في أمسية ثقافية استثنائية، احتضن "بيت الشعر" الذي ترعاه "دار يسطرون" بالقاهرة ندوة شعرية رفيعة الطراز آخر أسبوع من 2025. ضمت نخبة من الشعراء ومحبي الشعر من عدة أجيال، وتجارب مختلفة، ومشارب متنوعة. كما ضمت صفوة من النقاد غزيري الاطلاع وعميقي النظر.
وهي ندوة تنضوي تحت برنامج لقاءات "منتظم" يؤكّد مكانة الشعر في وجدان الإنسان المصري، كما يؤكد مكانة القاهرة كحاضنة تاريخية للفنون والإبداع.
وقد جاءت ندوة "بيت الشعر" هذه في أجواء مشبعة بالشغف والإعجاب يلفها الاستمتاع والإنصات. مع حضور ملفت لعشاق الشعر من عدة أجيال، امتلأت بهم القاعة التي بدت امتدادًا لبهاء الصالونات المصرية العريقة التي لا تفي حقها كتب، فضلا عن مقالة متواضعة كهذه. لم تكن الندوة مجرد قراءات أو تلاوات شعرية متتابعة، بل حوارات حية بين شعراء ونقاد وبين نصوص ومتلقين، وبين تجارب شعرية ثريّة تطرح أسئلة وتفتح الأشرع لكل الإجابات، وفي البدء والختام تقدم صورًا مبدعة وأغان مطربة تروي عطش المتشوقين للجمال والسلطنة.
إدارة احترافية
باقتدار وحرفية أدار الشاعر علي فاروق الندوة متنقلا ومتسلسلا بكل سلاسة ونعومة بين الفقرات مُعطيًا كل شاعر قدره بعدالة، وكل موضوع حقه بوفاء. في جو من الالتزام والظرافة والدماثة أضفاها بخبرته وباعه في الإدارة.
وكما تنوع الشعراء بأجناسهم وجنسياتهم وأعمارهم؛ تنوعت القصائد بين العمودية والتفعيلة والحرة الجريئة. ومعظمها خضعت لمبضع النقد يكشف مفاتنها، ويضيء مكامنها، ويحل ألغازها، كما ينبه لمثالبها ونواقصها. قصائد عبّرت عن هموم الإنسان وشواغله. وحكت عن الوطن والمنفى، وعن الحب (نعيمه وجحيمه)، وعن مختلف العلاقات والأحوال الإنسانية. وقد أظهر الشعراء المشاركون قدرات لافتة على تطويع اللغة، ومهارات عالية في بناء صور شعرية سواء مبتكرة أو مطروقة، ما جعل القصائد تتجاوز حدود الإلقاء لتتحول إلى لحظات إنسانية مؤثرة.
افتتاحية "بلدي"
الافتتاح كان مع جبل القصيدة العامية الشاعر الفطري أو فطيم الشعر "هريدي علي حسن". قامة شعرية فذة. تسحبك حلاوة نظمه، وتبهرك طرافة صوره ووتدهشك مقابلاته اللفظية والصورية.. "ضمير" حي يمشي على قدمين.. ومما قال:
سكاكين بتقطع في آمالنا وفي بكرة الجاي
وحيتان بتخطف أرزاقنا ما اعرفش ازاي
أنا ساكت مش عايز اتكلم ولا قول الآي
ولا عارف امتى أنا هاتعلم واصرخ يا اماي..
محمد عبد ربه طه أيضًا
والحاضر الأبرز الشاعر محمد عبد ربه طه الذي قدم خلاصات من نصف قرن من الإبداع والإمتاع من شعر مبني وفق طرز العذوبة، ومنحوت حسب تصاميم الإدهاش فألقى "ابتهال":
مازلت عبداً وهذا الفضل أعرفه
ما كان سعيي سوى فقرا ومفتقرا
وكلما قلت أني قد وصلت أرى
نفسي تذكرني أن الطريق سرى..
حضور أنثوي
ثم تحين لحظات التحليق في سماوات الوله والتيْم والفرادة والطرافة مع الشاعرتين "ألماستي الأمسية" ناهدة شبيب وسهير سليم. حيث انتزعتا الـ"الله" من صدور المستمعين شعراءًا ونقادًا وحضورًا مع كل مقطع ألقتاه من فرائد قصائدهما.
حيث حكت الشاعرة السورية ناهدة شبيب كيف دمشق والقاهرة تتبادلان السُّكنى، فيما ليلى تنادي "ضفائر للبيع"، وفيما تتلو "العمّورية" في آخر الأخبار:
ليلى تنادي في المزاد
ضفائري للبيع
منذ الألف عام المنصرم
وتبيع إصبع طفلها المحموم
يرضعها
إذا ماعض جوع الأرض معدته بظلماء الرحم
وتبيع سترة عنترة
وتبيع حرف الشنفرى
وتبيع أطنانًا
من الكلمات تخبئها بفوهة مقبرة
من آخر الأخبار
أن الطفل ما ولدته ليلى
بل عُدمْ
بالأمس في ساح الرحِمْ
كانت تناديه إذا انتفض الجنين
ببطنها
يااااااا معتصم.
وقصيدة:
وسألتُ هل تهوى وقلبك مالا
وملأت أفواه الدروب خيالا
وغزلت من شهد الكلام قصائدًا
ونسجت من وهم اللقاء وِصالا
ورشقتَ جوعَ الأمنيات ببسمة
وشربتَ من ماء الهيام زلالا..
كما أبهرت الشاعرة المصرية سهير سليم الحضور بمداخلاتها المعهودة من طرائف وبدائع قصائدها العامية تحكي العشق وتروي الحنين. سهير سليم صاحبة بواقي العيد، ووش جديد، وفرط العنب، وغيرها من الروائع.. أتحفت الندوة وحاضريها ببعض من أشعارها، كما كان لتعليقاتها موضعُها الأثير في تقبّل الشعراء والحاضرين.
نجوم الأمسية
نجوم الأمسية كانوا شعراء السودان؛ محمد صديق ومجاهد خليل ومحمد إسماعيل الرفاعي. ثلاث تجارب شعرية مختلفة، بعضها أزهر ونضج، وبعضها ينتظر المزيد من الصقل. نقلوا إلى الندوة السودان بنيلها العذب، وأرضها الذهب، وشعبها عاشق الحياة المحب، المنكوب بالجشع والحرب. ومما ألقى الشاعر محمد صديق:
أيها الوطن المستلذ بذبحنا
أنجد نفسك من ردة فعلنا
تنادي ثورة كبرى
تنادي التل والشلال..
والشاب الشاعر الجميل البهيج، مجاهد خليل، حكى عن صور من الحب المنشود على ضفاف الأمل. وعن فواجع الأرض المحروقة وبرد المنفى.
فغنى الغزل:
ضواكِ الليل وضوانا
بكلمة حكيمة وأنشودة
وضحكة برئية وزغرودة
تواسي الأحزان في عز الوجع..
في كل صباح زرزورك بصوته الصداح
نابش أحزان الأتراح
طاير للماضي الرحراح..
وغنى الوطن:
بريدك أنت يا بلدي
وما أقدر أريد غيرك
وما أقدر أخون عهدك
وأنا اللي خيري من خيرك
سوداني سوداني
أبوي وصاني
قال لي يا ولدي
لا تبق دون أوطان
كاتبقى سوداني.
كما أتحف الحضور الشاعر المخضرم محمد إسماعيل الرفاعي برائعته الجدلية: "رايك شنو؟":
أنا أصلي بس
واحد كده
وما بتستفيد لو قلتا ليك
بطلع منو؟
بطلع نفر
من بين ملايين البشر
لكين كمان
لامِن أقول القول حريص
بتعب وأفتّش أحسنو
ركّز معاي
أسمع كلامي وأفهمو.
كما شنف أسماع الحاضرين بقصيدة:
وظِلتُ أُغنّي
لأنّ الحبيبةَ كانت تُغنّي
بنبع دموعي
وتبكي بُكاءً يرج ضلوعي
وتبكي بعُمقٍ
تباريحَ فني
وكنتُ أُغني
وأذرِفُ دمعي
بذاتِ التباكي
وحزن التشاكي الذي فاقَ ظني
كذلك شهدت الندوة حضورًا لافتا للشاعر المبدع يونس أبوسبع حيث أنشد:
البحر ما البحر ما الذي أصفُ
تيمنًا أم تطيرًا أقفُ
هذي الإشارات هن مطلعها
أما الختام فالإشارة الصدفُ
قلبي سراب للنازحين فيه
يغني بأشواقي كلما انجرفوا..
النقد مبدعًا
لم تخلُ الندوة من مداخلات نقدية عميقة، تناولت تطور التجربة الشعرية لعدة شعراء من الحاضرين والمشاركين. كما تناولت إشكاليات كالرقابة والحداثة، وعلاقة الشعر بالتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد ساهمت حوارات الشعر والنقد في إغناء الأمسية، ومنحها بعدًا فكريًا يتجاوز المتعة الجمالية إلى التأمل والتحليل. حيث تداخل وعلق الشاعران الناقدن عماد سالم وإبراهيم موسى النحاس على بعض القصائد كاشفين ملامح إبداعها أو مكامن مثالبها. كما لم يفتْهُما الإدلاء بدلوهما شعرًا وألقيا بعضًا من روائعهما.
وعندما تحين مداخلة النقد وينبري عماد سالم أو إبراهيم موسى النحاس، متناوبَين أو متتاليين، للتعليق عقب كل وصلة شعرية، تدخل القاعدة "بمن فيها" في بُعد آخر من أبعاد المتعة المعرفية، والذائقة الفنية، والكشوف الإشراقية. كذلك وبكل أمانة لا يبخسون نصًا حقه من بيان نواقصه أو علله لإفادة الشاعر كما يفيدان متلقيه. ففي حضرة الشعر تتساقط الولاءات وتتهافت المساومات وتتهاوى المجاملات، ليبقى الشعر نقيًا فريدًا في عبقريته، ومؤثرًا في إيقاعه، وعزيزًا في موقعه من العقل والوجدان.
هذه الندوة أثبتت أن الشعر ما زال قادرًا على جمع الناس حول إبداعه، وإثارة دهشتهم، وصقل وجدانهم، وإطراب مُهَجِهم، وفتح نوافذ للأسئلة الكبرى والقضايا الجدلية. كما أكدت أن القاهرة، برغم تغير الأزمنة، لا تزال مدينة تُنصت للشعر وتحنو عليه، وتمنحه من روحها ما يكفي ليظل حيًا ومتجددًا مثلها.
لقد كانت أمسية تليق بالكلمة المُطربة، وتؤكد أن "دارة الشعر" حين يَعْمُرها شعراء مبدعون وجمهور واعٍ، يندمج الزمان بالمكان ويتحولان إلى منسك ثقافي مقاوم للنسيان ومُجْلٍ للوجدان، وإلى احتفال غامرٍ باللغة والحياة.