بث تجريبي

أكرم ألفي يكتب: كأس العالم ينتصر للتنوع ويكشف قوة المهاجرين

انتصار المهاجرين والتنوع في كأس العالم

أكرم ألفي

عندما يحرز كيليان مبابي هدفًا لصالح منتخب فرنسا في كأس العالم، فإن 144 مليون شخص حول العالم يحتفلون بابن بلدهم! فمبابي يحمل قميص المنتخب الفرنسي، وهو من أصول جزائرية وكاميرونية، أي إن شعوب ثلاثة بلدان ستفرح بإحراز ابنها هدفًا.

مبابي هو أحد التعبيرات عن انتصار المهاجرين في عالم الغد، عالم يكره العنصريين والمتعصبين ورافضي الآخر، ولكن مصيرهم هو البكاء في الطرقات على عالمهم الكئيب الذي يقوم على الدول المغلقة، ولا عزاء لهم، فهم كارهو الآخر، ولا مكان لهم بيننا اليوم.

ففي كأس العالم يتمحور عالم مختلف، هو عالم المهاجرين. فهل تعلم أن ربع اللاعبين المشاركين في كأس العالم وُلدوا في دولة مختلفة عن الدولة التي يدافعون عن ألوانها؟ ولو حسبنا من ينتمون إلى أصول مهاجرة، فإن النسبة ستصل إلى أكثر من ثلث اللاعبين. ففي منتخب فرنسا وحده 21 لاعبًا من أصل 26 لاعبًا من أصول مهاجرة.

إن كأس العالم هو التعبير الأدق عن عالم يتغير ديموغرافيًا بسرعة تفوق قدرات النظم السياسية على التخيل أو التوقع. فنحن اليوم نعيش في عالم يُعاد تشكيله لصالح التنوع والتعايش وقبول المهاجرين، ولم يعد الحديث عن النقاء القومي والعنصري يُعرف إلا في ساحات الدعاية السياسية لأبناء اليمين العنصري والمتطرف الكئيب.

إن التنوع العرقي والديني والقومي في الفرق المشاركة بكأس العالم يشير إلى أن الجيل الثاني والثالث من المهاجرين أصبح ركيزة لنهوض بلدانهم الجديدة، وأن الطريق ليس فقط في اتجاه الدول الأوروبية والغربية. فمنتخب إنجلترا، مثلًا، يوجد بين صفوفه 9 لاعبين من أصول مهاجرة، وفي المقابل فإن هناك 25 لاعبًا وُلدوا في إنجلترا يمثلون بلدانًا أخرى، من بينها أمريكا ونيوزيلندا وغانا. ولماذا نذهب بعيدًا؟ فمنتخب المغرب الشقيق يضم 11 لاعبًا من أصول مهاجرة وُلدوا خارج المغرب. ولو قررت المغرب اقتصار فريقها على المولودين في المغرب، لما استطاع فريقها أن يحقق هذه المكاسب الكروية المتتالية التي تصب في صالح تعزيز الشعور بالانتماء والإحساس بالإنجاز.

إن العالم يتغير، ففي داخل المستطيل الأخضر قد نجد لاعبين من الأصول نفسها يلعبان لفريقين مختلفين، وهو ما لا يغير الانتماء لقميص المنتخب الذي يمثله كل منهما.

إن كأس العالم هو تعبير عن أن مدرسة الهوية القديمة، وأهمية الانتماء النقي، قد أصبحت حديثًا من الماضي، لا يزال يجد له مكانًا في الكتب وخطابات السياسيين المملة، ولكن الواقع تجاوزه.

ففي عام 2022، تحدث أحد قادة اليمين المتطرف في فرنسا رافضًا الاحتفال بفوز فرنسا بكأس العالم، لأن الفريق - في رأيه - لا يمثل فرنسا الحقيقية. هذا القول ذهب إلى أدراج الرياح، واحتفل الفرنسيون بفوزهم، وأغلب الفرنسيين اليوم فرحون بتقدم فريقهم في منافسات كأس العالم 2026.

إن الهجرة توسع قاعدة اللاعبين المتاحين للفرق الوطنية، كما تسهم في زيادة تنوع المهارات داخل الفريق، حيث إن تعدد الصفات الجسدية يضيف مصدر قوة رئيسيًا للفريق. فالمجتمعات الأكثر تنوعًا لديها قاعدة أكثر تنوعًا من اللاعبين المحتملين، مما يقود إلى اكتمال عناصر الفريق وزيادة فرصه في الفوز.

إن التنافس بالتعددية والتنوع في المستطيل الأخضر هو تعبير عن عالم الغد، فمن يريد إحراز المكسب عليه أن يقبل التعدد والتنوع، ويقبل الآخر ويجعله ضمن نسيجه. أما من يختار الانحياز للماضي ويرفض الآخر، فإن مصيره هو الهزيمة، ليس في ملعب الكرة فقط، بل في ملعب الحياة والمستقبل.

قد يهمك