يصل المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص إلى العراق وسوريا، توم باراك، خلال الساعات المقبلة إلى بغداد ثم هولير، في أول زيارة له منذ تعيينه رسمياً في منصبه الجديد، حاملاً مجموعة من الملفات السياسية والأمنية المعقدة التي تتصدر المشهد العراقي في المرحلة الراهنة.
وتأتي الزيارة في وقت تشهد فيه الساحة السياسية العراقية حراكاً متسارعاً لاستكمال التشكيلة الحكومية لرئيس الوزراء علي فالح الزيدي، إلى جانب تصاعد الضغوط المرتبطة بملف حصر السلاح بيد الدولة ومستقبل الفصائل المسلحة.
وبحسب مصدر حكومي، فإن مباحثات باراك ستتناول عدداً من القضايا الرئيسية، من بينها استكمال الكابينة الوزارية والمناصب الشاغرة التي كانت تمثل استحقاقات لقوى وفصائل أعلنت رغبتها في إنهاء ارتباطها العسكري والاندماج ضمن مؤسسات الدولة، فضلاً عن بحث الترتيبات الخاصة بزيارة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن.
وتواصل حكومة الزيدي جهودها لاستكمال الوزارات غير المحسومة، في ظل استمرار الخلافات السياسية بشأن توزيع الحقائب المتبقية، والتي ترتبط بعضها بتفاهمات مع قوى سياسية وفصائل بدأت خطوات للاندماج في المؤسسات الرسمية.
ويرى المحلل السياسي علي البيدر أن زيارة باراك تمثل خطوة لمتابعة الملفات التي تحظى باهتمام الإدارة الأمريكية، موضحاً أن المبعوث الأميركي يسعى إلى نقل تقييم شامل للرئيس دونالد ترامب حول مستوى التقدم الذي تحقق في العراق خلال الأشهر الماضية.
وأشار البيدر إلى أن الملفات المطروحة لا تقتصر على الجوانب الأمنية فقط، بل تمتد إلى القضايا الاقتصادية والعلاقات العراقية مع المتغيرات الإقليمية، إضافة إلى استكمال الحكومة بما يتيح الانتقال إلى تنفيذ البرنامج الحكومي وإنجاز التعهدات الخدمية والاقتصادية.
وأضاف أن حسم بعض الملفات الأمنية الحساسة، وعلى رأسها ملف حصر السلاح بيد الدولة، يرتبط بشكل مباشر باستكمال البنية التنفيذية للحكومة، خصوصاً أن بعض الوزارات ما زالت تُدار بالوكالة أو لم يتم حسم شاغليها بشكل نهائي.
وتتزامن الزيارة مع تزايد الضغوط الأمريكية على بغداد بشأن الفصائل المسلحة، إذ تضع واشنطن ملف حصر السلاح ضمن أولوياتها في التعامل مع الحكومة العراقية الجديدة، خاصة بعد إعلان عدد من القوى نيتها تفكيك أجنحتها العسكرية والانخراط في مؤسسات الدولة.
ويُعد هذا الملف من أبرز التحديات التي تواجه حكومة الزيدي، في ظل استمرار تحفظ بعض القوى على تسليم أسلحتها أو إعادة تنظيم دورها العسكري ضمن الأطر الرسمية للدولة.
من جانبه، أكد الباحث في السياسات الاستراتيجية كاظم ياور أن تعيين باراك مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى العراق يمنحه ثقلاً سياسياً أكبر مقارنة بالزيارات السابقة التي أجراها بصفته سفيراً للولايات المتحدة لدى تركيا ومبعوثاً للملف السوري.
وأوضح ياور أن الولايات المتحدة تنظر إلى العراق باعتباره جزءاً من منظومة استراتيجية أوسع تشمل الأمن والطاقة والعلاقات الإقليمية، ما يجعل مهمة باراك تتجاوز الأبعاد الدبلوماسية التقليدية لتشمل متابعة تنفيذ الرؤية الأمريكية المتعلقة باستقرار العراق والمنطقة.
وأشار إلى أن زيارة هولير تحظى بأهمية خاصة لدى واشنطن، التي تعتبر إقليم كردستان شريكاً رئيسياً في المعادلة العراقية ونقطة ارتكاز مهمة في علاقاتها داخل العراق.
وأضاف أن اللقاءات المرتقبة في هولير ستتناول إلى جانب الخلافات بين بغداد والإقليم، مستقبل الحكومة الكردية الجديدة والعلاقات بين القوى الكردية، فضلاً عن دور الإقليم في دعم الاستقرار السياسي العراقي خلال المرحلة المقبلة.
وبحسب ياور، فإن واشنطن تسعى إلى تعزيز التفاهمات بين بغداد وهولير بما ينعكس إيجاباً على ملفات الأمن والطاقة والاستثمار، ويمنح الحكومة الاتحادية مساحة أوسع لمعالجة القضايا المرتبطة بالسلاح والعلاقة مع الفصائل المسلحة.
وتأتي هذه التحركات في ظل متغيرات إقليمية متسارعة دفعت الولايات المتحدة إلى تكثيف حضورها السياسي في المنطقة وإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية والاقتصادية، خصوصاً في العراق الذي ما يزال يمثل ساحة محورية في معادلة التوازنات الإقليمية.
ومع وصول باراك إلى بغداد وهولير، تتركز الأنظار على النتائج التي قد تفضي إليها الزيارة، ومدى قدرتها على دفع التفاهمات المتعلقة باستكمال الحكومة وحسم ملفات الأمن والسلاح والعلاقات بين بغداد وإقليم كردستان، أو بقائها ضمن مسار المشاورات السياسية المستمرة دون حلول نهائية.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن في 31 أيار/مايو الماضي تعيين توم باراك مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى العراق وسوريا، إلى جانب مهامه الدبلوماسية الأخرى.
ويُنظر إلى باراك، البالغ من العمر 79 عاماً والمنحدر من أصول لبنانية، باعتباره شخصية مؤثرة في دوائر صنع القرار الأمريكية، نظراً لخلفيته في عالم الأعمال والاستثمار وعلاقاته الوثيقة بالرئيس ترامب، إضافة إلى إجادته اللغة العربية ودوره المتزايد في ملفات الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة.