التواصل بين الجانبين مستقبلًا، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين إعادة بناء علاقة عملية تفرضها الحاجة، وإعادة بناء الثقة التي تضررت بشدة جراء الحرب.
وأشار إلى أن استعادة الثقة وإعادة بناء حسن النية قد تستغرق سنوات أو عقودًا، داعيًا إلى التعامل مع تداعيات الصراع وفق رؤية طويلة الأمد.
وانتقد قرقاش الاستجابات العربية والإقليمية والدولية للأزمة، معتبرًا أنها لم ترتقِ إلى مستوى خطورة التهديدات، ودعا دول الخليج إلى تحويل التفاهم المشترك بشأن التحديات المرتبطة بإيران إلى استجابة موحدة واستراتيجية واضحة.
وأكد أن الاستقلال الاستراتيجي لا يقتصر على الشعارات، بل يتطلب الجمع بين الردع الموثوق، وتعزيز القدرات الوطنية، والشراكات الراسخة مع الحلفاء، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، إلى جانب الالتزام بالحوار والدبلوماسية.
واختتم قرقاش كلمته بتحديد عدد من الركائز التي اعتبرها ضرورية لتحقيق استقرار إقليمي مستدام، من بينها خفض التصعيد بصورة جادة ومستدامة، والحفاظ على مضيق هرمز كممر مائي دولي لا يجوز إخضاعه للإكراه.
كما دعا إلى تبني مسار دبلوماسي طويل الأمد لمعالجة التهديدات وتوفير ضمانات أمنية موثوقة تحول دون تكرار الهجمات مستقبلًا، مع التأكيد على أهمية الدولة الوطنية واحترام سيادتها، ومنع احتكار المليشيات والجهات الفاعلة من غير الدول لقرارات الحرب والسلام.
وشدد كذلك على ضرورة وجود مسار واضح بشأن البرنامج النووي الإيراني، يتضمن آليات للتحقق من طبيعة البرنامج وضمان الالتزام بالتعهدات الدولية، إلى جانب تحديد عواقب واضحة في حال عدم الامتثال.
وانطلقت أعمال الدورة الثالثة من «منتدى هيلي» في أبوظبي، الأحد، وتستمر على مدار يومين، بمشاركة مسؤولين حكوميين وصناع قرار وخبراء وأكاديميين وقادة فكر، لمناقشة التحولات الجيوسياسية والأمن الإقليمي ومستقبل ممرات التجارة والطاقة ودور الدول متوسطة القوة في تحقيق الاستقرار.
ويبحث المنتدى كذلك الخيارات الاستراتيجية التي تعيد تشكيل منطقة الخليج والعالم، إلى جانب سبل تعزيز الشراكات الاستراتيجية واستشراف السيناريوهات المستقبلية للمنطقة.