لا تزال تل أبيب تحاول نفخ النار في الرماد ضد طهران، حيث يرفض "بن يامين نتنياهو" رئيس الوزراء الإسرائيلي الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين كل من واشنطن وطهران، فمذكرة التفاهم الحالية تقضي إطارًا عامًا لمفاوضات أكثر شمولاً تتناول البرنامج النووي الإيراني، حيث يهدف الطرفان إلى التوصل لتفاهمات نهائية في غضون 60 يومًا من توقيع الاتفاق الوشيك.
ويذكر بعض المحللون أن إسرائيل هي من كان وراء دق طبول الحرب، وتحريض الولايات المتحدة الأمريكية على تصعيد الأمور ضد إيران لحد الوصول إلى الحرب القائمة التي نراها في وقتنا الراهن، والتي ما تلبث أن تهدأ وتوشك على الانتهاء، إلا وتتأجج من جديد، ونجد أن الموقف من هذه الحرب كشف نوع من الشقاق بين الرؤية الأمريكية والإسرائيلية، وهي من المرات النادرة التي يحدث فيها مثل هذا الأمر.

د. فرناز عطية
السيناريو الذي تخشاه إسرائيل بموجب الاتفاق الناشئ الأمريكي - الإيراني:
يمثل الاتفاق الناشئ السيناريو الذي طالما خشيه المسؤولون الإسرائيليون، حيث يُعيد فتح مضيق هرمز ويؤدي إلى تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، مع تأجيل المفاوضات حول القضايا التي كانت أهدافًا عسكرية معلنة لإسرائيل، وبالفعل تُؤجل مذكرة التفاهم مناقشة المواضيع الشائكة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والترسانة الصاروخية الباليستية لطهران، إلى وقت لاحق، كما تُوفر متنفسًا اقتصاديًا للنظام الذي كان يسعى "نتنياهو" لإسقاطه، وقد يتضمن الاتفاق أيضًا قيودًا جديدة على قدرة تل أبيب على قتال "حزب الله" اللبناني، إذ تطالب tيران بانسحاب عسكري إسرائيلي كامل من جنوب لبنان، وهو أمر رفضته الأولى.
الخلاف بين الحليفتين بشأن استمرار الحرب الإيرانية
حين رأت الولايات المتحدة هزيمتها في حرب أعلنتها بدون طائل حقيقي تم إنجازه من ورائها، وأن تقييمها للقوى الإيرانية لم يكن محسوبًا بشكل سليم، إضافة إلى كم الخسائر التي تكبدتها واشنطن في وقت كان من الممكن أن تحل مشكلتها مع طهران بطرق دبلوماسية أقل كلفة، ناهيك عن أزمة ارتفاع البترول ومشتقاته وارتفاع أسعار الأسمدة والتي تضرر منها الداخل الأمريكي، بسبب غلق مضيق هورمز، ورفض المواطن الأمريكي السير في مسار استمرار الحرب ضد إيران؛ مما أسفر عنه انخفاض في شعبية "دونالد ترامب" وإدارته في الشارع الأمريكي مع اقتراب دخوله على الانتخابات النصفية، وانطلاقًا من مبدأ "أمريكا أولاً" ، بدأت إدارة "دونالد ترامب" في خفض التصعيد مع طهران، والعودة إلى مائدة المفاوضات وتغليب المسار الدبلوماسي، في المقابل يسعى "نتنياهو" رئيس الوزراء الإسرائيلي، وائتلافه الحاكم لإطالة أمد الحرب، بحجة تدمير النظام الإيراني، وهو ما فشلت الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران في إحرازه برغم الخسائر الاقتصادية والسياسية التي تكبدتها واشنطن، وإسرائيل.
مؤشرات على عمق الخلاف بين واشنطن وتل أبيب بشأن الملف الإيراني
- كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يعقد اجتماعًا مع مجلس وزرائه الأمني في ملجأ ليلة 14/6/2026، وتلقى اتصالاً هاتفيًا من الرئيس الأمريكي يُبلغه بتوقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وأن الحرب التي شنّاها معًا في أواخر فبراير2026 على طهران انتهت فعليًا، وهذه المرة، لم يُدلِ رئيس الوزراء الإسرائيلي بأي تصريح علني يُذكر، على عكس ما حدث عندما وقّع "باراك أوباما" الرئيس الأمريكي الأسبق الاتفاق النووي مع إيران في 2015، عندما أعلن رفضه الاتفاق بقوة علنًا أمام الكونغرس، وكان هذا الاتصال الهاتفي الثاني بين الزعيمين في ذلك اليوم، حيث عبر "ترامب" لـ"نتنياهو" في الاتصال الأول عن غضبه من الضربة الإسرائيلية السابقة على العاصمة اللبنانية، ووصف الأخير بأنه "يفتقر تمامًا إلى الحكمة".
