شكلت الجغرافيا السياسية السورية تاريخياً مختبراً بالغ التعقيد لتيارات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة «الإخوان»؛ فلم تكن الجماعة يوماً فصيلاً محلياً مجرداً، بل جسدت «العقدة» التي تشابكت في مفاصلها الأيديولوجيا المتطرفة بالبراغماتية النفعية السلطوية، وصراع السلطة بآليات الهيمنة الإقليمية، وأدوات العنف بالعمالة الخارجية.
إن التحولات الدراماتيكية التي كابدتها سوريا منذ تأسيسها، وصولاً إلى صعود نظام أحمد الشرع، لا تكشف عن ديناميات الصراع الداخلي السوري فحسب، بل تقرأ بجرأة تفكيكية بنية «عقدة الإخوان»؛ تلك الجماعة التي تذبذبت مواقفها تحالفاً وتناقضاً وتراجعاً، وتلطخت أيديها بسفك الدماء، مستميتةً لإعادة إنتاج نفسها في مشهد سوري وإقليمي أسقط لغة الشعارات، وبات محكوماً بفرض الأمر الواقع عبر القوة السياسية والعسكرية، والتخادم الوظيفي مع القوى المهيمنة، لتغدو الجماعة في المحصلة جسراً، وقناة تبادلٍ، وحاضنةً لداعش والقاعدة، وعبئاً تاريخياً كبيراً أثقل كاهل سوريا وشعبها.
"من هم إخوان سوريا؟ (الأصول وبنية التناقض الداخلي)
تأسست جماعة الإخوان في سوريا في منتصف أربعينيات القرن الماضي على يد مصطفى السباعي، متأثرةً بالأفكار المنحرفة لحسن البنا وجماعته. إلا أن الخصوصية السورية فرضت شروطها منذ البداية؛ فالمجتمع السوري، بتعدديته الطائفية والإثنية والسياسية، أجبر الجماعة في مرحلتها الأولى على التخفي خلف خطاب «الديمقراطية البرلمانية» كقناع مرحلي، مواريةً نزعتها الإقصائية الأصيلة لتمكين التنظيم وتثبيت ركائزه.
ومع ذلك، حملت البنية التكوينية للإخوان بذور تناقضها وعوامل انتهازيتها البنيوية؛ إذ انقسمت الجماعة فكرياً وتكتيكياً بين تيارين بارزين: «تيار دمشق» الأقرب إلى العمل المدني والنخبوي والمساومة السياسية، و«تيار حلب وحماة» الأكثر راديكالية ومحافظة، والمتأثر بالأفكار القطبية (نسبة إلى سيد قطب) التي ترى في الصدام العنيف مع الدولة خياراً حتمياً. هذا التشظي البنيوي حرم الجماعة الإرهابية تاريخياً من القيادة الكاريزمية الموحدة، وجعل قراراتها في المحطات الكبرى تتأرجح بين الانتهازية السياسية الفجة والاندفاع المسلح غير المحسوب، الذي دفع المجتمع السوري ثمنه غالياً من أمنه واستقراره.
صراعهم لأجل السلطة منذ استقلال سوريا (الوهْم البرلماني والاصطدام)
عقب استقلال سوريا عام 1946، دخل الإخوان المعترك البرلماني وحققوا نجاحات نسبية، مستغلين الفراغ الفكري والاضطراب السياسي. لكن رؤية الجماعة للسلطة كانت تعاني من قصور تحليلي وعمى استراتيجي؛ حيث اعتبرت الصندوق البرلماني وسيلة للوصول وليس إيماناً بالتعددية، متغافلة عن صعود القوى الأخرى، وبزوغ نجم الفكر القومي والبعثي داخل المؤسسة العسكرية.
تجلت الانتهازية السياسية للجماعة في مواقفها من الأنظمة المتعاقبة المتلاحقة في سوريا، وموقفها المتذبذب من الوحدة مع مصر، حيث رحبت بها أولاً بدافع دغدغة العواطف، ثم انقلبت عليها عندما أدركت بعد ثورة 1953 في مصر أنه لن يسمح بوجود تنظيم موازٍ للدولة. كان هذا الصراع المبكر يكشف عن أزمة الإخوان المزمنة: عدم القدرة على صياغة مشروع وطني عابر للأيديولوجيا، والنظر إلى الدولة كأداة للتمكين العقائدي لا كعقد اجتماعي لجميع المواطنين.
