ما الذي يدفع ملايين الناس إلى متابعة يوتيوبر أو تيكتوكر وتلقي المعلومات والأخبار والتحليلات عنه في شتى المجالات السياسية والرياضية والفنية والعلمية، مع أنه قد لا يكون ملمّاً بالسياسة أو الرياضة أو الفنون أو العلوم؟. والأنكى من ذلك أنه ربما لم يدرسها أو يمارسها في حياته. أين الخلل في هذه المعادلة "اللاصفرية" التي يبدو فيها كل الأطراف رابحين بغض النظر عن حقيقة أو وجاهة المعلومات والآراء المعروضة أو صدقيتها أو مآلاتها؟!.
التوق للمعرفة كان ومازال محركًا أساسيًا وغريزيًا للإنسان. وكان ومازال الحرص على أن تكون هذه المعرفة مطابقة للواقع والحقيقة الشغل الشاغل لطلاب المعرفة والباحثين والناشرين بما فيهم الحكومات والدول والشركات العالمية. لكن بالتوازي نشأت معرفة موازية تحقق ما للإنسان من رغبات وحاجات دون أن تشترط مطابقة الواقع أو ملامسة الحقيقة.
معرفة تعتمد لغة بسيطة ومتداولة. الأكاديميون والمحللون التقليديون غالبًا ما يستخدمون لغة معقدة ومصطلحات جافة. في المقابل، يتحدث "البلوجر" بلغة الشارع، ويحول القضايا المعقدة إلى "حدوتة" سهلة الاستيعاب، مما يجعل المتلقي يشعر أنه يفهم العلوم والسياسة والتاريخ وفيزياء الفلك دون عناء.
علاوة على ذلك يدخل عامل الثقة والألفة بين المُلقي والمتلقي، المرسل والمستقبِل، المتابَع والمتابِع.. كما تنشأ علاقة قبول وتصديق وتعاطف مع صانع المحتوى. فهو مرئي كل يوم تقريباً، ونعرف تفاصيل حياته، وقد تعرّفنا على زوجته وأولاده وعائلته، ونشعر أنه "واحد منا" يسكن بجوارنا لا بعيدا عنا، يلبس لبسنا.. يأكل أكلنا.. هذه الثقة الشخصية تجعل المشاهد يتقبل آراءه السياسية وغير السياسية كأنها نصيحة من قريب أو صديق، وليس توجيهًا فوقيًا أو إملاءًا من مؤسسة رسمية.
يضاف إلى ذلك عامل الوسائل المساعدة. تلك العوامل التي تكسر الجمود وتضيف الترفيه. فالتيكتوكر يقدم المحتوى كوجبة ترفيهية سريعة، مستخدمًا الموسيقى، الإيماءات، الفكاهة، الإلغاز، الغموض، يفتح أبوابًا مغلقة يكسر تابوهات مقدسة.. من الآخر، يكسر حاجز الملل الذي يحيط بالأخبار الرسمية والمواد الإعلامية الجافة.
الإعلام البديل
إنها ليست تسمية لكائن فضائي أو أسطوري.. فـ"الإعلام البديل" يتناسب مع "ديمقراطية المعرفة" التي كنا نسمع ونقرأ عنها قبل خمسين سنة. واليوم صارت واقعًا في عصر المنصات المتاحة والفضاءات المفتوحة. عصر المناقشة الممكنة، والتعليق المتاح، والتقييم المسموع لأي محتوى مقدَّم. ومع وجود فجوة ثقة كبيرة بين المتلقي والإعلام الرسمي الموجّه والدعائي.. يملأ صناع المحتوى هذا الفراغ عبر تقديم ما يبدو أنه "الحقيقة الخام" أو "الحقيقة غير المفلترة".