- تحذير مسئولين أمريكيين "عباس عراقجي" وزير الخارجية الإيراني، و"محمد باقر قاليباف" رئيس البرلمان الإيراني من استهدافهم من قبل إسرائيل معربين عن مخاوف تتعلق بخطط تل ابيب لاغتيال كبار المفاوضين الإيرانيين في الأسابيع التي أعقبت وقف إطلاق النار في 8 أبريل 2026، والذي أنهى القتال في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، كذلك طلبوا من نظرائهم في دول أخرى بالمنطقة تحذير طهران من احتمال استهداف إسرائيل للرجلين.
- تأكيد الرئيس الأمريكي "ترامب": أن القادة الإيرانيين الحاليين أكثر عقلانية، وأن هناك توافق مع الإيرانيين، وتبنى لغة جديدة أكثر مرونة، كما ذكر أنه لا يبحث عن تغيير النظام في طهران، ولكن عن عدم امتلاك إيران لسلاح نووي، وأن المواجهة مع إيران لم تكن حربًا ولكن مجرد عملية لمنع امتلاك السلاح النووي.
- القناة 12 الإسرائيلية أفادت بأن إسرائيل طلبت من الولايات المتحدة الأمريكية الاطلاع على نص الاتفاق النووي مع إيران إلا أن طلبها قوبل بالرفض، وأوضحت أن أحد أسباب رفض الطلب هو خشية إدارة الرئيس الأمريكي من تسريب رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" للاتفاق قبل إصداره رسميًا، مما حجب عن المسؤولين الإسرائيليين بنود التفاهمات الأخيرة قبل التوقيع، وهو ما عظم الخلاف في وجهات النظر بين الطرفين فيما يخص إيران، ويمكن تفسير الخلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن استمرار الحرب ضد إيران بالتالي:
- التخوف من الفشل الاستراتيجي واهتزاز الصورة الذهنية:
في الوقت الذي وازنت فيه الإدارة الأمريكية برئاسة " دونالد ترامب" بين صورتها الذهنية أمام العالم وكونها أقوى جيوش العالم والأكثر تجهيزًا ، وبين الهزيمة الاستراتيجية من دولة كإيران تخضع للعقوبات منذ السبعينات، وتعاني من عدد من الأزمات الاقتصادية والسياسية، لاسيما فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان والتعامل مع الأقليات، وبين امتعاض المواطن الأمريكي من سوء الأحوال الاقتصادية نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ومصداقية الرئيس الأمريكى والإدارة الأمريكية أمام الرأي العام داخل بلاده، والتي أضحت على المحك سواءً منذ اليوم الأول لشن الحرب، أو منذ توقف العمليات العسكرية، خاصة من حيث تذبذب تصريحات الرئيس الأمريكي وكبار مسئولي إدارته، ليس فقط بشأن الأمور التكتيكية أو الثانوية أو الفرعية المتصلة بالحرب، بل حتى فيما يتعلق بأمور رئيسية وجوهرية وأساسية فى هذا المجال، وعلى الجانب الآخر، نرى تل أبيب تحاول أن تخفي فشلها الاستراتيجي وهزيمتها في الحرب ضد إيران، وذلك من خلال الدعوة للتصعيد، والإصرار على مواصلة الحرب والحيلولة دون الوصول لتسوية مع طهران لوقف الحرب على عكس واشنطن شريكتها في الحرب.
- مغازلة حكومة "نتنياهو" لليمين المتشدد:
يسعى "نتنياهو" المقبل على انتخابات وشيكة للكنيست الإسرائيلي في 27 أكتوبر 2026، وقد يتم تبكير هذه الانتخابات بحيث يقدم موعدها إلى منتصف سبتمبر 2026، ويحتاج "نتنياهو" للحفاظ على ائتلافه الحاكم للفوز بالانتخابات القادمة دعم اليمين المتشدد، فيما تعترض الأوساط اليمينية بشدة على وقف الحرب ضد إيران وتدفع باتجاه استمرارها للقضاء على النظام الإيراني، وقد وصف شريكا "نتنياهو" في الائتلاف اليميني المتشدد، "بتسلئيل سموتريتش" وزير المالية و"إيتمار بن غفير" وزير الأمن القومي الاتفاق بأنه "خطير"، وأعلنا أن إسرائيل لا تعتبر نفسها ملزمة به، وبالتالي فإن موافقة رئيس الوزراء على وقف الحرب من شأنها أن تؤثر سلبًا على ائتلافه الحاكم، وتجعله أمام أزمة تتمثل في افتقاره للأغلبية اللازمة لضمان الفوز بولاية جديدة، لذا يسعى "نتنياهو" للتودد للأحزاب اليمينية لاجتذاب تأييدها من خلال استمرار الحرب ومخالفة "ترامب".
