بث تجريبي

القاهرة .. ندوة بمركز آتون تناقش تحديات المرأة وسبل تمكينها في اليوم العالمي للمرأة

عقد مركز آتون للدراسات ندوة بالعاصمة المصرية القاهرة، مساء الاثنين 9 مارس، ندوة بعنوان “المرأة بين التحديات وصناعة المستقبل” بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، وذلك بمشاركة عدد من الباحثات والإعلاميات المتخصصات في قضايا المرأة والمجتمع، وقد تضمنت العديد من التوصيات التي تستهدف دعم المرأة في مواجهة التحديات الكثيرة التي تواجهها، وتمكينها على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

أدارت الندوة د. عزة محمود حسن، استشاري الإدارة العامة بالمراكز العلمية بوزارة الثقافة المصرية، بمشاركة كل من: السيدة/ سلوى أبسام يوسف المديرة التنفيذية لمركز ساس الحقوقي، وماجدة طالب الصحفية والإعلامية اليمنية والناشطة في حقوق المرأة والاقتصاد، إلى جانب نوجين يوسف الكاتبة والباحثة السورية المتخصصة في شؤون المرأة والجنولوجيا، وكذلك د. سوزان القليني رئيس لجنة الإعلام بالمجلس القومي للمرأة في مصر.

محطة إنسانية

وقد ناقشت الندوة أبرز التحديات التي تواجه المرأة في المنطقة، ودورها في بناء المجتمع وصناعة المستقبل، إضافة إلى سبل تعزيز مشاركتها في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومواجهة التحديات الثقافية والاجتماعية التي لا تزال تعيق تقدمها، إلى جانب أهمية تمكين المرأة وتعزيز حضورها في مواقع صنع القرار.

وفي تقديمها للندوة، قالت الدكتورة عزة محمود حسن إن اليوم العالمي للمرأة، الذي يوافق 8 مارس من كل عام، لا يأتي كمناسبة عابرة بل محطة إنسانية وتأملية لمناقشة ما حققته المرأة من إنجازات، وما يحمله المستقبل بالنسبة لها. وشددت على أن المرأة واجهت ولا تزال تواجه تحديات ثقافية واجتماعية من أجل المشاركة، ومن ثم تأتي ندوة اليوم لتقدم قراءة واعية لواقع المرأة، لا تكتفي بتوصيف الوضع القائم وإنما تقدم رؤى حول ما يجب القيام به والسبل الكفيلة بتمكينها مستقبلاً.

اليوم العالمي للمرأة

أولى المتحدثات كانت الدكتورة سوزان القليني، التي قدمت بعض المحطات التاريخية لليوم العالمي للمرأة، إذ قالت إن هذا اليوم جاء بعد نضال طويل، موضحة أن مجموعة من العاملات في مدينة نيويورك الأمريكية خرجت عام 1908 في مظاهرات للمطالبة بتقليص ساعات العمل والمساواة في الأجور وغيرها من حقوق العمل، والتي تواصلت لاحقاً.\

وأضافت أنه بعد ذلك، وفي عام 1910، عقد المؤتمر النسائي الاشتراكي الدولي قبل الاجتماع العام للأممية الثانية في كوبنهاجن بالدنمارك، وهنا اقترحت الناشطة الألمانية كلارا زيتكن أن يكون 8 مارس يوماً للمرأة بشكل سنوي، وهنا بدأت بعض الدول، وخاصة الاشتراكية، الاحتفال بهذا اليوم بشكل فردي حتى عام 1975 عندما أقرته الأمم المتحدة كاحتفاء بإنجازات المرأة وما حققته، وفرصة للمطالبة بمزيد من المساواة والحقوق.

الحياة لم تكن وردية

وأوضحت سوزان القليني أن الحياة لم تكن وردية بالنسبة للمرأة، حيث واجهت الكثير من التحديات، مشيرة إلى أن المرأة العربية واجهت أيضاً تحديات ومشكلات كثيرة. وأضافت أنه بشكل عام يمكن القول إن أهم التحديات التي تواجه المرأة هي التحديات الثقافية والاجتماعية، حيث ما تزال المجتمعات العربية تحمل مجموعة من الموروثات الاجتماعية، مؤكدة أن هذه المجتمعات ما تزال في المقام الأول مجتمعات ذكورية تقدس الرجل وتعتبره الأساس، ولا تقبل أن تتساوى المرأة مع الرجل أو أن تقود، وبالتالي فإن الثقافة الذكورية تعد من أشد التحديات.

وأضافت أن المرأة في كثير من المناطق حول العالم تُمنع من الحصول على ميراثها بسبب الموروث الذكوري، كما أن المرتبات في كثير من المجتمعات العربية تكون أقل بالنسبة للنساء مقارنة بالرجال حتى في الوظائف المتساوية. وأشارت إلى أن التحديات الاقتصادية كبيرة جداً، خاصة بالنسبة للمرأة المعنفة أو المرأة المطلقة التي لا تملك مصدر دخل.

وتحدثت سوزان القليني أيضاً عن التحديات المرتبطة بصناعة القرار والقيادة، موضحة أنه رغم القول في كل مكان إن المرأة تقلدت كثيراً من المناصب القيادية ووصلت إلى مناصب مثل وزيرة وسفيرة، فإن الواقع يظهر أن نسبة تمثيل المرأة في المناصب القيادية ما تزال ضعيفة، وأن هناك فجوة كبيرة بين الرجل والمرأة في مواقع القيادة وصناعة القرار. وأضافت أنه حتى عندما تصل المرأة إلى منصب وزيرة فإن الملفات لا تتساوى في الأهمية مع تلك الوزارات التي على رأسها رجل.

كما أشارت إلى أن التطور التكنولوجي يفرض تحديات جديدة على المرأة، كما أن التعليم يشهد في بعض المجتمعات تفضيلاً لتعليم الذكور على الإناث، وهو ما يؤدي إلى وجود فوارق كبيرة بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بالتعليم والتكنولوجيا لصالح الرجل.

المرأة صانعة الحاضر والمستقبل

وأكدت الدكتورة سوزان القليني أنه رغم كل هذه التحديات فإن المرأة تظل العامل الرئيسي في صناعة الحاضر والمستقبل شاء البعض أم أبى، لأنها التي تربي الأجيال وتنشر الوعي والانتماء وحب الوطن والمعاني الإنسانية، ولا يمكن إنكار دورها. وأضافت أن المرأة، لكي تقوم بهذا الدور، تحتاج إلى دعم المجتمع من خلال تمكينها.

وأوضحت في هذا السياق أن تمكين المرأة لا يعني تسيدها على الرجل أو أن تكون لها قوامة عليه، بل يعني أن المرأة عندما تكون قوية فإنها تساهم في بناء جيل قوي ومجتمع قوي، ولذلك لا بد من دعم تمكينها اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، إضافة إلى توفير الحماية الاجتماعية من خلال التشريعات والقوانين، والأهم توفير الأمان الأسري.

المرأة اليمنية في قلب المعاناة

من جانبها، تحدثت الصحفية والإعلامية اليمنية ماجدة طالب عن دور الإعلام في قضايا المرأة، وقالت إنها ستتحدث عن اليمن بشكل خاص، حيث إن النساء هناك أكثر عرضة للانتهاكات منذ أكثر من 14 عاماً من الصراع في اليمن. وأضافت أن هناك متغيرات سياسية وإقليمية تؤثر على اليمن تتحمل المرأة تبعاتها بشكل أكبر، من ابتزاز وتشويه وغيرها، مشيرة إلى أن المرأة تحملت الكثير في ظل الحرب.

وأوضحت الإعلامية اليمنية أن أكثر من 80% من النساء يتعرضن لانتهاكات، كما تمثل النساء نسبة كبيرة من الفقر، الأمر الذي جعل المرأة تواجه تحديات كبيرة منها فقدان المعيل وتحمل مسؤولية إعالة الأسر. وأضافت أن العنف ضد النساء بسبب النزاعات المسلحة أدى إلى مقتل آلاف النساء، كما ارتفعت معدلات العنف الأسري بسبب الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وقد ترتكب بعض النساء جرائم نتيجة تلك الضغوط.

وأشارت إلى أنه مع هدوء الحرب لم يعد هناك عنف كبير كما كان في السابق، لكن ظهرت تجاذبات سياسية تتحمل المرأة تبعاتها. كما فقدت آلاف النساء وظائفهن في مختلف المناطق نتيجة الحرب، ويتم إيقاف وظائف الكثير منهن، وهو ما يجعل المرأة تتحمل أعباء كبيرة. كما تحدثت عن استخدام النساء في النزاع المسلح، مثل ما يسمى بالزينبيات لدى جماعة الحوثيين، كما يتم اعتقال النساء في مناطق النزاع، خاصة النساء اللاتي يحملن مبادرات أو يعملن في منظمات مستقلة، حيث يتم أحياناً اتهامهن بأنهن عميلات.

وأضافت أن 70% من النساء اللاتي يتعرضن للعنف يواجهن أيضاً مشكلات اقتصادية في ظل غياب الرواتب. وأكدت أن المرأة اليمنية ما تزال مهمشة، وغير موجودة بشكل كبير في صناعة القرار، بما في ذلك جهود السلام، رغم أنها منخرطة بشكل أكثر فعالية من الرجل، لكن جهودها لا يتم ذكرها بشكل كافٍ، معربة عن أملها في أن يكون الوضع أفضل في المستقبل.

الحاجة إلى حقوق متكافئة

من جانبها، قالت السيدة/ سلوى أبسام يوسف المديرة التنفيذية لمركز ساس الحقوقي إن الاحتفال باليوم العالمي للمرأة هذا العام يأتي للمطالبة بحقوق متكافئة وعدالة متساوية في الحقوق وإنفاذها بالتكافؤ مع الرجل. وأضافت أنه رغم النضال الطويل فإن الفجوة بين النساء والرجال لم يتم سدها، حيث تحصل النساء على نحو 64% فقط من الحقوق التي يتمتع بها الرجال.

وأوضحت أن نسبة الفقر بين النساء كبيرة جداً، وأن الفقر والتعليم يتقاطعان مع درجة حصول النساء على حقوقهن، مشيرة إلى أن هناك مجالات جوهرية مثل التفكير في الموارد المالية والسلامة والأسرة وحرية الملكية والتنقل والعمل. وأشارت إلى أن الانحيازات ضد المرأة تتم بصورة منهجية، وأن اليوم العالمي للمرأة يجب أن يكون مناسبة لدعوة الأمم المتحدة إلى اتخاذ تدابير لتفكيك كل العوائق والتحديات التي تعيق العدالة بحق النساء، مثل ضعف الضمانات القانونية لحقوق النساء، وكذلك طريقة تطبيق القوانين وإنفاذها.

وأضافت أن الحقوق لا تؤخذ بسهولة بل تنتزع، ولذلك لا بد من زيادة عزيمة النساء للحصول على حقوقهن، مشيرة إلى أن الأمم المتحدة شددت على ضرورة وضع العدالة في صميم العمل العالمي لتمكين المرأة.

المرأة السودانية

وتطرقت إلى الأوضاع في السودان، موضحة أن النساء هناك لا يحتفلن باليوم العالمي للمرأة بوصفه احتفالاً، بل مناسبة لتسليط الضوء على واقع النساء، حيث تعيش المرأة السودانية واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ السودان الحديث نتيجة الأزمات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي انعكست سلباً عليها.

وأضافت أن النساء في السودان هن في طليعة العمل المجتمعي، ويساهمن في تقديم المساعدات والعمل الإغاثي، ويحاولن المشاركة في جهود بناء السلام والإعمار. وأشارت إلى أن أكثر من 12 مليون سوداني نزحوا، نصفهم أو أكثرهم من النساء والفتيات، وهو ما يجعل الأزمة ذات طابعاً نسوياً.

كما تحدثت عن التحديات التي تواجه النساء في السودان مثل العنف الجسدي والاغتصاب، إضافة إلى التحديات الاقتصادية والصحية والسياسية، وضعف مشاركة النساء في صنع القرار. كما أشارت إلى مشكلات تتعلق بالحصول على النفقة في ظل غياب المحاكم، فضلاً عن اضطرار بعض القاصرات إلى الزواج.

النساء السوريات والكرديات

بدورها قالت الكاتبة والباحثة نوجين يوسف إن النساء السوريات والكرديات يعانين من تحديات كبيرة، مؤكدة ضرورة مناقشة هذه المشكلات والذهنيات التي تقف وراءها. وأضافت أن اليوم العالمي للمرأة يوم معنوي وله أهميته، مشددة بهذه المناسبة على أن التغيير الحقيقي يتطلب تغيير الذهنيات في المجتمع.

وأوضحت أن الصراع الأساسي يتعلق باستمرارية الحياة بمنطق المرأة، وأن التحديات التي تواجه النساء كثيرة، وتتضح في الحالة السورية، مثل العدالة الانتقالية والحوكمة والحرية الشخصية وتأثير الإسلام السياسي والفتاوى التي تطبق على النساء، إضافة إلى الذهنيات السائدة في المجتمع.

تجربة شمال وشرق سوريا

وأضافت أن النساء في شمال وشرق سوريا عانين كثيراً حتى وصلن إلى المستوى الذي وصلن إليه اليوم، حيث واجهن تحديات مرتبطة بالذهنيات والعادات والتقاليد، إلا أنهن تمكنّ من مواجهتها من خلال إنشاء اتحاد بينهن لمواجهة تلك التحديات، وبالتالي هناك حاجة ماسة إلى التنظيم بين النساء.

وأكدت أنها تدعو إلى المساواة بين الرجل والمرأة، لكنها ترى أن الرجل يمكن أن يكون السند الأساسي للمرأة للحصول على حقوقها، وإحداث التغيير اللازم الذي يتطلب تغيير المجتمع والعقلية الذكورية. وشددت على أن تنظيم النساء لأنفسهن يعد خطوة أساسية، وأن أول خطوة هي تنظيم المرأة لنفسها، ثم الحماية الذاتية.

وأشارت إلى تجربة الرئاسة المشتركة في شمال وشرق سوريا بين الرجل والمرأة في المؤسسات، مؤكدة في الوقت ذاته أنه إلى جانب المؤسسات هناك أهمية كبيرة لبناء عائلة ديمقراطية تقوم على المساواة. كما لفتت إلى تحديات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي والرأسمالية والاستبداد، مؤكدة أن المرأة عنصر أساسي في المجتمع وتلعب دوراً رئيسياً في تغييره.

أهم التوصيات

وفي ختام الندوة خرجت المشاركات بعدد من التوصيات، من بينها ضرورة أن تكون فرص تمكين المرأة حقيقية وليست دعائية، حسب الدكتورة سوزان القليني، التي أكدت ضرورة المطالبة بتطوير التشريعات والقوانين بشكل مستمر بما يضمن حماية المرأة، سواء في قوانين الأسرة أو العمل أو في مواجهة العنف ضد المرأة، بما في ذلك العنف الإلكتروني. كما دعت إلى إطلاق حملات إعلامية لتوعية المجتمع بأهمية قضايا المرأة، بحيث تستهدف المرأة والشباب والأسرة ككل.

وطالبت الإعلامية اليمنية ماجدة طالب بتشكيل لجنة موحدة لتمكين النساء وحمايتهن من العنف، بما في ذلك العنف الناتج عن الذكاء الاصطناعي، ودعم برامج التمكين الاقتصادي للمرأة، إضافة إلى دعمها نفسياً في مواجهة آثار العنف في مناطق النزاعات. كما دعت إلى تغيير التشريعات المتعلقة بجرائم الشرف وزواج القاصرات، وتعزيز دور المجتمع المدني والمنظمات النسوية، والتشبيك بين النساء اليمنيات ونظيراتهن في الدول العربية.

فيما اقترحت السيدة/ سلوى يوسف إنشاء منصة إقليمية أو عربية لوضع استراتيجية شاملة لمواجهة التحديات التي تواجه النساء، تضم مفكرين ومختصين، وتعمل على التشبيك مع المنظمات الفاعلة في هذا المجال.

واتفاقاً مع الطرح السابق، دعت الباحثة نوجين يوسف إلى إطلاق مبادرة للتشبيك بين المؤسسات عبر منصة إقليمية في الشرق الأوسط، بحيث يتم من خلالها إصدار بنود أساسية لتوعية النساء بحقوقهن القانونية وتعزيز التعاون بين المؤسسات المعنية بقضايا المرأة.

قد يهمك