بث تجريبي

مئوية ثورة الشيخ سعيد بيران.. ذاكرة الكرد تعود من القاهرة

بعد مرور مئة عام على ثورة الشيخ سعيد بيران، تعود القاهرة من جديد لتفتح صفحات منسية من التاريخ من خلال صدور كتاب "مئوية ثورة الشيخ سعيد بيران" للدكتور محمد رفعت الإمام، الأكاديمي المصري المتخصص في التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية واتحاد المؤرخين العرب والجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وعميد كلية الآداب بجامعة دمنهور السابق.

ليس الأمر مجرد نشر كتاب جديد، بل استعادة لذاكرة مطموسة ووثيقة تُعد الأولى من نوعها في كشف مخططات الدولة التركية الناشئة لنفي الكرد وصهرهم وإبادتهم ماديًا ومعنويًا، حيث يأتي الكتاب ليكسر نمط الدراسات التقليدية عن الأقليات، ويضعنا أمام وثيقة تاريخية من العيار الثقيل، تُنشر في القاهرة بعد مرور قرن كامل على الثورة (1925–2025)، باللغتين التركية والعربية، في لحظة شديدة الرمزية تكشف الدور المحوري لمصر في إنتاج المعرفة ودعم القضية الكردية.

فالكتاب ليس مجرد إعادة نشرٍ لنص قديم، بل استعادة لذاكرة مقموعة. ومن هنا، تتجاوز قيمته الأكاديمية حدود البحث التاريخي إلى فضاء الدفاع عن الهوية، والتأكيد على أن التاريخ ليس مجرد وقائع باردة بل صراع على الذاكرة والوجود.

ما يميز الكتاب حقًا، التغطية الشاملة لمسار القضية الكردية؛ إذ يبدأ من معركة جالديران عام 1514 وينتهي بثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925، جامعًا أكثر من أربعة قرون من التحولات. وتؤكد عدد صفحاته التي بلغت 154 صفحة، أن الإيجاز لا يعني السطحية، فالمصادر التي اعتمدها المؤلف – بما فيها وثائق جمعية خويبون الكردية بالقاهرة ومنشوراتها – أضفت عمقًا وثراءً على النص، وكشفت ندرة مادة أرشيفية لم تكن متاحة بسهولة.

ثورة الشيخ سعيد بيران -التي يعرضها الكتاب كأول انتفاضة كردية قومية مسلحة ضد الجمهورية التركية- لم تكن مجرد حدث عابر، بل محطة فاصلة في كشف جوهر النظام القومي المتطرف الذي أنكر على ثاني أكبر قومية في تركيا حقوقها التاريخية. ومن اللافت أن القاهرة كانت دائمًا خلفية هذا النضال: من مطابعها خرجت الصحف الكردية الأولى، ومن أزهرها تخرّج الطلبة الكرد، وفي حواريها عاش قادة ومناضلون أسسوا مطابع وصحفًا وجمعيات لعبت دورًا محوريًا في الوعي الكردي الحديث.

لكن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في رصد الأحداث، بل في تحليله النقدي لأيديولوجيا خويبون، تلك الجمعية التي أدركت مبكرًا أن الصراع مع تركيا لا يدار بالسلاح وحده، بل بالدعاية الممنهجة، بالصحافة، بالخطاب متعدد اللغات، وبالتأريخ للذاكرة الجمعية الكردية. ولعل أهم ما يطرحه المؤلف هو كيف أن هذه الأدوات أسهمت في بلورة خطاب قومي كردي متماسك، يرفض الذوبان، ويرى في النضال المستمر شرطًا للبقاء.

مئوية ثورة الشيخ سعيد بيران يضع القارئ أمام تساؤلات مؤرقة: هل يمكن للتاريخ أن يُكتب خارج السلطة المهيمنة؟ كيف تسهم الذاكرة الجمعية في إعادة تشكيل الهوية حين يحاول الآخر محوها؟ وإلى أي مدى يمكن أن يكون الاستدعاء المستمر للمذابح والانتفاضات سلاحًا معرفيًا يعزز الحاضر ويؤسس للمستقبل؟

بأسلوبه الرصين ومصادره الثرية، قدم الدكتور محمد رفعت الإمام عملًا يتجاوز التوثيق إلى إنتاج وعي جديد بتارخ مضطهد. إنه كتاب يضع مصر مرة أخرى في قلب الذاكرة الكردية، ويؤكد أن دعم قضايا الشعوب المقهورة لا يمر فقط بالسياسة، بل بالعلم والمعرفة والتأريخ.

* كلمة أخيرة
هذا الكتاب ليس مجرد رصد لثورة مضت، بل دعوة لإعادة التفكير في معنى التاريخ نفسه. إنه عمل يضع القارئ أمام ذاكرة شعب رفض أن يُمحى، ومدينة – القاهرة – ظلت تؤكد دورها كجسر للمعرفة والدفاع عن القضايا العادلة. لذا، فإن مئوية ثورة الشيخ سعيد بيران يستحق أن يكون على رف كل مهتم بالتاريخ المعاصر، وبقضايا الهوية، وبكيفية صناعة الذاكرة في مواجهة النسيان.

وإذا كانت بدايتي مع مؤلفات الدكتور محمد رفعت الإمام من خلال كتابه تاريخ الجالية الأرمنية في مصر. تلك اللحظة التي أدركت خلالها أن المرة الأولى لن تكون الأخيرة. فقد وجدت في أسلوبه نافذة مختلفة على التاريخ، تجعل القارئ يعيش مع الناس لا مع السطور فقط. جاءت تجربتي مع كتاب مئوية ثورة الشيخ سعيد بيران لتؤكد لي أن أعماله ليست مجرد دراسات أكاديمية، بل إضافات حقيقية تثري المكتبة العربية والمصرية، وتعيد صياغة الدراسات التاريخية في إطار أعمق، يربط الأحداث بإنسانيتها ويضع الأقليات في قلب المشهد الحضاري والاجتماعي. وبذلك يظل نتاجه علامة مضيئة، تفتح الطريق أمام باحثين جدد ليواصلوا هذا المنهج الرصين في كتابة التاريخ.

قد يهمك