أكد الكاتب الصحفي المصري بلال الدوي أن ثورة 30 يونيو مثلت نقطة تحول فارقة في تاريخ الدولة المصرية، بعدما نجحت في إنقاذ مؤسساتها من مخطط كان يستهدف تغيير هويتها وإضعاف بنيتها الوطنية.
وقال، في حوار خاص لموقع "المبادرة"، إن الثورة لم تكن مجرد احتجاجات شعبية ضد حكم جماعة الإخوان، وإنما كانت "استعادة للدولة" بكل مؤسساتها، مشيرًا إلى أن السنوات التي أعقبتها شهدت تحولات واسعة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والدبلوماسية، أعادت لمصر مكانتها الإقليمية والدولية، وفي المقابل وجهت ضربة قاسية لتنظيم الإخوان الإرهابي الذي فقد، بحسب وصفه، شرعيته الشعبية ومشروعه السياسي داخل مصر.
إلى نص الحوار:
*كيف تقرأ دلالة ثورة 30 يونيو بعد مرور سنوات على اندلاعها؟
- عندما ننظر إلى ثورة 30 يونيو بعيدًا عن الانفعالات السياسية، نجد أنها شكلت لحظة فاصلة في تاريخ الدولة المصرية الحديثة. فالملايين التي خرجت إلى الشوارع لم تكن تتحرك بدافع حزبي أو أيديولوجي، وإنما بدافع الخوف على مستقبل الدولة ومؤسساتها وهويتها الوطنية. لذلك أرى أن 30 يونيو لم تكن مجرد تغيير في السلطة، بل كانت عملية إنقاذ للدولة من حالة استقطاب حادة كانت تهدد كيانها واستقرارها، وأعادت التأكيد على أن الإرادة الشعبية هي مصدر الشرعية الحقيقية.
* كيف توجز لنا وضع مصر في الفترة التي سبقت الثورة؟
- مصر في ذلك الوقت كانت تواجه تحديات غير مسبوقة. كانت هناك حالة من الانقسام المجتمعي، وتراجع واضح في الأداء الاقتصادي، ومخاوف من إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية جماعة بعينها. كما كانت مؤسسات الدولة تتعرض لضغوط كبيرة، وهو ما أثار مخاوف قطاعات واسعة من المصريين بشأن مستقبل البلاد. جاءت الثورة لتعيد الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية ومؤسساتها، وتحافظ على وحدة البلاد في مرحلة كانت شديدة الحساسية.
*كيف انعكس ذلك على الوضع الأمني؟
- الملف الأمني كان من أكثر الملفات تعقيدًا بعد 30 يونيو، لأن مصر واجهت موجة إرهابية عنيفة استهدفت الجيش والشرطة ودور العبادة والمنشآت العامة. لكن الدولة خاضت مواجهة طويلة، واستطاعت بفضل تضحيات القوات المسلحة والشرطة وأجهزة الدولة المختلفة والدعم الشعبي والوعي الوطني أن تستعيد السيطرة على الأوضاع الأمنية، وتحد من نشاط التنظيمات الإرهابية، وهو ما وفر بيئة أكثر استقرارًا سمحت ببدء عملية التنمية.
* ماذا عن الاقتصاد؟
- لا يمكن إنكار أن الاقتصاد واجه تحديات صعبة في البداية، لكن الدولة اتخذت سلسلة من الإصلاحات الهيكلية الكبرى، إلى جانب إطلاق مشروعات قومية ضخمة في البنية التحتية والطرق والطاقة والمدن الجديدة. هذه المشروعات لم تكن مجرد إنشاءات، وإنما كانت استثمارات في مستقبل الدولة وقدرتها على جذب الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال، رغم استمرار وجود تحديات اقتصادية ترتبط بالمتغيرات الإقليمية والدولية.
* كيف استعادت مصر مكانتها الخارجية بعد الثورة؟
- بعد 30 يونيو بدأت السياسة الخارجية المصرية تعتمد على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لطرف واحد. استعادت القاهرة حضورها في الملفات العربية والإفريقية والمتوسطية بقوة، وعادت لاعبًا رئيسيًا في العديد من الأزمات الإقليمية، سواء في القضية الفلسطينية أو الملف الليبي أو السودان أو أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط، وأخيرًا حرب إيران وأمريكا. كما توسعت علاقاتها مع قوى دولية وإقليمية متعددة، وهو ما منحها مساحة أكبر للحركة السياسية، ونحن نرى حجم الاهتمام من القوى الدولية بدور مصر والشراكة معها، ويتضح الأمر أكثر حين ننظر على سبيل المثال إلى طريقة استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للرئيس عبدالفتاح السيسي خلال قمة مجموعة السبع الكبار في فرنسا قبل أسابيع.
* كيف ساهمت الثورة في إعادة بناء مؤسسات الدولة المصرية؟
- بالفعل، لأن أي دولة قوية تقوم على مؤسسات مستقرة. بعد الثورة كان هناك اهتمام بإعادة تطوير المؤسسات الإدارية، وتعزيز كفاءة الأجهزة التنفيذية، وتحديث البنية التشريعية، وإطلاق برامج للتحول الرقمي، بالإضافة إلى تنفيذ مشروعات ضخمة في قطاعات التعليم والصحة والنقل والإسكان. كل ذلك يعكس رؤية لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر حداثة.
