بث تجريبي

د. شيرين النجار تكتب: هل أصبحت الحرب على إيران عبئًا سياسيًا على ترامب؟

تتسم سياسة الأمم المتحدة تجاه إيران في هذه الفترة بتركيز مكثف على مسارين رئيسيين فرضا نفسهما نتيجة التطورات الميدانية والسياسية المتسارعة، أهمها هو الاحتواء الأمني والدبلوماسي لمنع التصعيد العسكري، والمراقبة الصارمة لملف حقوق الإنسان.

ويمكن تلخيص المفهوم العام لهذه السياسة في عدة محاور، أهمها إدانة التصعيد الإقليمي والدعوة إلى ضبط النفس. فنلاحظ القرارات الأممية الحازمة، إذ تبنى مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2817 بأغلبية واسعة، وبمباركة الولايات المتحدة بالتأكيد، والذي أدان بأشد العبارات الهجمات الصاروخية وبطائرات الدرون الإيرانية التي استهدفت دول الجوار والمنطقة مثل دول الخليج والأردن، إثر المواجهات العسكرية التي اندلعت في فبراير الماضي.

ونرى أيضًا تأمين الممرات المائية، حيث ركزت الأمم المتحدة بشكل صارم على ضرورة وقف أي تهديدات أو إغلاق لمضيق هرمز، معتبرة أن سلامة الملاحة الدولية في هذا الممر الحيوي ضرورة قصوى للاقتصاد العالمي والدول النامية.

كما أن القوى السياسية في أمريكا تدير وتصر على دعم الحلول الدبلوماسية فقط، بعد الضغط الشعبي ضد المواجهات العسكرية، ونلاحظ أيضًا أن الأمانة العامة للأمم المتحدة، وبمباركة أمريكية، تدفع بقوة نحو إنجاح المفاوضات غير المباشرة التي انطلقت برعاية في قطر، لتثبيت اتفاقات التهدئة ووقف الأعمال العدائية بين إيران والولايات المتحدة، محذرة من أن العودة إلى الصراع الشامل ستكون كارثية على الاقتصاد العالمي والأمريكي أيضًا.

ونلاحظ أن الإدارة الأمريكية قامت بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الملف النووي الإيراني، حيث طالبت الأمم المتحدة بالتعاون الكامل والشفاف مع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والالتزام بالاتفاقيات الدولية لمنع تطوير أي قدرات عسكرية نووية، وضمان سلمية البرنامج بالكامل، كجزء من شروط أي رفع مستقبلي للعقوبات الدولية.

فمنذ اندلاع الحرب ضد إيران في 28 فبراير 2026، والتي أطلقت عليها الولايات المتحدة اسم عملية Epic Fury، شهد الشارع الأمريكي انقسامًا حادًا وردود فعل شعبية واسعة النطاق، تراوحت بين الاستياء الاقتصادي والاحتجاجات الميدانية والاستقطاب السياسي الحاد.

فقد أظهرت استطلاعات الرأي، مثل استطلاعات Marist Poll وReuters/Ipsos، أن النظرة العامة للحرب تميل إلى السلبية، وسط رفض غالبية المجتمع الأمريكي. ففي بداية الحملة العسكرية في مارس 2026، عبر نحو 56% من الأمريكيين عن معارضتهم للعمل العسكري، وبحلول شهري مايو ويونيو أكد 52% أن هذه الحرب لم تكن تستحق التدخل العسكري.

وبالنسبة للعبء الاقتصادي، فقد أبدى الشارع الأمريكي قلقًا بالغًا من التبعات الاقتصادية، حيث أشار ثلثا المواطنين إلى تضرر ميزانياتهم الشخصية بسبب القفزة الكبيرة في أسعار الوقود الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز، فضلًا عن امتعاضهم من الكلفة المالية للحرب التي تخطت حاجز 113 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب.

وأدى هذا التدخل العسكري إلى الاستقطاب الحزبي والسياسي في المجتمع الأمريكي، فقد انقسمت الآراء الشعبية بوضوح تبعًا للتوجهات الحزبية. فأيد نحو 84% من المنتمين للحزب الجمهوري الضربات العسكرية، معتبرين إياها خطوة ضرورية لإنهاء التهديد النووي الإيراني وردع النظام بعد قمع الاحتجاجات الداخلية في بداية العام.

وعارض الحرب ما يقرب من 86% من الديمقراطيين و61% من المستقلين، معبرين عن رفضهم لسياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب في التعامل مع هذا الملف.

وشهدت المدن الأمريكية الكبرى موجة تظاهرات مستمرة منذ اليوم الأول للضربات، حيث تجمّع مئات المحتجين أمام البيت الأبيض وفي محيط الكونجرس بشكل متواصل رغم تقلبات الطقس، ورفع المتظاهرون شعارات مثل: "أوقفوا قصف إيران" و"ارفعوا أيديكم عن إيران".

