لم يعد التنافس التركي الإسرائيلي في الساحة السورية مقتصرًا على التحركات العسكرية غير المباشرة أو الحسابات السياسية، بل انتقل إلى مرحلة جديدة اتسمت بتحذيرات علنية متبادلة، بعدما وجّه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس رسالة مباشرة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، محذرًا أنقرة من توسيع وجودها العسكري في سوريا، ومهددًا بمواجهة مشابهة لتلك التي خاضتها إسرائيل ضد إيران.
وقال كاتس خلال مقابلة على هامش مؤتمر أمني نظمته القناة "14" الإسرائيلية، إن على أردوغان عدم "التلاعب مع إسرائيل"، محذرًا من وضع تركيا نفسها في مواجهة مع تل أبيب. وأضاف أن إسرائيل لن تسمح بتهديد مصالحها الأمنية في المنطقة، داعيًا الرئيس التركي إلى التركيز على شؤون بلاده، بينما ستتولى إسرائيل حماية مصالحها.
مخاوف إسرائيلية
وجاءت تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي في ظل تصاعد المخاوف داخل تل أبيب من احتمال إقامة تركيا قواعد عسكرية أو نشر منظومات دفاع جوي في سوريا، وهو ما تعتبره إسرائيل تهديدًا مباشرًا لحرية تحرك قواتها الجوية، خاصة بالقرب من منطقة الجولان المحتل.
وقال كاتس في تصريحاته: "نحن لسنا الإمبراطورية المسيحية المنهارة، والقدس ليست القسطنطينية التي سيطرتم عليها عندما بنيتم الإمبراطورية العثمانية"، في إشارة إلى فتح العثمانيين للقسطنطينية عام 1453، مؤكدًا أن إسرائيل تعتبر القدس عاصمتها الدائمة.
وأضاف الوزير الإسرائيلي: "نصيحتي لأردوغان هي ألا يعبث معنا، وألا يضع نفسه في موقع إيران، بل عليه أن يهتم بتركيا وشؤونها، ونحن سنهتم بمصالحنا".
وتعكس هذه اللهجة غير المسبوقة حجم التوتر المتزايد بين الطرفين بسبب الملف السوري، خاصة منذ سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024، حيث أصبحت سوريا ساحة تنافس نفوذ بين أنقرة وتل أبيب.
سوريا.. نقطة الصدام بين أنقرة وتل أبيب
وتعد تركيا من أبرز الداعمين لمعارضي النظام السوري السابق بما في ذلك جماعات إرهابية، وبعد سقوط الأسد أصبحت من أكبر الداعمين للسلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، القائد السابق لهيئة تحرير الشام، وتسعى أنقرة إلى لعب دور رئيسي في إعادة بناء المؤسسات العسكرية السورية.
وفي هذا السياق، بحثت تركيا إمكانية تدريب وتسليح الجيش السوري الجديد، وإنشاء مراكز تدريب عسكرية ضمن اتفاق دفاعي محتمل مع دمشق، كما تحدثت تقارير عن قيام فرق تركية بفحص بعض القواعد الجوية السورية تمهيدًا لاحتمال استخدامها، رغم عدم إعلان أنقرة رسميًا عن خطط لإقامة قواعد دائمة.
لكن إسرائيل تنظر إلى أي توسع عسكري تركي في سوريا، خصوصًا بالقرب من وسط البلاد، باعتباره تهديدًا لحرية عملياتها العسكرية، لا سيما في المناطق القريبة من الجولان السوري المحتل.
ومنذ سقوط نظام الأسد، عززت إسرائيل وجودها العسكري في المنطقة العازلة بين سوريا والجولان، كما نفذت سلسلة واسعة من الضربات ضد مواقع عسكرية سورية، مؤكدة أن هدفها منع وصول أسلحة أو قوات معادية إلى مناطق قريبة من حدودها.
في المقابل، ترى سوريا وتركيا أن التحركات الإسرائيلية تمثل انتهاكًا للسيادة السورية ومحاولة لفرض واقع جديد على الأرض.
محاولات لمنع المواجهة المباشرة
وأمام تصاعد التوتر، عقد مسؤولون أتراك وإسرائيليون محادثات تقنية في أذربيجان بهدف إنشاء آلية لتجنب الاحتكاكات العسكرية غير المقصودة بين قوات البلدين داخل سوريا.
ورغم هذه الاتصالات، أكدت تركيا أنها لا تمثل تطبيعًا للعلاقات مع إسرائيل، بينما أفادت تقارير بأن تل أبيب أبلغت أنقرة بأن إنشاء قواعد عسكرية تركية بالقرب من تدمر وسط سوريا سيكون بمثابة "خط أحمر".
كما واصلت تركيا إدانة الغارات الإسرائيلية والتوغلات في جنوب سوريا، معتبرة أنها اعتداء على وحدة الأراضي السورية وسيادتها.
من غزة إلى سوريا.. مسار العلاقات يتجه نحو مزيد من التوتر
ويأتي التصعيد في سوريا في ظل تدهور حاد في العلاقات التركية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في غزة عقب هجوم حركة حماس على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023.
وشن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هجومًا متكررًا على حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متهمًا إياها بارتكاب جرائم حرب في غزة، بينما ترفض إسرائيل هذه الاتهامات وتتهم أردوغان بدعم حركة حماس، التي لا تصنفها تركيا كمنظمة إرهابية.
وفي ظل الأزمة، سحبت تركيا سفيرها من تل أبيب في نوفمبر 2023، وأوقفت التجارة المباشرة مع إسرائيل في مايو 2024، بينما سحبت إسرائيل دبلوماسييها من تركيا بسبب المخاوف الأمنية وتصاعد الخلافات السياسية.
ساحة ساخنة
في هذا السياق، يقول طارق البرديسي الخبير في العلاقات الدولية، لموقع "المبادرة"، إنه مع استمرار التوترات، تبدو الساحة السورية مرشحة لأن تصبح نقطة احتكاك رئيسية بين البلدين، خاصة مع تضارب المصالح؛ فتركيا تسعى لتعزيز نفوذها في سوريا الجديدة، بينما تحاول إسرائيل منع أي وجود عسكري إقليمي تعتبره تهديدًا لأمنها.
ويرى "البرديسي" أنه بذلك انتقل الصراع التركي الإسرائيلي في سوريا من مرحلة المنافسة الهادئة إلى مرحلة الرسائل العلنية والتحذيرات المباشرة والمواجهات السياسية الساخنة، وسط مخاوف من أن يؤدي سوء الحسابات إلى مواجهة عسكرية لا ترغب فيها أي من القوتين، لكنها تظل احتمالًا قائمًا مع استمرار سباق النفوذ في الساحة السورية.