تواجه بولندا أزمة دستورية متصاعدة، على خلفية خلاف حاد حول تشكيل المحكمة الدستورية واستقلالها، في مواجهة جديدة بين الرئيس كارول نافروتسكي ورئيس الوزراء دونالد توسك، وسط انقسام سياسي وقانوني بشأن شرعية تعيين القضاة وآليات إدارة أعلى هيئة قضائية في البلاد.
وبلغت الأزمة ذروتها الجمعة الماضية، عندما تحركت حكومة توسك، المنتمي إلى تيار الوسط، لإعادة تشكيل المحكمة الدستورية، التي تولى رئاستها قاضٍ عُيّن خلال فترة حكم حزب القانون والعدالة اليميني.
وقررت السلطات تعليق مهام رئيس المحكمة، القاضي بوجدان شفينتشكوفسكي، بعد رفضه السماح للقاضي الجديد ماشيي بيريك، الذي رشحه توسك ووافق البرلمان على تعيينه، بتولي منصبه، كما شمل القرار نائب رئيس المحكمة، ما أدى إلى تصعيد المواجهة بين مؤسسات الدولة.
وتعد الأزمة الحالية أحدث فصول الخلاف المستمر منذ سنوات بشأن سيادة القانون واستقلال القضاء في بولندا. وكان الائتلاف المدني المؤيد لأوروبا، بقيادة توسك، قد فاز بالانتخابات البرلمانية عام 2023، متعهدًا باستعادة استقلال المحكمة الدستورية وإصلاح النظام القضائي.
في المقابل، انتُخب كارول نافروتسكي، المدعوم من حزب القانون والعدالة، رئيسًا للبلاد العام الماضي. ورغم محدودية صلاحيات الرئيس التنفيذية، فإنه يمتلك دورًا دستوريًا مؤثرًا، لا سيما في ظل الخلافات المتعلقة بالتشريعات والمؤسسات القضائية.
ومنذ توليه المنصب، تصاعدت المواجهة بين نافروتسكي وحكومة توسك، إذ وصف الرئيس إقالة شفينتشكوفسكي من رئاسة المحكمة بأنها «استيلاء قسري على هيئة دستورية»، كما ألغى رحلته إلى إفريقيا وعاد إلى وارسو عقب علمه بالقرار، متوجهًا إلى مقر المحكمة.
ويُعد نافروتسكي من أبرز المؤيدين للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ أشاد به في سبتمبر الماضي، كما سبق أن اقترح إطلاق اسم «حصن ترامب» على قاعدة عسكرية أمريكية جديدة في بولندا.
جذور الخلاف حول استقلال القضاء
تعود جذور الأزمة إلى فترة حكم حزب القانون والعدالة، التي استمرت ثماني سنوات حتى عام 2023، عندما أجرى الحزب تعيينات في المحكمة الدستورية أثارت اعتراضات بشأن قانونيتها، بعدما شملت مقاعد سبق أن شغلتها شخصيات عيّنتها الحكومة السابقة.
وفي عام 2021، حذر الاتحاد الأوروبي من أن تحركات الحزب تمثل «خطرًا منهجيًا على سيادة القانون في بولندا»، بسبب مخاوف تتعلق بتقويض استقلال المحكمة الدستورية والتدخل السياسي في عمل القضاء.
وعلى خلفية الخلافات بشأن استقلال القضاء، جمدت المفوضية الأوروبية تمويلات أوروبية لبولندا، بلغت قيمتها نحو 137 مليار دولار، وفقًا لما ورد في التقارير المتعلقة بالأزمة.
واستمر القضاة الذين عُيّنوا خلال حكم حزب القانون والعدالة في مناصبهم بعد وصول توسك إلى السلطة، ما عرقل محاولات حكومته إجراء تغييرات داخل المحكمة.
كما رفض نافروتسكي أداء اليمين الدستورية لثلاثة من أصل ستة قضاة رشحهم البرلمان، فيما رفض رئيس المحكمة السماح للقضاة الذين وافق البرلمان على تعيينهم بمباشرة مهامهم.
وشهد الأسبوع الماضي منع القاضي ماشيي بيريك من تولي منصبه، رغم موافقة البرلمان على تعيينه، بالتزامن مع اشتباكات خارج مقر المحكمة في العاصمة وارسو، قبل أن تعزز شرطة مكافحة الشغب انتشارها الأمني حول المبنى السبت.
مواجهة سياسية وطرق مسدودة
من جانبه، دافع رئيس الوزراء دونالد توسك عن تحركات حكومته، مؤكدًا أن هدفها استعادة سيادة القانون وإعادة المحكمة الدستورية إلى أداء مهامها بصورة مستقلة.
وقال توسك، في منشور عبر منصة «إكس» السبت، إن عملية الإصلاح «صعبة، ومؤلمة في بعض الأحيان، وتتطلب اتخاذ إجراءات حاسمة»، مضيفًا أنه لا يوجد طريق آخر لتحقيق ذلك.
وفي خطاب متلفز، شدد رئيس الوزراء على أن «الصراخ والأكاذيب والشجار لا يمكن أن تكون مصدرًا للقانون في بولندا»، مؤكدًا أن المحكمة الدستورية ستعمل بصورة مستقلة عنه ووفقًا لأحكام الدستور.
وفي قراءة قانونية للأزمة، اعتبر أستاذ القانون ألبرتو أليمانو أن تعليق مهام رئيس المحكمة ونائبه يتعارض مع تعهد الحكومة بإبعاد السياسة عن المؤسسة القضائية، محذرًا من أن إجراءات الإصلاح ينبغي أن تلتزم بدورها بالقانون.
وأوضح أليمانو أن وجود الشرطة خارج مقر المحكمة بالتزامن مع تعليق مهام قياداتها لا يمثل في حد ذاته انقلابًا، لكنه أشار إلى أن استعادة سيادة القانون لا يمكن أن تتم عبر إجراءات تتجاوز الأطر القانونية.
وتكشف الأزمة عن صعوبة تفكيك آثار التغييرات القضائية التي شهدتها بولندا خلال حكم حزب القانون والعدالة، في ظل استمرار الانقسام بين الحكومة والرئاسة حول شرعية التعيينات القضائية وحدود صلاحيات كل مؤسسة، بما يضع استقلال المحكمة الدستورية ومستقبل سيادة القانون في البلاد أمام اختبار جديد.