ورغم أغراضها "غير البرئية" تمنح المنصات الالكترونية فرصًا ثمينة لمقدمي وصنّاع المحتوى لإثبات جدارتهم وامتلاك جمهورهم الخاص من خلال إتاحة الوصول لكل من يرغب بهذا النمط أو اللون من المحتوى المقدَّم. حيث تعمل خوارزميات المنصات باتجاه تعزيز المحتوى الذي يثير التفاعل سواء بالجدل والمناقشة أو التأييد والموافقة أو الدعم العاطفي. وغالبًا ما ينجح صانع المحتوى غير المتخصص لأنه يميل غالبًا لإثارة دهشة وعواطف المتلقين أكثر من تقديم حقائق منطقية أو عرض وقائع مجردة، مما يجعل محتواه يصل لجمهور أوسع بكثير من مقالات وعروض المتخصصين. وفوق ذلك يلقى القبول والتصديق.
ولكن!..
لكن، في دراسة مطولة ومعمقة أجراها مركز أبحاث جامعة أوكلاند للتكنولوجيا للصحافة والإعلام والديمقراطية مؤخرًا، توصل الباحثون إلى نتيجة مفادها ارتفاع الثقة في الأخبار بعد سنوات من التراجع في نيوزيلندا. حيث ارتفعت ثقة الجمهور في الأخبار في نيوزيلندا لأول مرة منذ بدء تسجيل البيانات في عام 2020 إلى 37%، مقارنةً بـ 32% فقط العام الماضي. وفي ضوء الاتجاهات الإعلامية الحديثة وطفرة الإعلام البديل؛ تعدّ هذه قفزة كبيرة نسبياً.
وأشارت الدراسة أيضاً إلى أن 50% من المستطلعة آراؤهم يثقون الآن في الأخبار التي يستهلكونها شخصياً. بزيادة قدرها خمس نقاط مئوية عن 45% في عام 2025. وعلق الباحثون أن هذه هي النتائج الإيجابية الأولى المتعلقة بثقة الجمهور في الأخبار منذ أن بدأوا البحث في هذا الموضوع في مركز أبحاث جامعة أوكلاند للتكنولوجيا للصحافة والإعلام والديمقراطية في عام 2020.
وقد تطابقت العديد من أسئلة الدراسة النيوزلندية مع تلك التي طرحت في دراسة عالمية أجراها معهد رويترز لدراسة الصحافة، مما سمح بإجراء مقارنات دولية. حيث تم ترجيح نتائج الاستطلاع الذي شمل أكثر من 1000 نيوزيلندي حسب العمر والجنس وأعلى مؤهل تعليمي والدخل الشخصي والعرق والمنطقة. وهذا يعني أن المشاركين يمثلون بدقة السكان البالغين في هذه الفئات الديموغرافية. وبالتالي فإن النتائج العلمية تعكس إلى حد كبير الواقع المرصود.
ما تفسير هذا التغيير؟
يقول الباحثون إن أحد العوامل الهامة المساهمة في تحسن الثقة بالإعلام الرسمي هو زيادة الوعي العام بالمعلومات المضللة، والتزييف العميق، وخطورة المحتوى الذي يقدمه أشباه المتعلمين و"المتسلقين" الباحثين عن مصادر دخل من منصات التواصل الاجتماعي. كما أن انتشار المعلومات الرديئة، التي يتم توزيعها على وسائل التواصل الالكترونية لتحقيق مكاسب تجارية أو سياسية، وتزايد النقاش العام حولها، قد جعل الناس أكثر وعياً بالحاجة إلى حقائق موثقة يمكن محاسبة من ينشرها أو يسوّقها.
صعود اليمين ونزوله
خلال الخمس سنوات الأخيرة، وخصوصًا بعد جائحة كورونا، وبسبب العداء للمؤسسات "النخبوية" بما فيها الإعلامية والصحفية؛ تزايد في أوروبا (على سبيل المثال) عدم الثقة في الأحزاب التقليدية والاتحاد الأوروبي. وشهدنا انتقال أحزاب اليمين واليمين المتطرف من الهامش إلى دوائر ومراكز صنع القرار أو القيادة في العديد من الدول الكبرى والمهمة. وتعد إيطاليا النموذج الأبرز حالياً؛ حيث تقود جورجيا ميلوني حكومة يمينية منذ عام 2022 عبر حزب "إخوة إيطاليا". كما يشارك "حزب الرابطة" اليميني بقيادة ماتيو سالفيني في ائتلافات حكومية متعددة خلال هذه الفترة.
كذلك شهدت ألمانيا صعوداً غير مسبوق لحزب "البديل من أجل ألمانيا" ليصبح القوة الثانية في البلاد. أيضًا عزز "حزب التجمع الوطني" بقيادة مارين لوبان وجوردان بارديلا مكانته كأكبر كتلة معارضة في المشهد السياسي الفرنسي. حيث حقق الحزب فوزاً ساحقاً في انتخابات البرلمان الأوروبي 2024 بنسبة 31%. كما نافس بقوة على رئاسة الحكومة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، مما أجبر القوى التقليدية على تشكيل تحالفات واسعة لعرقلة وصوله للسلطة. وفي المجر يسيطر فيكتور أوربان وحزب "فيدس" على السلطة منذ أكثر من عقد، معززاً سياساته اليمينية القومية. والشرح يطول في معظم البلاد الأوروبية التي شهدت صعوداً بارزا لليمين مدعومًا بأزمة الهجرة ومخاوف الديموغرافيا والأزمات الاقتصادية وجائحة كورونا والحرب في أوكرانيا.
ولعب الإعلام البديل دورًا رئيسيًا في صعود اليمين في بعض البلاد ممثلاً بالعنصريين قوميًا والمتطرفين دينيًا. لكن لا يبدو أن مشاكل هذه البلاد قد حُلت بل ربما ساءت. وما حذّر أو بشّر به الإعلام البديل "طلع فنكوش"، وشطحات لعبت على أوتار العاطفة، ودغدغت الرغبة لكنها أوصلت جمهورها إلى منتصف البئر ثم قطعت الحبل بهم!.
تجاذبات الاستقطاب ونظرية المؤامرة
الجميع يدرك أن لا منطق ولا حكمة في الاستقطاب الذي يوجده الإعلام البديل والذي يحاكي تماما استقطاب الأنظمة الشمولية البائدة. كذلك لا جدوى ولا فائدة من تبني نظرية المؤامرة إلا مزيد من الشك والقنوط وفقدان الأمل وتبرير الفشل. وهنا تبرز أهمية العودة التدريجية إلى الإعلام التقليدي بشرط الاستقلالية التحريرية، ورفض التدخل التجاري والسياسي في غرف الأخبار، ودعم الصحافة المهنية بموارد مستقلة؛ تمامًا كما صرح النيوزيلنديون المستطلعة آراؤهم خلال الدراسة الآنفة الذكر.
ومن جهتها، أدركت وسائل الإعلام التقليدية المشكلة. وفي السنوات الأخيرة استجابت بعض وسائل الإعلام الإخبارية لمشكلة الثقة المتنامية، وعززت الشفافية وعمليات التحقق. كما جعلت الحكومة ثقة الجمهور قضية محورية بالنسبة لمحطات البث الحكومية في مواجهة الكم الهائل من المعلومات المضللة، وخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن على العموم لا يزال من المبكر جدًا الجزم بأي شيء. لكن دراسات كالدراسة النيوزلندية وتقارير كتقارير رويترز الاستقصائية التي تقيس مستويات الرأي العام واتجاهاته، تشير إلى أن ظاهرة الإعلام البديل تنحسر مرحليًا لصالح عودة تدريجية للإعلام التقليدي. أو أنها ظاهرة تتطور نحو الأفضل والأنضج، مقتربة من اندماج بين الإعلامَين لصالح الحقيقة والوعي والمسؤولية.