بث تجريبي

مكاشفة الدكتور عبد الحسين شعبان.. الفيلسوف الذي حاور التاريخ ولم يساوم الإنسان

 لم تكن سيرة الدكتور عبد الحسين شعبان مجرد تتابعٍ زمني لمحطات حياة أكاديمي أو قانوني أو مفكر، بل هي رحلة عقلٍ قرر منذ بداياته أن يكون شاهدًا على عصره لا تابعًا له، وأن يقف في المسافة الأصعب بين اليقين والشك، وبين الإيمان بالعقل والانحياز للإنسان. فبعض الرجال لا تُقاس أعمارهم بعدد السنوات، وإنما بعدد الأسئلة التي أيقظوها في ضمير أوطانهم، وبعدد النوافذ التي فتحوها في الجدران المغلقة، والدكتور عبد الحسين شعبان واحد من أولئك الذين لم يكتفوا بقراءة التاريخ، بل حاولوا أن يقرأوا الإنسان وهو يصنع التاريخ، وأن يفتشوا عن العدالة في زمن كانت فيه القوة تكتب القوانين، وكان الصخب يعلو على صوت الحكمة.

في النجف، تلك المدينة التي لا تشبه المدن لأنها تجمع بين القداسة والفلسفة، وبين التراث والحوار، ولد الدكتور عبد الحسين شعبان. ولم تكن النجف بالنسبة إليه مكانًا جغرافيًا فحسب، بل كانت مدرسة وجودية صاغت شخصيته الأولى، حيث الأزقة القديمة كانت تحفظ خطى الفقهاء كما تحفظ همسات الشعراء، وحيث المنابر الدينية تتجاور مع المكتبات، وحيث اللغة العربية كانت تعيش بكامل نقائها، وتتلاقى فيها الأمم والثقافات واللغات تحت سقف المعرفة. هناك نما وعيه، وتشكلت رؤيته الأولى للعالم، فتعلم أن الاختلاف ليس لعنة، بل هو الشرط الأول للحضارة، وأن الإنسان لا يكتمل إلا بالآخر، وأن المدينة التي تستقبل الغرباء بمحبة، تصنع أبناءً يؤمنون بالتسامح أكثر من إيمانهم بالحدود.

كان انتماؤه إلى أسرة عريقة امتد حضورها في تاريخ النجف قرونًا طويلة يمنحه جذورًا ضاربة في التاريخ، لكنه لم يجعل من الماضي سجنًا، بل اعتبره منبعًا للحكمة لا قيدًا للعقل. فالتاريخ عنده ليس أصنامًا تُعبد، وإنما خبرة إنسانية ينبغي مساءلتها باستمرار، ولذلك ظل وفيًا لذاكرته العائلية والوطنية، مستلهمًا من مواقف أجداده في مقاومة الاحتلال والدفاع عن استقلال العراق معنى الانحياز إلى الكرامة الوطنية، دون أن يتحول ذلك إلى تعصب أو انغلاق.

حين انتقل إلى بغداد للدراسة، لم يكن يبحث عن شهادة جامعية بقدر ما كان يبحث عن اتساع الأفق. فجمع بين الاقتصاد والسياسة، ثم بين القانون والعلاقات الدولية، قبل أن يذهب إلى براغ ليغوص في فلسفة القانون، وهناك لم يتعلم كيف تُكتب النصوص القانونية فقط، بل كيف تتحول العدالة إلى سؤال فلسفي، وكيف يصبح القانون ميزانًا لكرامة الإنسان لا مجرد أدوات لإدارة السلطة. ومنذ تلك اللحظة لم يعد القانون بالنسبة إليه مادة أكاديمية، بل أصبح فلسفة أخلاقية تبحث عن الإنسان وسط ضجيج الدولة.

ولعل أكثر ما يميز مشروع عبد الحسين شعبان أنه لم يسمح لأي أيديولوجيا أن تستعبد عقله. فقد بدأ يساريًا، لكنه رفض أن يكون أسيرًا للنصوص الجامدة، وقرأ ماركس بعين الناقد لا بعين المريد، ورأى أن الفكر الذي لا يتجدد يتحول إلى متحف، وأن الفلسفة التي تخاف السؤال تموت قبل أن تكمل رسالتها. ولذلك ظل يدعو إلى مراجعة الماركسية، وإعادة تحريرها من الجمود، مؤمنًا بأن الأفكار العظيمة لا تُحفظ بالتقديس، وإنما بالنقد والتطوير. وكان يرى أن العقل الذي يكرر لا يصنع المستقبل، وأن الإنسان الحر لا يخاف من مراجعة أكثر القناعات رسوخًا.

ومن هنا جاءت كتاباته وكأنها حوار طويل بين الشرق والغرب، بين التراث والحداثة، بين النص والواقع، وبين الإنسان والدولة. فلم يكن يقرأ الفلاسفة ليجمع أسماءهم في ذاكرته، وإنما ليصنع من أفكارهم جسورًا تعبر عليها المجتمعات نحو مستقبل أكثر إنسانية. تأثر بماركس وغرامشي ولوكاش وهابرماس، كما تأمل فولتير ومونتسكيو وروسو وكانط، وعاد إلى ابن رشد وابن خلدون ونهج البلاغة والقرآن الكريم، ليؤكد أن الحضارة لا تُبنى بإقصاء المرجعيات، بل بالحوار بينها، وأن الحقيقة ليست ملكًا لفيلسوف واحد ولا لدين واحد ولا لحزب واحد.