أيام الأسدين الأب والابن (من الانتحار السياسي إلى صالونات النفي)
مثّل وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970 نقطة التحول الأعنف في تاريخ الجماعة. واجهت الجماعة تلك المرحلة بجهل استراتيجي فاضح، وسمحت للتيار الطليعي الراديكالي (بقيادة مروان حديد) بجر التنظيم إلى مواجهة مسلحة غير متكافئة مع نظام شمولي قمعي. أتت أحداث حماة عام 1982 لتشكل الإنهاء الفعلي للوجود التنظيمي للإخوان داخل سوريا، تلاها إصدار القانون رقم 49 لعام 1980 الذي جعل الانتماء للجماعة جناية عقوبتها الإعدام.
خلال عهد بشار الأسد، حاولت الجماعة من منافيها في لندن وإسطنبول وعمّان ممارسة لعبة "التحتية السياسية". فتحالفت في "إعلان دمشق" عام 2005 مع قوى علمانية وليبرالية لتبييض صورتها الدولية، بل وذهبت إلى أبعد من ذلك بالتحالف مع عبد الحليم خدام (نائب رئيس الجمهورية المنشق) في "جبهة الخلاص الوطني"، وهو تحالف عكس انتهازية سياسية فجة؛ إذ وضعت الجماعة يدها في يد أحد أركان النظام الأساسيين الذين ساهموا في سحقها وتدمير حماة في الثمانينيات، مما يثبت أن مصلحة التنظيم تتقدم دائماً على المبادئ وأوجاع الضحايا والناس.
تفاعلهم مع أحداث الأزمة السورية (التصدر الفضفاض والفشل)
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، ظنّ الإخوان أن لحظة القصاص التاريخي والتمكين قد حانت، مدفوعين بصعود أقرانهم في مصر وتونس. إلا أن أداء الجماعة في الثورة السورية كان دليلاً على عقمها السياسي وسقوطها الأخلاقي، حيث ركزت جهودها على محورين:
أولاً، الهيمنة على مؤسسات المعارضة كـ "المجلس الوطني السوري" ثم "الائتلاف الوطني"، مستخدمة الدعم المالي واللوجستي الإقليمي لإقصاء القوى المدنية والديمقراطية. هذه الهيمنة أدت إلى عسكرة مبكرة وتطييف للحراك، وشوهت التطلعات المدنية الأولى للثورة.
ثانياً، الغياب الكامل عن الأرض؛ حيث عاشت قيادات الإخوان في الفنادق والعواصم الإقليمية، وفشلت في إيجاد حاضنة شعبية حقيقية داخل سوريا، واكتفت باعتصار التمويل وشراء الولاءات وتأسيس كتائب مسلحة وهمية أو ضعيفة، مما خلق فجوة هائلة بين "معارضة الفنادق" و"مقادير الخنادق". لقد ساهم الإخوان، عبر براغماتيتهم النفعية، في تفتيت القرار الوطني السوري وجعله رهينة للمحاور الإقليمية.
الإخوان كحاضنة وممر للتنظيمات الإرهابية (القاعدة وداعش)
إن النقد الأكثر عمقاً وخطورة لنهج الإخوان في سوريا يكمن في دورهم الوظيفي كـ "حاضنة فكرية وممر لوجستي وسياسي" ولدت من رحمها وتغذت عليها التنظيمات الأكثر راديكالية وإرهاباً مثل تنظيم "القاعدة" (جبهة النصرة) وتنظيم "داعش".
من الناحية الفكرية، شيدت أدبيات الإخوان القائمة على "الحاكمية" و"التمكين" و"جاهلية المجتمع" الأرضية العقائدية التي انطلقت منها هذه التنظيمات. وعندما بدأت الأزمة السورية، فتح الإخوان الباب على مصراعيه للخطاب الطائفي والجهادي العنيف تحت غطاء "نصرة المظلوم"، ووفروا الغطاء السياسي والشرعي والمالي الأولي للمقاتلين الأجانب التكفيرين والمجموعات المتطرفة عبر منصاتهم الإعلامية ومؤسساتهم الإغاثية.
لقد تعاملت الجماعة بانتهازية مفرطة مع هذه التنظيمات في بداياتها، معتبرة إياها "أدوات خشنة" يمكن استخدامها لإسقاط النظام، ثم قطف الثمار السياسية لاحقاً. بيد أن هذا السلوك الانتهازي انقلب وبالاً عليها؛ إذ سرعان ما ابتلعت هذه الكيانات العقائدية الأكثر شراسة ونفوذاً الفضاء المسلح، مستفيدة من البنية التحتية والبيئة التعبوية التي هيأها الإخوان، ليتحول التنظيم تاريخياً وفعلياً إلى مجرد "جسر عبور" وراعية شرعية أنتجت في المحصلة "داعش" و"القاعدة".
نشاطهم وموقعهم من نظام أحمد الشرع (صراع البراغماتيات المتلونة)
مع التغير الجذري الشامل في المشهد السوري وأفول نظام بشار الأسد، برز واقع جديد مع أحمد الشرع. والشرع نفسه يمثل نموذجاً صارخاً للتحول البراغماتي القائم على الانتهازية السياسية وسفك الدماء؛ فهو الذي قاد "جبهة النصرة" الإرهابية وبايع تنظيم القاعدة، ومارس أبشع أنواع الانتهاكات والتصفيات ضد الفصائل الأخرى والمدنيين، قبل أن ينقلب على ماضيه، ويخلع عباءته الجهادية، ويعيد إنتاج نفسه كـ "رجل دولة" وقائد وطني يقود حكومة مدنية بمسوح انفتتاحية كاذبة لخطب ود الغرب الذين أوصلوه لحكم سوريا.
هنا تلتقي انتهازية الإخوان بانتهازية أحمد الشرع في مشهد يعكس قمة التلون السياسي:
- من جهة الإخوان، ينظرون إلى نظام الشرع بنظرة نقدية يملؤها الحقد والحذر؛ يرون فيه مغتصباً للمشروع الإسلامي السوري الذي ناضلوا لأجله لعقود، ويخافون من سطوته العسكرية. ورغم ذلك، وتأكيداً لنهجهم البراغماتي، لا يجد الإخوان حرجاً في محاولة التسلل والتملق لنظام الشرع الجدید عبر مفاصل الإدارات المدنية والتعليمية والنقابية، طمعاً في الحصول على أي مكاسب أو حصة في السلطة الجديدة.
- من جهة نظام أحمد الشرع، فهو ينظر إلى الإخوان بازدراء ونقد لاذع؛ يراهم تنظيماً هَرِماً، عاجزاً، ومتهالكاً بلا قواعد حقيقية على الأرض. ويتعامل معهم ككروت سياسية رخيصة ومستهلكة يستخدمها لتحسين علاقاته مع بعض الدول الإقليمية ولإضفاء شرعية شكلية على حكمه، مع حرصه الكامل على تهميشهم ومنعهم من أي نفوذ حقيقي في مفاصل الدولة السورية الجديدة.
ربطهم بالحضور الإقليمي للجماعة ونفوذهم (تراجع الراعي والمحور)
ارتبط صعود وهبوط إخوان سوريا بالديناميات الإقليمية. ففي سنوات ما تم تسميته "الربيع العربي" الأولى، شكلت الجماعة رأس حربة للمحور التركي-القطري، ظانين أنهم سيقودون المنطقة. لكن التحولات الإقليمية الكبرى والتغيرات في المصالح الدولية أعادت صياغة هذا الحضور، مسببة صدمة قاسية للتنظيم.
لقد فرضت الاستدارات السياسية الإقليمية نحو تخفيف التوتر وتقليل المشاكل قيوداً صارمة على نشاط الإخوان السياسي والإعلامي في عواصم نفوذهم السابقة، مما أدى إلى تقليص الهوامش الممنوحة للجماعة بشكل حاد. هذا التراجع الإقليمي كشف عمق التبعية وغياب الاستقلالية السياسية لدى إخوان سوريا، حيث تحولوا من لاعبين إقليميين مفترضين إلى أوراق تفاوضية مستهلكة يتم التضحية بها على مذبح المصالح الدولية والإقليمية.