- إقرار إسرائيل لمعادلة بعينها في الجنوب اللبناني:
ترغب الحكومة الإسرائيلية بفرض وإقرار واقع أمني جديد بعينه في الجنوب اللبناني، عبر فرض ما تعتبره "منطقة أمنية" عازلة بعمق يتجاوز 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وتتخذ تل أبيب إجراءات عملية على الأرض تشمل نقل بوابات السياج الحدودي إلى نقاط متقدمة، واشتراط آليات رقابة صارمة قبل تسليم أي قرى للجيش اللبنانى، وسط تأكيد تمسكها بالعمليات العسكرية رغم اتفاق الإطار المُبرم برعاية أمريكية، فقد أعادت إسرائيل رسم الشريط الحدودي، مع تقييد حركة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) داخل العمق اللبناني، حيث تُمارس السيطرة العسكرية على هذه المناطق، وتمنع عودة المواطنين اللبنانيين إلى عشرات البلدات المدمرة، كما أعلنت إسرائيل تأجيل خطط التسليم التدريجي لعدد من القرى (مثل الغندورية وفرون) للجيش اللبناني، مشترطة توافر آلية رقابة محكمة تحظر التواجد المسلح لـ "حزب الله" مسبقاً، وهو ما يربطه مراقبون بالمماطلة لكسب الوقت لحين اكتمال التفاهمات السياسية.
- رغبة إسرائيل بفصل الملف اللبناني عن الإيراني:
تسعى إسرائيل إلى فصل الملف اللبناني عن المفاوضات والتفاهمات الأمريكية-الإيرانية لضمان حرية العمل العسكري ضد "حزب الله"، ومنع إيران من تكريس معادلات ردع جديدة أو ربط ساحات المنطقة، كذلك القضاء بشكل نهائي على مفهوم "وحدة الساحات" الذي أرسته إيران وحلفاؤها في المنطقة وعانت منه إسرائيل إبان اندلاع الحرب التي شنتها على غزة بعد 7 أكتوبر 2023 "السيوف الحديدية" التي جاءت ردًا على عملية "طوفان الأقصى" التي قامت بها "حماس" ضد سكان مستوطنات غلاف غزة، إضافة لرغبة إسرائيل في بتر كل الأذرع الإيرانية في المنطقة.
- محاولة إسترضاء مستوطني الشمال:
مع إقبال "نتنياهو" وائتلافه الحاكم على خوض الانتخابات الوشيكة، يسعى "نتنياهو" لكسب رضا سكان مستوطنات الشمال، الذين سخطوا على أداء الحكومة ورئيس الوزراء، ويرون أنهم تكبدوا الكثير بسبب عدم نزع سلاح "حزب الله" ، وضرورة استمرار الحرب ضد النظام الإيراني الداعم لـ"حزب الله" وضرورة القضاء عليه، لينعم سكان هذه المستوطنات بالأمن والاستقرار، ويعودوا لمناطقهم التي هجروا ونزحوا منها، لاسيما مع انخفاض شعبية "نتنياهو" بشكل عام لدى الشارع الإسرائيلي، وانخفاضها بشكل خاص لدى سكان الشمال، فبحسب استطلاع رأي أجرته مختبرات "أجام" التابعة للجامعة العبرية في إسرائيل في مايو 2026، فإن سكان الشمال وهم الأكثر عرضة لصواريخ حزب الله تخلوا عن حزب "الليكود" بزعامة "نتنياهو" بصورة أسرع من الناخبين في مناطق أخرى، ويوجهون إليه انتقادات أشد على خلفية الحرب في لبنان، كذلك يظهر الاستطلاع كيف أن "نتنياهو" أصبح محاصرًا بشكل متزايد بين الاعتبارات الانتخابية الداخلية والجهود الدبلوماسية لحلفائه في واشنطن، وطبقًا لاستطلاع آخر نشرته صحيفة "معاريف الإسرائيلية"، يوم الجمعة 12/6/2026، خسر حزب الليكود 3 مقاعد مقارنة باستطلاع سابق، ليتراجع إلى 22 مقعدًا في الكنيست (البرلمان) المؤلف من 120 مقعدًا، ويُعد هذا الرقم الأدنى للحزب منذ نحو عام، وهذه تعد المرة الأولى التي يتفوق فيها "غادي آيزنكوت" زعيم حزب "يشار" ورئيس الأركان الأسبق، على "نتنياهو" رئيس الوزراء الحالي في استطلاع للرأي أجرته القناة 12 الإسرائيلية الخاصة، باعتبار الأول الشخصية الأنسب لرئاسة الحكومة مع اقتراب الانتخابات المقبلة، فوفق نتائج الاستطلاع ، حصل الأول على 38% من تأييد المشاركين مقابل 35% فقط للأخير.
وباختلاف المصالح والأهداف بين واشنطن وتل أبيب نجد أن القرارات تعارضت، ولكن لايمكن التعويل بشكل كامل على هذا الخلاف فهو خلاف عارض، والحقيقة الأمر أن وقت توافق وتلاقي المصالح يختلف الأمر، لاسيما وأن هناك مبدأ راسخ، وهو أن الولايات المتحدة تحمي الأمن الإسرائيلي في المنطقة، حتى ولو كان لبعض الوقت هناك تغليب للمصالح الأمريكية وفقًا لمبدأ "أمريكا أولاً"، ولكن تبقى أمريكا والغرب في خدمة إسرائيل ومصالحها في المنطقة، مما يؤكد أنه من الخطأ التعويل على الخلافات العاضة بين الولايات المتحدة وإسرائيل للمساومة لتحقيق مكاسب في المنطقة.