وكان الأدب بالنسبة إليه الوجه الآخر للفلسفة. فقد عاش مع الجواهري حتى صار شعره جزءًا من ذاكرته، ورافق مظفر النواب والسياب ونازك والبياتي، وقرأ تولستوي ودوستويفسكي وهوغو وكامو، فصار يرى أن القصيدة ليست زينة لغوية، وإنما طريقة أخرى لفهم العالم، وأن الرواية ليست حكاية، بل مختبر للإنسان، وأن الموسيقى الكلاسيكية ليست ترفًا، بل لغة الروح حين تعجز الكلمات عن التعبير.

 وإذا كانت السياسة قد أفسدت كثيرًا من المثقفين، فإنها عند عبد الحسين شعبان تحولت إلى امتحان أخلاقي. فلم يقف مع السلطة لأنها سلطة، ولم يقف مع المعارضة لأنها معارضة، بل وقف مع الإنسان حيثما كان مظلومًا. أدان الحصار على العراق، ورفض الاحتلال الأمريكي لأنه انتهاك للقانون الدولي، ودافع عن القضية الفلسطينية باعتبارها معيارًا أخلاقيًا لاختبار الضمير الإنساني، ووقف إلى جانب الشعب الكردي في حقوقه المشروعة، وناصر المسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين والتركمان والأرمن وسائر المكونات الثقافية، لأنه كان يرى أن العدالة لا تتجزأ، وأن الدفاع عن حق الآخر هو دفاع عن إنسانيتنا جميعًا.

ومن هنا أصبح التسامح عنده مشروعًا فكريًا لا شعارًا سياسيًا. فهو لا يرى التسامح تنازلًا من القوي، بل اعترافًا متبادلًا بالكرامة الإنسانية. ولذلك ظل يبحث في التاريخ العربي والإسلامي عن الجذور الأخلاقية لهذا المفهوم، مستلهمًا حلف الفضول والعهدة العمرية وصلح الحديبية وغيرها من المحطات التي تثبت أن الحضارة العربية تملك في تراثها ما يؤسس لمستقبل يقوم على الاحترام لا الإلغاء، وعلى المواطنة لا الطائفة، وعلى الإنسان لا الهوية المغلقة.

ولذلك أيضًا كان من أوائل من دعوا إلى حوار عربي كردي، ثم إلى حوار بين العرب والفرس والترك والكرد، مؤمنًا بأن الجغرافيا لا يمكنها أن تستمر في إنتاج الحروب إلى الأبد، وأن الشرق يحتاج إلى عقل جديد يؤمن بالشراكة بدل الهيمنة، وبالمصالح المشتركة بدل أوهام الانتصارات الدائمة. لقد كان يحلم بمشرق يتصالح مع نفسه كما تصالحت أوروبا بعد حروبها الطويلة، ويرى أن السلام ليس هدنة مؤقتة، بل ثقافة تبدأ من المدرسة والجامعة والكتاب قبل أن تصل إلى موائد السياسة.

ولم يكن دفاعه عن اللاعنف موقفًا عاطفيًا، بل خلاصة تأمل طويل في تجارب البشرية. فقد وجد في غاندي ومانديلا ومارتن لوثر كينغ وعبد الغفار خان نماذج تثبت أن الكرامة لا تحتاج دائمًا إلى السلاح، وأن الوسيلة ليست أقل شرفًا من الغاية، وأن العدالة التي تُبنى على الظلم ليست عدالة، وأن الحرية التي تُولد من الكراهية ستنتهي إلى استبداد جديد.

لهذا لم يكن عبد الحسين شعبان مجرد مؤلف ترك أكثر من ثمانين كتابًا، بل كان مشروعًا معرفيًا متكاملًا يحاول أن يعيد تعريف وظيفة المثقف العربي. فالمثقف عنده ليس موظفًا في بلاط السلطة، ولا خطيبًا في سوق الشعارات، بل ضمير يقظ، يحرس الحقيقة حتى وهو يعلم أن الحقيقة قد تكلفه العزلة. ولذلك ظل طوال عقود يمارس الكتابة بوصفها مسؤولية أخلاقية، لا صناعة للنجومية، وظل يكتب لأن الكتابة عنده مقاومة للنسيان، واحتجاج على الظلم، ومحاولة دائمة لإعادة الإنسان إلى مركز الكون بعد أن حولته الحروب والأيديولوجيات إلى رقم في نشرات الأخبار.

وهكذا يقف الدكتور عبد الحسين شعبان اليوم بوصفه واحدًا من أهم العقول العربية التي استطاعت أن تجمع بين الفلسفة والقانون، وبين الأدب والسياسة، وبين النقد والإنسانية، وبين التراث والتجديد، ليقدم نموذجًا للمثقف الذي لا يسكن الأبراج العاجية، بل يمشي بين الناس حاملاً أسئلته الكبيرة.

لقد أثبت أن الفكر لا يكون عظيمًا إلا حين يلامس جراح البشر، وأن الثقافة لا تستحق اسمها إذا لم تكن دفاعًا عن الحرية، وأن الوطن ليس قطعة أرض فحسب، بل منظومة قيم، تبدأ بالعدل، وتنمو بالمواطنة، وتحتمي بالعقل، وتزدهر بالتسامح.

وربما لهذا سيظل اسم الدكتور عبد الحسين شعبان حاضرًا في الذاكرة العربية، لا باعتباره صاحب كتب كثيرة فحسب، بل لأنه جعل من حياته كتابًا مفتوحًا عنوانه الأكبر: الإنسان قبل كل شيء.

قد يهمك