الوصم الدولي لفروع الإخوان وتأثيره على الإخوان في سوريا
عانت جماعة الإخوان دولياً من موجات متلاحقة لتصنيفها كـ "تنظيم إرهابي" أو جماعة محظورة في عواصم عربية ودولية متعددة، فضلاً عن الملاحقات القانونية وتجفيف منابع التمويل. هذا الوصم الدولي، الناجم عن ارتباط فكر الجماعة بالعنف وتفريخ التطرف، انعكس سلباً وبشكل مباشر على فرع الجماعة في سوريا.
فقد أدى ذلك إلى تجفيف المنظومة المالية والتبرعات التي كانت تتدفق تحت غطاء العمل الإغاثي، مما شل قدرة الجماعة على تمويل شبكات الرعاية والولاءات. كما تسبب في نفور النخب السورية المستقلة والقوى الوطنية من التحالف مع الجماعة تجنباً للوصم الدولي أو العقوبات. وحاولت الجماعة مراراً غسل سمعتها عبر إصدار "وثائق عهد ومواثيق" تدعي تبني الدولة المدنية والتعددية، إلا أن هذه المحاولات واجهت دائماً تشكيكاً ورفضاً؛ إذ يُنظر إلى خطابها كـ "تقية سياسية" مفضوحة ومناورة مرحلية لا تغيّر من طبيعتها الإقصائية التأسيسية.
مستقبل جماعة الإخوان في سوريا
تجد جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها اليوم أمام انسداد تاريخي حتمي، وخيارات كلها تقود إلى الزوال والتهميش الفعلي، ويمكن حصر مساراتهم المستقبلية في ثلاثة احتمالات:
أولاً، التبعية المطلقة والذوبان في نظام أحمد الشرع؛ بأن تقبل الجماعة بدور الشريك الصغير والمطيع، وتنكفئ على العمل الدعوي أو التعليمي والخيري الهامشي تحت سقف أمني وعسكري صارم يحدده الشرع ورجاله، مما يعني نهاية مشروعها السياسي المستقل تماماً.
ثانياً، الانقسام والتشظي النهائي؛ حيث ينقسم ما تبقى من التنظيم المتهالك إلى تيارات متصارعة: تيار راديكالي ينكفئ على نفسه ويعود لأفكار المظلومية والقطبية السرية، وتيار نفعي يندمج في كيانات سياسية مشوهة جديدة محاولاً التخلص من اسم "الإخوان" هرباً من الملاحقة والوصم الدولي.
ثالثاً، التحول الكامل إلى "متحف سياسي" في المنفى؛ بحيث يتحول التنظيم إلى هيكل هرم يعيش في ذاكرة الماضي في عواصم الشتات، بلا أي تأثير أو وزن على الأرض السورية، وتقتصر ظاهريته على إصدار بيانات الاستنكار والمؤتمرات الصحفية الجوفاء التي لا تقدم ولا تؤخر في واقع سوريا الجديدة شيئاً.
خاتمة: العقدة التي لم تُحل
إن "العقدة" التي غيرت الجماعة تلخص مأساة الإسلام السياسي السوري؛ جماعة طالبت بالحرية ومارست الإقصاء، ناهضت الديكتاتورية وتحالفت مع رموزها الفاسدة، وادعت تمثيل الشعب بينما ظلت أسيرة للفنادق والارتهان الخارجي. والأخطر من ذلك، أنها كانت الحاضنة الشرعية والممر اللوجستي والفكري الذي خرجت من عباءته قوى الإرهاب كـ "داعش" و"القاعدة".
مع بزوغ الخارطة السياسية الجديدة لسوريا، وبصعود نظام أحمد الشرع الذي يمثل بدوره ذروة البراغماتية والتلون والانتهازية العسكرية، يبدو أن التاريخ يتجاوز جماعة الإخوان في سوريا، ليتركها خلفه كشاهد على سقوط مشروع سياسي وعقائدي تاه بين أوهام التمكين وشعارات الماضي الواهية.
=====
نقلاً عن مجلة الوطن العربي