ليبيا لم تكن يوما مجرد جار لمصر، بل كانت عمقا استراتيجيا حقيقيا يتجاوز حدود الجغرافيا الى جوهر المصالح والمصير المشترك. العلاقة بين البلدين لم تبن فقط على خطوط حدود، بل على معادلة امن قومي متداخل، حيث استقرار احدهما ينعكس مباشرة على الاخر.
العلاقات المتينه بين الطرفين لم تكتب بالشعارات، بل بالمواقف. وفي مراحل التوتر الاقليمي والضغوط السياسية التي مرت بها المنطقة، اثبتت العلاقة الليبية المصرية ومنذ عقود انها قابلة لاعادة التشكيل حين تتوفر الارادة السياسية.
في عهد معمر القذافي، لم يكن النفط مجرد سلعة اقتصادية، بل اداة سيادية يمكن توجيهها لخدمة التوازنات الاقليمية، وفق رؤية تتجاوز منطق السوق الى منطق الدور.
ليبيا اليوم ، بما تملكه من احتياطات نفطية كبيرة، وبموقعها الجغرافي الملاصق لمصر، تمثل خيارا استراتيجيا لا يمكن تجاهله. فتكلفة النقل اقل، وسرعة الامداد اعلى، والمخاطر السياسية اضعف مقارنة بمصادر بعيدة تخضع لتقلبات دولية وتحالفات غير مستقرة. هذه ليست مجرد معادلة اقتصادية، بل معادلة امن طاقي في جوهرها.
في المقابل، مصر ليست مجرد مستهلك للطاقة، بل دولة محورية قادرة على لعب دور ضامن لاستقرار ليبيا اذا ما اعيد تعريف العلاقة على اسس استراتيجية واضحة. فالدعم المتبادل لا يعني التبعية، ولم يكن يحمل هذا المفهوم ،بل يعني بناء شبكة مصالح تحمي الطرفين من الانزلاق في محاور خارجية لا تخدم استقرارهما.
في تقديري المشكلة لم تكن يوما في غياب الامكانيات، بل في غياب الرؤية. حين يتم التعامل مع النفط كسلعة فقط، تضيع فرص تحويله الى اداة نفوذ. وحين يتم تجاهل الجغرافيا، تصبح القرارات اكثر كلفة واقل امانا.
اليوم، ومع تعقيد المشهد الاقليمي، تبدو الحاجة ملحة لاعادة قراءة العلاقة بين ليبيا ومصر بعيدا عن الحسابات الضيقة. ليس من باب الحنين الى الماضي، بل من باب استيعاب درس لم يفقد صلاحيته بل اعاد ترسيخ بعض المفاهيم الخاطئة التي انتهجت بعد فترة فوضى مايعرف بثورات الربيع العربي، علينا جميعا ان نعي ان القرب الجغرافي حين يقترن بالارادة السياسية، يتحول الى قوة لا يمكن تعويضها.وهذا مانحتاجه اليوم
ان الامن الطاقي لا ينفصل عن الامن القومي، ومن يملك القدرة على ربط الاثنين، يملك مفاتيح الاستقرار. ليبيا ومصر امام فرصة حقيقية، اما ان تتحول الى شراكة استراتيجية واعية، او تبقى مجرد امكانية مهدوره في زمن لا يرحم المترددين.
العمق لا يشترى… بل يبنى، ومن لا يبنيه بيديه، سيضطر يوما لشرائه بثمن مضاعف