بث تجريبي

د. ميرزاد حاجم لـ"المبادرة": أحداث حلب تنفيذ لـ"الميثاق المللي" التركي وهذا يهدد الأمن القومي العربي

قال الدكتور ميرزاد حاجم، المحاضر الجامعي والباحث في مركز البحوث العلمية التطبيقية والاستشارية في روسيا، إن الدعم التركي الأخير لتحركات حكومة دمشق ضد حيي "الشيخ مقصود" و"الأشرفية" في مدينة حلب لا يمكن فهمه بمعزل عن الأطماع التاريخية التركية المرتبطة بما يُعرف بـ"الميثاق الملّي"، معتبراً أن ما يجري يعكس نهجاً استعمارياً ممنهجاً وليس مجرد اعتبارات أمنية ظرفية.

وأوضح حاجم، في تصريحات لموقع "المبادرة"، أن السلوك التركي ينبع من عقيدة راسخة ترى في الوجود الكردي العقبة الأساسية أمام التمدد التركي في سوريا والمنطقة، مشيراً إلى أن أنقرة تعتمد سياسة "فَرِّق تَسُد" لضمان استمرار الأزمة السورية ومنع أي استقرار حقيقي.

رفض الخضوع للهيمنة التركية

وأضاف أن حيي الشيخ مقصود والأشرفية يمثلان رمزاً لإرادة سياسية ترفض الخضوع للهيمنة التركية، لافتاً إلى أن دعم أنقرة لدمشق في استهداف هذين الحيين يأتي في إطار محاولة غير مباشرة لكسر شوكة الكرد، الذين يشكلون، بحسب تعبيره، حجر العثرة الوحيد أمام إعادة رسم خرائط النفوذ التركي في حلب والشمال السوري.

وتابع الباحث أن الهدف التركي النهائي لا يقتصر على الجوانب الأمنية، بل يندرج ضمن مشروع تغيير ديموغرافي واسع، على غرار ما حدث في عفرين وسري كانيه، يقوم على تفريغ المناطق من سكانها الأصليين الكرد، بهدف إزالة أي مطالبات مستقبلية بحقوقهم، وتهيئة الأرضية لضم فعلي أو نفوذ تركي دائم.

عقيدة الإبادة السياسية

وأشار حاجم إلى أن الدولة التركية تتبنى ما وصفه بـ"عقيدة الإبادة السياسية"، التي تعتبر أن أي كيان أو نموذج كردي، مهما كان شكله، يمثل تهديداً وجودياً للسردية القومية التركية، موضحاً أن الدعم التركي لدمشق يؤكد أن العداء للكرد يشكل ثابتاً استراتيجياً يتجاوز الخلافات السياسية مع النظام السوري.

واعتبر أن ما يجري يمثل حرباً وجودية مفتوحة ضد الكرد، تقوم على سياسة "الأرض المحروقة"، وتسعى إلى سحق أي نموذج ديمقراطي كردي قد ينعكس على الداخل التركي، حتى لو تطلب ذلك التعاون مع خصوم تقليديين، عبر ما وصفه بالمحاربة الشاملة دون حدود.

ضرب وحدة سوريا

وفي البعد السياسي، حذر حاجم من أن أخطر تداعيات هذا الدعم يتمثل في قطع الطريق أمام أي تقارب "سوري-سوري"، مؤكداً أن تركيا تدرك أن أي اتفاق سياسي بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية سيؤدي إلى توحيد الجبهة السورية، ومن ثم إنهاء الوجود التركي في الشمال.

وأوضح أن أنقرة تعمل على توظيف النظام السوري كأداة لاستنزافه في مواجهة الكرد، بما يضمن بقاء سوريا ضعيفة ومجزأة، وغير قادرة على المطالبة بانسحاب القوات التركية، معتبراً أن إشغال دمشق بصراع طويل في حلب يشكل، من وجهة نظر أنقرة، الضمانة الأساسية لاستمرار نفوذها، لأن الحل والاستقرار يعنيان تراجع الدور التركي.

هندسة الإبادة وسط صمت عربي

وخَلُص حاجم إلى أن ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية بدعم تركي لا يمكن وصفه بأنه تصعيد عسكري عابر، بل هو جزء من عملية "هندسة إبادة" تهدف إلى تصفية الوجود الكردي ومنع أي توحيد للجغرافيا السورية قد يقوض الطموحات التركية.

وفي ما يتعلق بالبعد العربي، شدد الباحث على أن الصمت العربي تجاه الممارسات التركية في الشمال السوري لم يعد مقبولاً، محذراً من أن المشروع التركي بات يشكل خطراً وجودياً لا يقل خطورة عن الدور الإسرائيلي في المنطقة.

وأشار إلى وجود تطابق واضح في المنهجية الاستعمارية بين أنقرة وإسرائيل، من حيث بناء المستوطنات، وتغيير أسماء القرى، وفرض اللغة والعملة، معتبراً أن هذه السياسات تهدف إلى قضم الأرض وطمس الهوية، ما يجعل التصدي لها واجباً قومياً عربياً.

وأكد حاجم أن ترك سوريا ساحة مفتوحة للنفوذ التركي، أو السماح بانخراط دمشق في تحالفات تضر بوحدة الأراضي السورية، يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي.

ودعاً الدول العربية إلى تحمل مسؤولياتها التاريخية والتحرك العاجل للحد من هذا التمدد، والضغط على دمشق لوقف أي تنسيق مع أنقرة، دفاعاً عن البوابة الشمالية للعالم العربي في مواجهة ما وصفه باستعمار عثماني جديد.

قد يهمك