*كيف أثرت الثورة على جماعة الإخوان؟
- من وجهة نظري، كانت 30 يونيو تمثل هزيمة سياسية وتنظيمية كبيرة لجماعة الإخوان الإرهابية داخل مصر. فالجماعة فقدت السلطة، ثم فقدت جانبًا كبيرًا من الحاضنة الشعبية التي أوصلتها إلى الحكم، كما تعرضت بنيتها التنظيمية لتغيرات كبيرة. وأصبح مشروعها السياسي يواجه تحديات حقيقية بعد أن رفض قطاع واسع من المجتمع استمرارها في إدارة الدولة.
* هل يمكن القول إن الجماعة خسرت مشروعها بالكامل؟
- أعتقد أن الجماعة تلقت ضربة كبيرة للغاية، لكن أي تنظيم سياسي أو أيديولوجي قد يحاول إعادة إنتاج نفسه بطرق مختلفة. لذلك فإن المواجهة لا تكون أمنية فقط، وإنما أيضًا فكرية وثقافية وتعليمية، من خلال ترسيخ قيم الدولة الوطنية والمواطنة والوعي العام، حتى لا تتكرر أخطاء الماضي.
* كيف أثرت الثورة على الوعي الشعبي؟
- أرى أن أهم ما أنتجته 30 يونيو هو ارتفاع مستوى الوعي بأهمية الدولة الوطنية. المواطن أصبح أكثر إدراكًا لمخاطر الفوضى والانقسام، وأكثر اهتمامًا بالحفاظ على مؤسسات الدولة. كما أصبح هناك إدراك أكبر لطبيعة التحديات التي تواجهها المنطقة، وأن استقرار الدولة ليس أمرًا يمكن التساهل فيه.
* ما أبرز الإنجازات التي تحققت خلال السنوات التالية؟
- هناك إنجازات عديدة في مجالات الطرق والكباري، والطاقة، والإسكان، والمدن الجديدة، وتطوير الموانئ، والتحول الرقمي، وتحديث القوات المسلحة، تم بناء دولة جديدة، جمهورية جديدة، إضافة إلى برامج الحماية الاجتماعية. وقد تختلف التقييمات بشأن بعض السياسات، لكن لا خلاف على أن حجم المشروعات التي نُفذت خلال هذه الفترة كان غير مسبوق في تاريخ الدولة الحديثة، لذلك نقول إن ثورة 30 يونيو كانت بداية لجمهورية جديدة. تم تجديد الدولة المصرية عبر عديد من المشروعات القومية العملاقة رغم كل التحديات التي كانت تواجهها الدولة وخاصة في ظل الطروف الاقتصادية العالمية نتيجة الصراعات المتواصلة.
* كيف تنظر إلى دور القوات المسلحة في تلك المرحلة؟
- القوات المسلحة المصرية قامت بدور محوري في حماية مؤسسات الدولة خلال مرحلة شديدة التعقيد، واستجابت لمطالب جماهيرية واسعة. القوات المسلحة أنقذت مصر من السقوط. وبعد ذلك شاركت في دعم جهود التنمية وتنفيذ العديد من المشروعات الاستراتيجية، إلى جانب دورها الأساسي في حماية الأمن القومي المصري.
* ما الرسالة التي توجهها للأجيال الجديدة بشأن 30 يونيو؟
- أدعو الشباب إلى قراءة الأحداث من خلال الوثائق والحقائق، وليس فقط عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو الروايات المتداولة. ففهم التاريخ يحتاج إلى معرفة الظروف التي أحاطت بكل مرحلة، حتى يمكن تقييمها بصورة موضوعية بعيدًا عن الانفعال أو الاستقطاب. وأعتقد أننا سنكون أمام أجيال مصرية أكثر وعيًا بفضل معركة الوعي التي خاضها الرئيس السيسي لتحصين الدولة في مواجهة حرب الشائعات التي قادتها الجماعة الإرهابية.
* كيف ترى مستقبل الدولة المصرية؟
- مصر تمتلك مقومات كبيرة تؤهلها لتحقيق مزيد من التقدم إذا استمرت في تطوير الاقتصاد، وتحسين التعليم، ودعم الصناعة، وجذب الاستثمارات، وتعزيز المشاركة المجتمعية. المستقبل يبنى بالعمل والإنتاج، والحفاظ على الاستقرار، والاستفادة من الدروس التي قدمتها التجارب السابقة.
* في ذكرى الثورة، ما هي الرسالة الأهم التي يجب أن تبقى حاضرة؟
- الرسالة الأهم هي أن الحفاظ على الدولة الوطنية مسؤولية مشتركة بين جميع المواطنين. قد تختلف الآراء السياسية، لكن يبقى استقرار الدولة ووحدة مؤسساتها وأمنها القومي هو الأساس الذي تُبنى عليه أي عملية تنموية أو ديمقراطية. وأعتقد أن هذا هو الدرس الأكبر الذي يمكن استخلاصه من تجربة 30 يونيو.