وتزايدت الاحتجاجات على الضحايا المدنيين مع تقارير عن سقوط ضحايا مدنيين في إيران، مثل قصف مدرسة "ميناب" الابتدائية. كما نظمت مجموعات مناهضة للحرب فعاليات رمزية أمام الكابيتول، مثل وضع حقائب مدرسية للأطفال تعبيرًا عن الاحتجاج، بمشاركة نواب من الحزب الديمقراطي.

وكانت حركات العصيان المدني التي قادها قدامى المحاربين Veterans وعائلاتهم قد نفذت اعتصامات داخل مبنى مكاتب مجلس النواب، مما أسفر عن اعتقال أكثر من 62 شخصًا في أبريل الماضي. كما امتدت التظاهرات إلى مدن رئيسية مثل نيويورك في تايمز سكوير، ولوس أنجلوس، وسان فرانسيسكو.

أما بالنسبة للجالية الأمريكية الإيرانية، فقد شهدت بعض التجمعات تظاهرات مضادة، حيث أيدت أجزاء من الجالية الإيرانية في أمريكا الضربات في البداية، ظنًا منها أنها قد تؤدي إلى تغيير النظام، مما خلق مواجهات كلامية مع المجموعات المناهضة للحرب.

وعلى الرغم من الخطابات الحماسية والتهديدات القوية التي يطلقها الرئيس دونالد ترامب في العلن، إلا أن هناك مخاوف حقيقية وهواجس سياسية واقتصادية تفرضها حركة معارضة الحرب على إدارته.

وتعد خسارة الكتلة الانتخابية الحرجة، والمتمثلة في المستقلين والجمهوريين المعتدلين، من أكبر مخاوف ترامب السياسية، إلى جانب التآكل المستمر في شعبيته خارج قاعدته الصلبة.

ووفقًا لاستطلاعات الرأي الأخيرة، مثل PRRI في يونيو 2026، تسببت الحرب في تراجع حاد في تأييده بين المستقلين، حيث يعارض 61% منهم الحرب، مع انخفاض ملحوظ بنسبة 17% في شعبيته بين الجمهوريين المعتدلين والميالين للحزب الجمهوري، مما يهدد وحدة الحزب وفرصته السياسية المستقبلية في السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب في نوفمبر القادم.

وقد أدى التراجع الاقتصادي الحاد إلى التأثير على شرعيته الاقتصادية، إذ بنى ترامب جزءًا كبيرًا من سرديته السياسية على قدرته على إدارة الاقتصاد وتحقيق الرخاء. كما تضغط المعارضة الشعبية المتصاعدة بقوة في هذا الملف، لأن الحرب تسببت في قفزة هائلة في أسعار الوقود والتضخم نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

ووصل استياء الأمريكيين من إدارته للاقتصاد إلى رقم قياسي بلغ 63% من عدم الرضا، بحسب استطلاعات YouGov في يونيو، إلى جانب تكلفة عسكرية تجاوزت 113 مليار دولار، مما يجعل حجة المعارضين بأن هذه الأموال كان يجب أن تُنفق محليًا تحظى بقبول شعبي واسع.

كما بدأ شبح حرب العراق الثانية وفقدان السيطرة يطارد الإدارة الأمريكية، إذ يخشى ترامب من نجاح المعارضة في ترسيخ مقارنة هذه الحرب بحرب العراق عام 2003.

وأيضًا، اتهمت منظمات مدنية كبرى، مثل مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية CAIR، الإدارة بفبركة مبررات الحرب، كما أن تزايد التقارير عن سقوط ضحايا مدنيين في إيران، مثل قصف مدرسة ميناب، يغذي شعور الشارع بأن أمريكا تورطت في مستنقع جديد لا يمكن الخروج منه بقيادة إسرائيل، وهو ما يناقض وعد ترامب القديم بإنهاء الحروب التي لا تنتهي.

وقد أدى اتساع رقعة العصيان المدني إلى زيادة الضغوط على الاستقرار الداخلي، إذ إن الزخم الذي تكتسبه حركة الاحتجاجات يمثل صداعًا أمنيًا وإعلاميًا للإدارة. فلم تعد الاحتجاجات تقتصر على تظاهرات الشوارع، بل انتقلت إلى اعتصامات داخل مباني الكونجرس، مثل اعتقالات مبنى Cannon House لجمعيات قدامى المحاربين.

كما أن الضغط المتزايد من الجناح التقدمي والديمقراطي في الكونجرس لتقييد صلاحيات الحرب ووقف تمويل العمليات العسكرية أضاف مزيدًا من الضغوط على الرئيس الأمريكي.

ويخشى ترامب أن تؤدي هذه الحرب، التي أرادها ضربة خاطفة ومقنعة لإسقاط النظام أو شل قدراته، إلى أزمة داخلية طويلة المدى تعيد تشكيل الرأي العام الأمريكي ضده، وتنهي مستقبله السياسي وسيطرته على المجالس الأمريكية، وخاصة مع تزايد قناعة 52% من الأمريكيين بأن هذه الحرب كانت غير مبررة.

قد يهمك